عصر اللا حل

مقال رأي

في منتصف شهر أكتوبر تقريبًا، بدأ يراودني الشعور بأنه بعد 20 أو 30 أو 50 عامًا من الآن، قد يتفق المؤرخون أن الولايات المتحدة دخلت عهدًا جديدًا في هذا العام الفائت، عهدًا ليس بالجيد. بدأ ذلك خلال الصيف، مع مجموعة من الأزمات العالمية المحبطة بشدة: أطفال أمريكا الوسطى يحاولون العبور بشكل جماعي عبر حدود تكساس، الإجراءات الوحدوية المستمرة من فلاديمير بوتين في أوكرانيا، الحرب الأخيرة في غزة، وبالطبع قطع الرؤوس الذي تقوم به داعش والتهديد الأكبر الماثل في هذه الجماعة.

في صيف عادي، كان يمكن لأي من هذه الأحداث الأربعة أن يهيمن وحده على عناوين الأخبار، وهو أمر كارثي بشكل يصعب التعامل معه. ولكن الأربعة في وقت واحد، كان أكثر مما يمكن استيعابه في بعض الأيام.

تلاشت بعض تلك الأزمات، وهذا أمر طبيعي ( ولا يعني ذلك أنها ليست مستمرة). ولكن أزمة داعش اشتدت، فقد بدأ الرئيس أوباما بقصف المليشيات وتسليح المتمردين السوريين. ثم جاء فزع الإيبولا هذا الخريف. وبحلول أكتوبر، وهو توقيت سيء انتخابيًا بالنسبة للديمقراطيين، كان هناك شعور بالعجز، وكانت استطلاعات الرأي واضحة: الأمريكيون يعتقدون أن بلادهم متخبطة ولم تعد قادرة على حل المشاكل، ويكرهون كلا الحزبين ولا يرون قيادة.

دفع الديمقراطيون ثمنًا باهظًا لكل هذا في الانتخابات النصفية. ولكني أعتقد أن ما يحدث يجب أن يُنظر إليه من خلال منظور أوسع من الانتخابات، لأنه قد يكون أكثر زلزلة. أعتقد أن من المحتمل أن ندخل عصر اللا حل، إذ نواجه سلسلة من الأزمات العالمية المريرة والتي لا يمكن تجاهلها أو حلها، وبخاصة اليوم في واشنطن المستقطبة. هذا العصر الجديد قد يعيد تشكيل مجتمعنا وسياستنا كما فعلت الحرب الباردة، أو الحروب الثقافية في الثمانينيات والتسعينيات. يعاد التشكيل بأية كيفية؟ أعتقد أن في النهاية للأفضل، ولكن بعد كثير من المقاومة والألم.

أعرف أن الناس دائمًا يعلنون عن عصر جديد لهذا وعصر جديد لذاك في حين أن العالم في الأساس يعاني بشكل أو بآخر من نفس المشكلات، يكره الناس بعضهم البعض بسبب الدين والمال والأرض والثقافة، منذ الحروب البونيقية. وجزء من فقراء العالم سيكونون دائمًا تواقين للمجيء للولايات المتحدة، وبدرجة أو بأخرى سيكون الإسرائيليون والفلسطينيون دائمًا كما عهدناهم.

ومع ذلك ما يحدث الآن يبدو مختلفًا. المشكلات ليست بالضرورة مختلفة تماما. كان لدينا دائمًا أوبئة وفيروسات وقتلة وحشيين بقدر داعش. ما يختلف اليوم هو أننا لا يمكننا تجاهلهم.

نتيجة للعولمة والهجرة الجماعية (وبخاصة في الولايات المتحدة التي ما تزال إلى حد بعيد الوجهة الأولى للهجرة) ونتيجة لثورة الهواتف الذكية وثورات مواقع التواصل الاجتماعي باتت الأزمات التي كانت يومًا بعيدة عن معظم الأمريكيين تصفع اليوم وجوهنا. من الجدير التوقف للتفكير في مدى اختلاف ذلك عن العصور الماضية. خلال الحرب الباردة، على سبيل المثال، عندما كانت الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي يدعم حكامهم المستبدين المفضلين في البلدان الفقيرة البعيدة، لم يكن الأمريكيون يفكرون مطلقًا في شكل الحياة في نيكاراغوا أو زائير، لم يفكروا مطلقًا أن هولاء الناس قد يكون لديهم تطلعات من أي نوع. هذا الجهل ببساطة أصبح مستحيلًا في عالم اليوم. وبالمناسبة، الوعي الزائد يعمل في الاتجاه الآخر أيضًا: اليوم من يعيشون في المجتمعات القمعية يريدون أن يعرفوا ما يفوتهم، بشكل لم يفعلوه قبل جيلين، وقادرين على مطالبة ضمائرنا بشكل لم يكن موجودًا من قبل.

الواقع اليوم مختلف أيضًا عن حقبة ما بعد الحادي عشر من سبتمبر مباشرة. وقتها، كان على الأقل مصدر القلق حدثًا واحدًا ارتكبه جاني واحد في منطقة واحدة. اليوم، تقع العديد من الأحداث والتعامل معاها أكثر صعوبة، لأنها لن تتوقف أبدًا عن الحدوث.

من بين أزمات الصيف المذكورة أعلاه، قدمت حرب غزة الصورة الأكثر وضوحًا لكل هذا التغيير، وبأشكال ما كانت أوضح من اجتياح داعش. لأكثر من 50 يومًا تقريبًا، رأينا صورًا للقنابل منهمرة على كلا الجانبين ولكن بالطبع بشكل أكثر تدميرًا على غزة. تلك الصور لم تقتصر على بضع دقائق في نشرات الأخبار المسائية كأيام الحرب في فيتنام. كانت ثابتة من خلال تويتر وانستغرام ويوتيوب وغيرها من المصادر. تخيل أن مذبحة ماي لاي تحدث في عالم اليوم. في الستينات لم يتم الكشف عن هذه الواقعة لما يقرب من عام ونصف العام. في ظل التكنولوجيا اليوم، سيتم الكشف عن هذا الحدث في غضون دقائق.

لمستُ خلال الحرب الأخيرة على غزة بداية تحول خفي في الرأي العام الأمريكي. لا يذهب المرء بعيدًا ليسميه مؤيدًا للفلسطينيين؛ عامة الأمريكيون بعيدين جدًا جدًا عن التخلي عن الإسرائيليين واحتضان حركة يراها معظم الأمريكيين تمارس عنفًا دون تمييز. ولكن يمكن القول أيضًا إنه للمرة الأولى، رأي عام أوسع من الأمريكيين يشعر بأن هناك شيئًا اسمه قتلى فلسطينيين أبرياء، في مقابل شخص هو فقط إرهابي على أية حال ويلاقي ما يستحقه. هؤلاء الأولاد الأربعة على الشاطيء، هم أكثر العالقين في الذهن ربما، ولكن أيضًا 15 على الأقل قتلوا في قصف لمدرسة الأمم المتحدة. بدأ الأمريكيون يرون أن هناك جانب فلسطيني لهذه القصة.

ورؤية جانب فلطسيني لهذه القصة يعني رؤية العالم في شكل أقرب إلى تعقيده الحقيقي. وهذا أيضًا ما قد يكون جديدًا في عصر اللاحل. الأمريكيون لا يتعاطون عادة مع هذا القدر من التعقيد، وخصوصًا في الشؤون العالمية. نحن نفضلها بسيطة (نحن بالكاد متفردين في ذلك بين شعوب العالم). خلال الحرب الباردة، كنا نحن الأخيار، والروس هم الأشرار. وبعد الحادي عشر من سبتمبر، أتذكر شخصًا صارخًا على قنا "فوكس" ربما كان بيل أورايلي، إنه نعم، الأشياء هكذا، أبيض وأسود، لا نريد ظلال رمادية في وقت مثل هذا، نحن بحاجة إلى وضوح أخلاقي.

حسنًا، إن عالمًا من الديستوبيا العالمية هو عالم من الغموض الأخلاقي. نعم، إن داعش هم أشرار بشكل مباشر، في هذا القدر العالم يتفق. ولكن بعد ذلك يتحول الأمر للغيوم. ماذا عن بشار الأسد؟ نتحالف معه؟ إنه سفاح وحشي بقدر أبي بكر البغدادي، قائد الدولة الإسلامية في العراق والشام. نتعاون مع إيران؟ نحن نقول إننا لا نلعب الكرة مع هذين،  لكن إلى حد ما، بعض التعاون لابد منه. بدلًا من ذلك، نحن نتعاون بشكل أوضح مع السعوديين، "أصدقائنا" المسؤولين عن أحد أكثر أنظمة العالم قمعية، وبالمناسبة، لا يوجد تقصير في قسم قطع الرؤوس ذاته. نحن نتلوث في الشرق الأوسط منذ زمن بعيد، والفرص لاتخاذ خيارات أخلاقية واضحة ستكون نادرة.

لن يتورط معظم الأمريكيين كثيرًا في هذه الأسئلة. بالكاد يمكن لمعظم الأمريكيين تحديد أوروبا على الخريطة. ولكن مع مرور الوقت، وبينما يصبح هذا العالم المليء بأزمات عالمية لا يمكن تجنبها واقعًا ثابتًا في حياتنا، ستشهد التكنولوجيا والهجرة ذلك، أعتقد حقًا أن كتلة حرجة معينة من الأمريكيين سيكونون أكثر دراية قليلًا بالعالم.

وفي هذا أقول، إنها مسألة وقت. كثيرون من باقي العالم يعيشون في عنف مؤرق كجزء طبيعي من حياتهم اليومية، وسيكون تعليمًا جيدًا للأمريكيين أن يروا ذلك. هناك نسبة معينة من الأمريكيين سيبدأون حتى في التصالح مع فكرة تحمل بعض المسؤولية عن تلك الأوضاع، اعتمادًا على المكان. المعرفة تؤدي حتمًا إلى التعاطف، وحتى إذا لم يوجد التعاطف فعلى الأقل سيؤدي إلى التعاطي مع المشكلة والنظر في تعقيدها. لا يمكن ببساطة وضعها في صندوق بعد الآن. والتعامل مع العالم المعقد هو الأمر المفروض على الأمريكيين اليوم.

الاقتراع العام الذي جرى خلال الخريف بشأن مسألة ما يجب على الولايات المتحدة فعله حيال الدولة الإسلامية يعكس تمامًا هذا الشعور بمحاولة الأمريكيين التعامل مع مشكلة معقدة. تقول استطلاعات الرأي، وباختصارـ نعم، يجب أن نفعل شيئًا حيال داعش، نعم، على الأرجح لن يجدي ذلك شيئًا، نعم، نظن أن ذلك سيتطلب قوات برية في النهاية، وهو ما سنعارضه، ولكن .. نعم، نريد أن نفعل شيئًا، والآن.

إن طبيعة العالم اليوم هى أن الولايات المتحدة يجب أن تفعل شيئًا في محاولة لمعالجة مجموعة واسعة من المشاكل العالمية، ولكن ليس لدينا القدرة على إصلاح أي منها. في الواقع، لدينا بالكاد القدرة على التأثير عليها عدا حول الهوامش، بتكلفة عالية، وعلى فترات زمنية طويلة. هذا شيء جديد بالنسبة للأمريكيين، الذين ما زالوا يعتقدون في أنهم قادرين على أن يشمروا عن سواعدهم ويبدأوا في حل الأزمات. في البداية، الفشل التام قد يجعل الناس ينفضون أيديهم، وسيكون إغراء الانعزالية قويًا. إنه قوي الآن، في الجانبين اليمين الليبرالي واليسار المناهض للحرب، وعلى المدى القريب على الأرجح ستزداد قوته.

ولكني أعتقد على مدى العشر سنوات أو الخمسة عشر سنة المقبلة، سيتصالح معظم الأمريكيون مع اللا حل، وعلى افتراض أننا سنظل بشكل أو بآخر ديموقراطية فاعلة، سيحذو قادتنا حذونا. لذافإننا قد نتراجع في البداية، ولكن في الوقت المناسب سيرى الأمريكيون أن هذا التراجع من الساحة العالمية ليس خيارًا قابلًا للتطبيق. وبعد ذلك، ربما سنبالغ (مرة أخرى) في تدخلنا لبضع سنوات، دعونا فقط نتمنى أن نفعل ذلك دون أن نصنع الكوراث التي صنعناها في العقد الماضي. ومن ثم، كما نأمل، إذا كان لدينا رئيسًا جيدًا، وإذا خسر الحزب الجمهوري عددًا كافيًا من الانتخابات الرئاسية المتتالية تجعلهم يقررون في النهاية التوقف عن كونهم آلة غضب ويبدأون في التفكير بطريقة شبه مسؤولة مرة أخرى، سنكون حينها قادرين على صنع سياسة خارجية تحاول تلبية احتياجات العالم.
سنتعامل معها ولكن ليس بالضرورة عسكريًا، بقوة ولكن متعددة الأطراف بشدة، والأهم من ذلك أنها ستأخذ نظرة أوسع وأقل دفاعية من المصالح الأمريكية، وهكذا ستحصل بأي شكل على دعم من الجميع، على سبيل المثال، فكرة أن الولايات المتحدة لديها مصلحة واضحة في مساعدة بلدان غرب أفريقيا في بناء البنى التحتية للرعاية الصحية قبل أن يبدأ فيروس في قتل الآلاف.

كيفما ستجري الأمور، فإن هذا الواقع العالمي المرير سيعيد تشكيل ثقافتنا وسياساتنا بشكل عميق. ربما بدلًا من التفكير باستمرار في كيف نحن مختلفون عن باقي العالم، وكيف أن مشاكلهم ليست مشاكلنا، سنبدأ في التفكير أكثر قليلًا في أن مصيرنا مرتبط ببقية العالم. وعندما نفعل ذلك، ربما بعض تلك المشكلات ستبدو، أو ستكون فعلًا، قابلة للحل بعد كل شيء.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب