عملية «العزم التام»: تقييم مؤقت

مقال رأي

 

منذ أن أصدر الرئيس أوباما الأمر إلى القوات الأمريكية بمباشرة العمليات العسكرية ضد تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» («داعش»)/«الدولة الإسلامية» في السابع من آب/أغسطس، نفّذ التحالف أكثر من 5 آلاف غارة جوية مستخدماً نحو 4 آلاف سلاح، فضلاً عن 1700 مهمة استخبارات ومراقبة واستطلاع جوية وأكثر من 22 ألف رحلة جوية لإعادة التموين وما يزيد عن 1300 عملية نقل جوي لتسليم نحو 6000 طن من المساعدات الإنسانية والعسكرية. إلا أن هذه الأرقام تعتبر منخفضة بالمقارنة مع الحملات الجوية السابقة كما أنها قد توحي بالافتقار إلى الفعالية التكتيكية، فخلال عملية «عاصفة الصحراء» مثلاً شنت طائرات التحالف ما بين 800 و 1000 غارة جوية بالمعدل في اليوم. ولكن عند دراسة هذه الحملة من المنظارين العملياتي والاستراتيجي، يتبين بوضوح أنها حققت بعض النجاحات البارزة.

الحملة في العراق

لقد بلغ هجوم «داعش» في العراق أوجه. وبينما كان التنظيم قد نفّذ سابقاً زحفاً سريعاً في مناطق شاسعة لمباغتة وحدات الجيش العراقي والتسبب بدحرها، أصبحت قواته اليوم تنتشر هناك في حالة دفاعية في أغلب الأحيان لا تتخللها سوى عمليات هجومية في مواقع محلية. ومع أن هذا الوضع لم ينتج عن الحملة التي تشنها قوات التحالف وحدها، إلا أن الضربات الجوية دمّرت أو ألحقت الضرر بما يزيد عن 300 آلية و 15 قذيفة هاون وقطعة مدفعية، وتسعة نظم قيادة وتحكم، وذلك في المرحلة الحاسمة الممتدة على الشهرين ونصف الشهر الأولين من العملية حينما كانت الجماعة لا تزال تشن هجماتها بصورة نشطة، هذا بالإضافة إلى قتل أو جرح عدد غير محدد من مقاتلي تنظيم «الدولة الإسلامية».

وعلاوةً على ذلك، ساهمت هذه الضربات في إعطاء القوات العراقية وقوات "البيشمركة" الكردية وقتاً إضافياً للتحالف معاً، في الوقت الذي منعت فيه تنظيم «داعش» من حشد قواته لتنفيذ المزيد من الهجمات. كما أنها وفّرت دعماً حاسماً من حيث القوة النارية واللوجستية خلال العمليات الكبرى، بما في ذلك مساعي استعادة سد الموصل وسد حديثة والهجوم المضاد حول جبل سنجار والجهود التي بذلها الجيش العراقي لإحباط هجوم كبير شنه تنظيم «الدولة الإسلامية» على بغداد في تشرين الأول/أكتوبر. أضف إلى ذلك أنها أتاحت التعامل سريعاً مع حالة الطوارئ الإنسانية للاجئين اليزيديين في جبل سنجار فأنقذت الأرواح وأضفت طابعاً إنسانياً على عملية التدخل. وقد كان لهذا المسعى الأخير أصداءٌ إيجابية في كل من الولايات المتحدة وبلدان أوروبا وغيرها من الدول حيث تزايد الدعم الشعبي للعملية ومنحها الوقت اللازم لتتوج بالنجاح.

الحملة في سوريا

بدأت الضربات الجوية لقوات التحالف في سوريا بعد شهر ونصف الشهر على استهلالها في العراق ولكنها ازدادت حدةً مع ابتعاد تنظيم «داعش» عن الجبهة العراقية المتصفة بالركود واتجاهه نحو ما يعتبره أهدافاً أسهل في سوريا. وحتى هذا اليوم ساعدت القوة الجوية على إيقاف وعكس مفاعيل هجوم هذه الجماعة على معقل الأكراد في كوباني (عين العرب) حيث تسببت الضربات الجوية التي فاق عددها 470 ضربة بأضرار جسيمة في صفوف قوات تنظيم «الدولة الإسلامية» وأدت إلى خسارة العديد من الأسلحة الثقيلة والآليات التي يصعب استبدالها. ولعل الهزيمة التي مني بها التنظيم في كوباني تعد الانتكاسة الأبرز له خلال العام المنصرم ومن الممكن أيضاً أن تنفي عنه صفة التنظيم الذي لا يقهر.

وفي المقابل ركزت الضربات في المناطق الأخرى من البلاد على استنفاذ قوة القيادة العليا لدى الجماعة وخفض إيراداتها غير المشروعة الناتجة عن تهريب النفط وإضعاف مرافقها التدريبية واللوجستية. هذا ووفّرت العمليات في سوريا أيضاً فرصة مفيدة لشن ضربات لمكافحة الإرهاب ضد «جماعة خراسان» التابعة لتنظيم «القاعدة» والمنضوية تحت منظمة «جبهة النصرة».

دقة وضبط غير مسبوقين

كانت للطريقة التي نُفذت فيها الحملة أهميتها أيضاً. فقد اتسمت العمليات الجوية للتحالف بدرجة بالغة من الدقة والانضباط. كما أن الإدعاءات الموثوقة حول أعداد الضحايا من المدنيين - نحو خمسين ضحية في كل من العراق وسوريا - لا تزال حتى الآن متدنية جداً نسبةً إلى عدد الأسلحة التي تم تسليمها. ومع أنه يصعب التحقق من هذه الأرقام بسبب غياب أي وجود ميداني لقوات التحالف أو الصحفيين المستقلين في الأراضي الخاضعة لسيطرة «داعش»، يبقى واضحاً أنه تم بذل جهود ملحوظة للحرص على الحد من الأضرار غير المباشرة. إن هذا الضبط قد قلص على  الأرجح من الأضرار التي ألحقت بتنظيم «الدولة الإسلامية» غير أنه أتى بفوائد جمة من ناحية حشده لتحالف أكبر، حيث تضافرت ثماني دول غربية وست دول عربية على شن الغارات بينما ساهمت عشرات غيرها في توفير المساعدات الإنسانية أو التدريب أو الدعم العسكري.

العقبات والنواقص

لم تخل الحملة من التحديات. فقد واجهت القوة الجوية القيود بسبب السياسات التي شرعها القادة السياسيون والعسكريون في الولايات المتحدة من أجل الحد من عدد الأهداف التي يمكن ضربها كل يوم. أولاً، إنّ القرار بتجنب نشر الجنود الأمريكيين على الأرض عطّل التكتيك المثبت الذي يتمثل بجمع "القوات الخاصة" مع الجنود المحليين من أجل تحديد الأهداف التي ستستهدفها الضربات الجوية لدى العدو. وللتعويض عن هذا القيد، تم تعيين مستشارين أمريكيين في مختلف المقرات العراقية سعياً إلى تحديد متطلبات الدعم الجوي وإيصال هذه المعلومات إلى" مركز العمليات الجوية المشتركة" في قطر الذي يشرف على الحملة الجوية. لكن يبدو للأسف أن نظام القيادة والتحكم العراقي خاملٌ لدرجة تمنعه من نقل الأهداف إلى المركز المذكور بانتظام في الوقت المناسب.

ثانياً، تتعامل القيادة المركزية الأمريكية والبنتاغون مع الحملة على «داعش» باعتبارها مسعىً قائماً على مبدأ "الاقتصاد في القوة" الذي يأتي في المرتبة الثانية بعد العمليات الأخرى في سائر أنحاء المنطقة. ويصح هذا الأمر بشكل خاص فيما يتعلق بقوى الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع التي لا تزال تركز بشكل كبير على دعم العمليات الرجعية في أفغانستان. وطوال فترة الحملة على تنظيم «الدولة الإسلامية»، استعانت "القيادة المركزية الأمريكية" بالاستخبارات والمراقبة والاستطلاع في أفغانستان بأكثر من ستة إلى عشر مرات ما استعانت بها في العراق وسوريا. وفي غياب وحدات منتشرة على الأرض، تقع مسؤولية العثور على أهداف «داعش» وضربها على قوى الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع بشكل يكاد يكون حصرياً. لكن نقص هذه الإمكانيات في العراق وسوريا لا ينفك يترك "مركز العمليات الجوية المشتركة" أمام أهداف يتدنى عددها كثيراً عن عدد الطائرات/الأسلحة المعدة لضربها. وتشتد حدة المشكلة بشكل خاص حين يشن تنظيم «الدولة الإسلامية» عمليات هجومية متزامنة في موقعين أو أكثر، ما يشتت قوى الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع إلى حدٍّ يمنعها من تلبية المتطلبات الأكثر أهمية بشكل كامل.

التوقعات على المدى القريب

من المرجح أن تستمر قوات الجيش و"البيشمركة" في العراق خلال الأشهر القادمة باستعادة المناطق الرئيسية المحيطة بأطراف الأراضي الخاضعة لسيطرة «داعش» لينتهي بها المطاف إلى بسط سيطرة الدولة على معظم المناطق الريفية الغربية من العراق. لكن بالنظر إلى سجل الجيش العراقي الماضي، من المستبعد أن يتمكن هذا الأخير من السيطرة على هذه المناطق الريفية بشكل كامل أو الأهم من ذلك دحر تنظيم «الدولة الإسلامية» خارج المراكز المدنية السنية. وهذا الأمر قد يؤدي مع مرور الوقت إلى جمود استراتيجي يتمثل بسلسلة من الجزر المدنية التي تخضع لسيطرة «داعش» وسط بحرٍ من خطوط التواصل المتنازع عليها في الصحراء والأودية النهرية.

أما في سوريا، فيواصل تنظيم «الدولة الإسلامية» منهج عملياته المعتاد الذي يقضي بتفادي مواطن قوة العدو والبحث في المقابل عن نقاط ضعفه واستغلالها. ومع إيقاف هجماته في العراق وإحباط مساعيه لتدمير معقل كوباني، باتت الجماعة تسيّر جهودها في اتجاهين: الأول نحو حلب، وذلك من أجل القضاء على المعارضة السورية الأكثر اعتدالاً، والثاني نحو جنوب سوريا حيث كان وجودها في السابق ضئيلاً أو معدوماً. ومن المحتمل أن يسفر هذا الواقع عن حالات إضافية مشابهة لحالة كوباني حيث تكافح جيوب معزولة من المقاومين للصمود بوجه هجمات «داعش» المكثفة. كما أنه سيقلل من عدد جماعات الثوار المعتدلين في الوقت الذي تنضم فيه الفصائل المختلفة إلى تنظيم «الدولة الإسلامية» إما سعياً للبقاء على قيد الحياة أم لضمان وقوفها إلى جانب المنتصر.

الخطوات المقبلة

يعزى بقاء «داعش» في الوجود إلى عاملين: الأول هو أن الفراغ في القوة الذي سببه تراجع نظام الرئيس الأسد من مناطق كبيرة شرق سوريا وما تبعه من تداعٍ لقوات الأمن العراقية في الغرب السني من العراق مكّن تنظيم «الدولة الإسلامية» من أن يتحول من جماعة إرهابية مدنية صغيرة إلى دولة فعلية. والثاني هو أن تساهل السكان السنة المعادين للقوات الحكومية أتاح لتنظيم «داعش» الاستحواذ على مساحات شاسعة من الأراضي في كلا الدولتين بواسطة عدد قليل نسبياً من المقاتلين. وهذه مشاكل تعجز القوة الجوية عن حلها بمفردها.

أما على صعيد إعادة تشكيل القوات العراقية والكردية وقوات معينة من الثوار السوريين وإعادة صفة الاحترافية إليها، فتتفاوت فرص النجاح. فالمساعي الأمريكية في هذا المجال قد تؤتي ثمارها في العراق في النهاية، ولكن بشكل محدود فقط. ومن المستبعد أن تعود هذه المساعي بمنافع تذكر في سوريا في المستقبل القريب، ويعود ذلك جزئياً على الأقل إلى أن عدد القوات التي تخضع للتدريب قليل جداً ولا يسمح بتغيير الدينامية على الأرض بشكل حاسم.

من هنا فإنّ إحراز تقدم إضافي سيتطلب صبراً وابتكاراً أكبر في استخدام القوة الجوية. فزيادة عدد القنابل الملقاة دون أن تصحبها زيادة في مهام الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع وعدد "مراقبي الهجوم النهائي المشترك" لن تتسبب سوى بسقوط المزيد من الضحايا المدنيين، ما يخاطر بفرض ضغط غير ضروري على قوات التحالف ودفع السنة المحليين بصورة أكثر إلى فلك تنظيم «الدولة الإسلامية». وبالتالي فإن الخطوة الأولى في هذا الإطار تتمثل بزيادة مهام الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع على الأرض و/أو جمع المزيد من "مراقبي الهجوم النهائي المشترك" مع القوات العراقية.

وكما هو موضح أعلاه، لن يؤدي قتل المزيد من مقاتلي «داعش» إلى القضاء على العوامل التي مكنت التنظيم من البروز في المقام الأول. لذلك يجب توسيع الحملة التي يشنها التحالف من خلال مضاعفة الجهود الآيلة إلى كشف صورة التنظيم الزائفة عن قوته التي لا تقهر في صفوف السنة المحليين وإلى استغلال ميوله الانهزامية التي تتنافى مع أهدافه. فكلما طالت المدة التي سيطر خلالها تنظيم «الدولة الإسلامية» على منطقة ما، زاد انقلاب السكان المحليين ضده بسبب عقيدته العدمية الإرهابية، وهذا أمر أثبتته الثورات العشائرية الأخيرة في شرق سوريا وغرب العراق. وفي الواقع أن أكبر مخاوف الجماعة هو نشوب انتفاضة عشائرية ناجحة، لذلك يميل مقاتلو «داعش» إلى قمع أي مقاومة بسرعة قبل أن تكبر وتصل إلى حجمٍ خطير. فإذا نجحت ثورة عشائرية، حتى على المستوى المحلي، من الممكن أن تشكل سابقة قوية تصل تأثيراتها إلى المناطق الأخرى الخاضعة لسيطرة تنظيم «الدولة الإسلامية».  

إلا أن خلق مثل هذه الفرصة يتطلب زيادة الدعم الجوي للسنة الذي يقاتلون «داعش». ولا بد أن يأتي ذلك في العراق على شكل جهود إضافية لدعم العشائر المحلية في وجه تنظيم «الدولة الإسلامية»، ما يوصل رسالة بأن مقاومة الجماعة أمر ممكن. وهذا من شأنه أن يجبر «داعش» على تحويل مواردها الأساسية بعيداً عن عملياتها في الأماكن الأخرى، ليخف بذلك الضغط عن الثوار السوريين الذين تدعمهم الولايات المتحدة والذين يكافحون للاحتفاظ بحلب وأجزاء أخرى من شمال سوريا. ومن شأن ذلك أن يبطل أيضاً مصداقية الفكرة المتداولة عن أن قوات التحالف تسعى إلى إضعاف السنة بدلاً من هزيمة تنظيم «الدولة الإسلامية»، وربما يشجع ذلك على نشوب مقاومة أوسع ضد الجماعة.

إلا أن تقديم الدعم الجوي المباشر في سوريا يحفل بتعقيدات أكبر. فمعظم قوات التحالف تسعى إلى إنهاء حكم الرئيس الأسد، لذلك لا يمكنها التضامن مع أي قوة حكومية. كما أن فصائل المعارضة المختلفة هي إما تملك عقائد لا تستسيغها الدول الغربية أو تفتقر إلى التنظيم والتجهيز إلى حد يمنعها من شن أي هجمات على «داعش» في المستقبل القريب. ونتيجةً لذلك، يجب أن تتمحور الحملة الجوية حول مسارين من الجهود: (1) الحط من القدرات الجوهرية لـ تنظيم «الدولة الإسلامية»، كقابلياته اللوجتسية والتدريب والقيادة والتحكم، و(2) الحفاظ على قدرات الثوار المعتدلين من خلال توفير الدعم الجوي لبعض الفصائل عند تعرضها لهجوم من «داعش». وسوف يستنزف ذلك المزيد من قدرات التنظيم القتالية ويحط من شأنه فيما يحافظ على قاعدة عمليات لتدريب الثوار المعتدلين.

التحديات والمخاطر في العراق

على المدى القريب، قد تتطلب الاستراتيجية المذكورة أعلاه تعامل قوات الاستخبارات و"القوات الخاصة" التابعة لقوى التحالف مع أفراد العشائر العراقية، الأمر الذي يزيد من خطر وقوع الضحايا في صفوف الأمريكيين. بالإضافة إلى ذلك، أن تشكيل قوة سنية مسلحة خارج إطار المؤسسة الأمنية العراقية قد يؤدي إلى استمرار النزاعات الطائفية في البلاد بعد هزيمة تنظيم «الدولة الإسلامية». ولكن إذا ما اعترفت بغداد بهذه الوحدات على نحو مشابه لاعترافها بقوات "البيشمركة"، من الممكن أن تصبح في النهاية المحور الذي يُبنى حوله "حرس وطني سني"، مما يسرّع الجهود الهادفة لتحقيق الأمن على المدى الطويل في المناطق السنية غرب بغداد.

مصدر الترجمة: 
Washington Institute for Near East Policy