فشل أوباما التام في ليبيا

مقال رأي

 

قبل نحو أربع سنوات، في لحظة صعقت الجماهير حول العالم، أعلن الرجل القوي الليبي المحاصر معمر القذافي عن عزمه على تطهير ليبيا "بيت بيت" كجزء من حصاره الوشيك للمتمردين، بمدينة بنغازي بشرق ليبيا. في غضون شهر، قام الرئيس أوباما، بدعم من مجلس الأمن للأمم المتحدة، بقيادة تحالف جوي لانقاذ مدينة بنغازي من المذبحة التي هدد بها القذافي. ولكونه على استعداد أن "يقود من الخلف" بعد ضغط شديد مارسته بريطانيا وفرنسا، أطلق الرئيس ثم توسع في أهداف الحرب التي أقرتها الأمم المتحدة في البداية وسعي لتغيير النظام. ونتيجة لذلك، وقع الرئيس أوباما في ثلاثة مزالق حرجة عند متابعته هذا التدخل متعدد الأطراف.

أولًا، فشل أوباما في التعبير عن قضية واضحة ومقنعة للحرب أمام الرأي العام الأميركي تبرر لماذا كان هذا العمل العسكري أمرًا ضروريًا ويهدف إلى المصلحة الوطنية. فرغم أن معمر القذافي لم يكن بأي حال من الأحوال حليفًا وثيقًا للولايات المتحدة، فهو قد اتخذ خطوات في السنوات الثماني السابقة لتحسين العلاقات مع الولايات المتحدة، بما في ذلك وقف برنامجه النووي وتسوية أموره مع عائلات لوكربي. ونتيجة لذلك، رغم أن عدد وافر من الأميركيين قد دعموا الحملة ضد ليبيا في البداية في مارس 2011، فمع يونيو، تحول الرأي العام ليصبح سلبيا. وعلى الرغم من حملة أوباما الرئاسية التي انصبت على إنهاء المشاركة الأمريكية في "الحروب المختارة،" فقد دخل أوباما على مضض في واحدة من تلك الحروب، إلى جانب حلفائه الأوروبيين الذين لم يكونوا قادرين على تنفيذ ذلك التدخل العسكري منفردين.

ثانيا، غير أوباما وحلفائه الأوروبيين أهداف الحرب التي أقرتها الأمم المتحدة من منطقة حظر جوي وحماية المدنيين إلى تغيير صريح للنظام. ونتيجة لذلك، حيدت الولايات المتحدة موسكو وبكين اللتان كانتا قد حجبتا حق الفيتو الخاص بهما ضد إجازة استخدام القوة على أساس افتراض أن الحملة المقترحة كانت لها أهداف ونوايا محدودة. وبالسعي لتغيير النظام دون الحصول على الدعم الكامل من مجلس أمن الأمم المتحدة، خان التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة ثقة موسكو وبكين وخسر مشاركتهما في أي جهد يبذل بعد الحرب لإعادة بناء الدولة. أصبحت العملية المقبولة دوليًا تسوق على أنها مشروع امريكي اوروبي. منذ ذلك الحين، أثارت موسكو مرارا هذا الموقف لكونه سببًا لعدم ثقتها في التزام الرئيس أوباما بالتعددية. ومن السيء كذلك رفضت الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوروبيون تسوية تفاوضية اقترحها الاتحاد الأفريقي والقذافي نفسه، والتي كان يمكنها أن تمنع حدوث انهيار كامل للدولة.

ثالثًا، فشل التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة بعد سقوط طرابلس في وضع إستراتيجية ما بعد الحرب لإعادة بناء وتأمين ليبيا، والأهم، أنه فشل في تخصيص موارد كبيرة للمساعدة في نزع سلاح المتمردين وانتقال ليبيا إلى حالة مستقرة. إلا أن القول المأثور القديم لكولن باول ، وهو نفس الشعار الذي تستخدمه متاجر الأثاث لسياسة الاسترجاع الخاصة بها: "إذا كسرتها، تتحمل مسئوليتها،" قد بدا بعيدا كل البعد عن أفكار أوباما، وكاميرون، وساركوزي، حيث غادر التحالف ليبيا تماما بعد سقوط طرابلس. بدلا من ذلك، اعتمدت الولايات المتحدة، وبريطانيا، وفرنسا على وساطة الأمم المتحدة، وانضموا إلى  آخرين في عقد مؤتمرات "أصدقاء ليبيا" (التي عقدت آخر مؤتمراتها في مارس 2014) لمناقشة السبل التي يمكن للمجتمع الدولي أن يدعم ليبيا من خلالها. في أغلب الأحيان، كانت تلك المؤتمرات رمزية أكثر منها جوهرية. وقد أكد مقتل السفير كريستوفر ستيفنز في سبتمبر عام 2012 في بنغازي الوضع الأمني الخطير في ليبيا ما بعد القذافي وتكاليف الانخراط في التدخلات العسكرية الخارجية.

ألزم الرئيس الولايات المتحدة أن "تقود من الخلف" في تدخل عسكري كان مليئًا بالمزالق التي كان ينبغي تفاديها. وعلى الرغم من الانتقاد العلني منذ اغتيال السفير ستيفنز ومطالبة الولايات المتحدة بتصدر المقدمة بشكل أكبر في ليبيا، فمن المفارقة، في هذه المرحلة، أن "القيادة من الخلف" هو الخيار الوحيد الممكن للولايات المتحدة في هذا البلد الذي مزقته الحرب.

إن الفرص محدودة جدا لإحداث فرق جوهري في ليبيا، كما تفوق التكاليف إلى حد كبير الفوائد التي قد تعود على المصالح الوطنية للولايات المتحدة. وعلى غرار الوضع في اليمن وسوريا، أصبحت هذه "المساحات غير المحكومة" أرضًا خصبة للجهاديين الأجانب والمحليين الذين يشكلون تهديدًا ليس فقط ضد جيرانهم ولكن ضد مرافق وأفراد الولايات المتحدة، بل وربما ضد الأراضي الامريكية. وفي هذا الصدد، فإن جهود مكافحة الإرهاب الفعالة التي تقودها الولايات المتحدة ودعم إصلاح القطاع الأمني في ليبيا تبقى ذات أهمية كبيرة. ويمكن أن تشمل هذه الإجراءات توسيع العمليات السرية والخاصة في ليبيا وتوفير الدعم الجوي والاستطلاعي في مراقبة حدود ليبيا المفتوحة مترامية أطراف، والتي أصبحت بمثابة "طريقًا جديدًا للحرير" بالنسبة لسوق سوداء جديدة من نيجيريا الى ليبيا.

ومن المؤكد أن بناء مؤسسات الحكم سيكون امرًا مثاليًا ، حيث إنه السبيل الحقيقي الوحيد لضمان مستقبل ليبيا كدولة آمنة ومستدامة. ومع ذلك، فهو يشكل تحديا عظيما في البيئة الأمنية الحالية. وينبغي أن يرأس أي جهد على هذا الصعيد الدول التي لها مصالح وطنية أكثر إلحاحا: أي دول إقليمية عربية مثل قطر وتركيا والمملكة العربية السعودية والدول الأعضاء في الاتحاد الأفريقي، والدول الأوروبية مثل فرنسا وإيطاليا وبريطانيا.

دون تجدد العمل والتعاون الإقليمي والدولي لدعم جهود الأمم المتحدة، ستواصل الدولة الليبية وقوعها ضحية لاقتتال الميليشيات. لذا يجب على واشنطن تشجيع هذه الجهات المعنية الإقليمية والدولية على زيادة مسئوليتها عن تحديات الحكم لمنع ليبيا من أن تصبح دولة فاشلة. يجب أن يشمل هذا أعضاء الجامعة العربية الذين يجب عليهم دفن خلافاتهم والعمل معًا. التعاون الأمني بين جيران ليبيا أمر بالغ الأهمية لضمان أن عدم استقرار ليبيا لا يسبب المزيد من الخطر في شمال وغرب أفريقيا. ويمكن أن يشكل المؤتمر العالمي لمكافحة التطرف الذي اقترحه أوباما فرصة لتجديد التزام هذه الدول في التصدي لليبيا.

في حالة ليبيا، رغم وجود دروس واضحة تحث على تجنب "القيادة من الخلف" عند الالتزام بعمل عسكري، فإن تحمل مسئولية إعادة البناء المكلف للدولة لهي خطوة محفوفة بالمخاطر. ولكسره سياسة الاسترجاع، على الرئيس أوباما الآن أن "يقود من الخلف" في ليبيا خلال العامين الاخيرين له في منصبه، وتشجيع دول أخرى لها مصالح أكبر لأخذ زمام المبادرة.

 

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب