قصة نجاح تونس هي وهم

مقال رأي

رحبت معظم القوى العالمية بانتخاب الباجي قائد السبسي، رئيس تونس الجديد ، باعتباره انتصارًا للديمقراطية. إلا أنه في تونس نفسها، أعقب فوز السبسي على الفور ليلتين من العنف في مناطق متعددة من البلاد. وحيث أن 40 في المائة من الناخبين قد امتنعوا عن التصويت، معظمهم من الشباب الذين تحرروا من الوهم،  فإن هذا الإمتناع هو الفائز الآخر بالانتخابات.

ترغب الدول الغربية بشدة في العثور على نقطة مضيئة في تلك المنطقة الفوضوية على نحو متزايد، وليس من المستغرب أنه بعد ثلاث سنوات من مرور سوريا وليبيا ومصر واليمن وتونس بـ "الربيع العربي" الخاص بهم، فقد اختارت القوى الغربية هذه الأخيرة كمثال ساطع لهم. وحتى في ضوء الوضع في البلدان الأخرى، لا يزال لقب "الطالب المثالي" نسبي للغاية. الأهم من ذلك أن موجة المقالات الايجابية والتهاني لا ينبغي أن تخفي الانقسام المتزايد داخل البلاد، وهو ما يفسر لماذا تعتبر تونس هي المصدر الرئيسي للمقاتلين الأجانب المحاربين ضمن صفوف الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)، على الرغم من الاحتفاء بها كمثال للديمقراطية في العالم العربي.

يقسم البلاد خطين رئيسيين. الأول هو الانقسام الحادث بين جيل الشباب الذي لا يزال عاطلًا عن العمل إلى حد كبير، وبين الأجيال الأخرى الأكبر سنًا. بالنسبة للشباب في البلاد، كانت الانتخابات الأخيرة، التي انتهت بمواجهة بين السبسي، الذي أتم 88 عامًا، ومنافسه البالغ من العمر 79 عامًا، منصف المرزوقي، مظهرًا لمنافسة مستمرة بدلًا من أن تكون تتويجًا للثورة. فشلت الثورة التي بدأها الشباب قبل ثلاث سنوات في إحداث تغيير جذري في تركيبة النخبة التونسية. كما تسببت أيضا عن غير قصد في تفاقم الوضع الاقتصادي لنفس شرائح السكان التي واجهت النظام الاستبدادي للرئيس السابق زين العابدين بن علي.

ويأتي الانقسام الثاني من إتساع الفجوة الاقتصادية بين المناطق الساحلية في البلاد، وخاصة الجزء الشمالي، والتي تمثل العمود الفقري الاقتصادي للبلد، وبين مناطقها الداخلية الأقل نموًا، وأقل تأثرًا بالغرب، والتي غالبًا ما تكون مهمشة. يثير السخط الشعبي بين سكان المناطق الداخلية في تونس نوبات من الغضب بشكل متكرر، حيث يتقاتل السكان للحصول على الوظائف العامة، وينددون بعدم وجود فرص اقتصادية، بل وأحيانًا يشعلون النيران في المباني السياسية أو الحكومية المحلية. هذا التهميش ليست أمرًا جديد، بل نتيجة لسياسات حكومة مركزية إلى حد كبير. ومع ذلك، وبعد سنوات من إضرام محمد البوعزيزي النيران في نفسه عام 2011 في ولاية سيدي بوزيد، فمن الكاشف أن هذا المكان الذي بدأ فيه كل شيء تميز أيضًا بأعلى مستوى من الامتناع عن التصويت خلال الانتخابات الأخيرة.

في ظل التنافر بين نجاح الثورة التونسية المذهل، ولكنه مضلل، وبين الشعور المتزايد بين ذلك الجزء من السكان الذي جرى استبعاده، فهذا "النجاح" هو أمر خطير. كما أنه يفسر جزئيًا لماذا لا تزال الجماعات الجهادية مثل أنصار الشريعة في تونس أو الدولة الإسلامية تجد مجندين تونسيين جدد على الرغم من حظرهما والحملة الواسعة على أعضائهما.

تفهم أنصار الشريعة، وهي جماعة جهادية مسؤولة عن اقتحام السفارة الأميركية في تونس في عام 2012، هذا الانقسام، وتستفيد منه. قبل حظر المجموعة، كانت كثيرًا ما تنظم رحلات "إنسانية" إلى المناطق النائية، حيث كانت الحكومة قد اختفت تقريبا في أعقاب سقوط النظام السابق. وركزت أنشطتها في نفس المناطق التي شعرت بإهمالها بسبب عقود من سوء الإدارة سواء من كلا من النظام الاستبدادي ومن الثورة نفسها.

وبالمثل، في المدن الكبرى، بما في ذلك العاصمة نفسها، استثمرت الجماعة في العديد من الأحياء المحرومة وخلقت شبكة من الجمعيات الخيرية التي كانت، في بعض الحالات، أكثر كفاءة من أي مساعدات عامة. وبالتالي، ليس من قبيل الصدفة أن النقاط الساخنة من التشدد في البلاد اليوم تقع في تلك المناطق النائية نفسها والأحياء المحرومة.

في فترة قصيرة نسبيًا من الزمن، عندما كانت الجماعة تعتبر "حزبًا سياسيًا،" وبالتالي يمكن أن تعمل بحرية، تمكنت المنظمة المسلحة الرئيسية في تونس من ترسيخ نفسها بعمق في وجدان جزء من السكان في تونس. وبسبب هذه الجذور العميقة، لم تستطع الحملة المستمرة ضدها من تحييد المتشددين الإسلاميين حتى الآن.

ليست أنصار الشريعة الجماعة الجهادية الوحيدة التي تراهن على عدم قدرة تونس على حل الصراع الاجتماعي-الاقتصادي، وعلى يأس شبابها. قبل ايام قليلة من الانتخابات، نشرت الدولة الإسلامية شريط فيديو يظهر فيه ثلاثة من أعضائها التونسيين يدعو إلى مقاطعة الانتخابات. الأهم من ذلك، أعرب هؤلاء المجاهدين الثلاثة عن مسئوليتهم عن مقتل اثنين من نواب المعارضة، ودعوا التونسيين للانضمام الى صفوفهم والقتال ضد الحكومة التونسية "الكافرة".

والخطر هو أنه بسبب خروج تونس على ما يبدو من "منطقة الخطر" بعد الانتخابات الأخيرة، فإن الغرب قد يفقد الاهتمام بتلك الدولة الصغيرة في شمال أفريقيا. بل إن الحكومة الجديدة نفسها في تونس، إلى جانب شخصيات سياسية أخرى، قد تكون غير واعية بالإحباط القابل للانفجار بين جزء كبير من السكان والعودة إلى السياسات المثيرة للجدل، وهو ما سلط الضوء عليه خطاب السيد المرزوقي المرير والاتهامات المبطنة بالتزوير بعد هزيمته.

ومع ذلك، أعلن السبسي عن استعداده "للعمل سويًا دون استبعاد أي شخص". دعونا نأمل أن هذه ليست مجرد كلمات، وإلا فمن الممكن أن يتحول "الطالب المثالي" للربيع العربي إلى أكثرهم تخييبا للآمال.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب