كيف نستعيد جنرالات مصر إلى صفوفنا مجددا؟

مقال رأي

تقريبا بمجرد أن يبدأ النشيد - أنشودة الدينية- تدمر عبوة ناسفة عربة عسكرية قريبة. المشهد يتكرر مرة أخرى، في حركة بطيئة للغاية. يستمر النشيد، مشجعا الجهاديين على رفع سيوفهم والكفاح من أجل الله وشق طريقهم إلى الجنة. في المشهد التالي، يهاجم الإرهابيون ثكنة عسكرية صغيرة وسط أشجار النخيل، مطلقين النار يعبرون طريقهم خلال الأنقاض ويقتلون الجندي الذي يبادلهم النار. تأتي دبابة إلى المشهد، يتأرجح برجها بعنف، وتغرق المنطقة بإطلاق النار من الرشاشات دون فائدة، ومن ثم تتراجع على عجل. ثم ينتقل المقطع إلى الآثار المروعة: دبابة محترقة ومدرعة ناقلة للجند معطلة، وجنود ميتون ومهترئون.

الهجوم الذي حدث يوم 24 أكتوبر، والذي صُور مضمونه في مقطع فيديو صادر عن أنصار بيت المقدس، وهي مجموعة جهادية قد دانت بالولاء للدولة الإسلامية في نوفمبر، قتل 33 من الجنود والضباط المصريين. لقد كانت هذه أسوأ خسائر في الأرواح للقوات العسكرية المصرية منذ دخل التمرد في شبه جزيرة سيناء في حالة قصوى في صيف عام 2013. وقد دفع الجيش ثمنا باهظا في حربه ضد الجهاديين: خلال العام الماضي، قتل 190 من المجندين والضباط المصريين في هجمات إرهابية. ويضاف إلى المشكلة في سيناء التهديد القادم من الغرب، حيث انفجر الوضع داخليًا في ليبيا. مع الوقت، فمن المحتمل جدا أن تواجه مصر تمردًا على جبهتين.

لم ينجح أي شيء فعله المصريون لتهدئة سيناء، وبعض منه - الرد بأسلوب الأرض المحروقة على الهجمات الإرهابية، وإخلاء قرى بأكملها- يسري ضد المبادئ الأساسية لاستراتيجية فعالة لمكافحة التمرد. لكن على عكس العراق، حيث نشرت الولايات المتحدة 3000 جندي، واستمرت في ضرب الدولة الإسلامية بغارات جوية شبه مستمرة، تتطلب مصر شيئًا مختلفًا تمامًا من واشنطن لربح معركتها ضد الجهاديين - المال والثقة.

الصورة التخيلية للقيادة العسكرية المصرية هي لمجموعة من الضباط ركزوا أذهانهم على شراء دبابات (M1A1) وطائرات (F-16) المقاتلة من الولايات المتحدة. هناك، بالطبع، بعض الحقيقة في هذه الصورة. للجزء الأكبر من العقد الماضي، حاول المسؤولون الأمريكيون إيعاز المصريين لإلقاء نظرة جديدة على العقيدة العسكرية وتغييرها لما تسميه وزارة الدفاع الأمريكية "تهديدات القرن ال21"، مثل الإرهاب وانتشار أسلحة الدمار الشامل . ومع ذلك، فلم يصل المسؤولون بوزارة الدفاع الأمريكية إلى الكثير في ذلك الجهد: برقيات وزارة الخارجية الصادرة عن "ويكيليكس" تروي كيف عرقل مسؤولوا الدفاع المصري نظرائهم الأمريكيين بشأن هذه المسألة. وتمشيا مع عاداتها القديمة، يبدو أن المؤسسة العسكرية المصرية تفضل محاربة حربها الأخيرة - التي وقعت قبل 41 عاما.

ومع ذلك، و مع كل عناد القاهرة الظاهر، فالدافع وراء موقفهم هو أكثر من رغبة جامحة غير عقلانية في ألعاب عسكرية جديدة. كما سأل أحد الضباط أثناء مناقشة خاصة حول العقيدة العسكرية وهيكل القوة في مصر: "أي نوع من الجيش سنكون إذا لم يكن لدينا الدبابات والطائرات؟ نحن لا نريد أن نكون عساكر درك ".

لا شك أنه كان يغير الكلام بعيدًا عن الموضوع الذي يفضل ضباط مصر في المعتاد عدم مناقشته، لكنه يكشف أيضا عدم ثقتهم العميقة في الولايات المتحدة وأهدافها في مصر . بعد أكثر من عقد من التوتر بين واشنطن والقاهرة، يريد الضباط طمأنتهم بشأن الدعم الأميركي، والذي لا يرمز له بأفضل من طائرات (F-16) ومروحيات أباتشي ودبابات جديدة. حتى تفعل واشنطن شيئًا لإزالة هذه الشبهة، فلن تصل إلى شيء مع المصريين حول قضايا أمن سيناء والحدود، مما يضر بمصالح البلدين.

من الصعب استيعاب حقيقة أن الضباط المصريين لا يثقون في واشنطن. منذ منتصف السبعينات، صرف دافعي الضرائب الأميركيون 40 مليارًا من الدولارات على وزارة الدفاع المصرية. عندما نشر المصريون 35,000 جندي في المملكة العربية السعودية في عام 1990 للمشاركة في عمليات درع الصحراء وعاصفة الصحراء، شطبت إدارة الرئيس جورج بوش الأب (جنبا إلى جنب مع الدائنين العرب) على أو ألغت 20 مليار دولار من الديون المصرية. أقنعت واشنطون أيضا نادي باريس أن يغفر 10 مليار دولار أخرى من الديون، ما يعادل نصف ما يدين به المصريون للدول الأوروبية والولايات المتحدة وكندا واليابان. خلال معركة مصر ضد الإرهابيين في التسعينات، وقفت واشنطن جنبا إلى جنب مع القاهرة.

حتى في المناسبة الوحيدة التي سعت فيها الولايات المتحدة لمعاقبة مصر، فقد فعلت ذلك بطريقة تجنبت بعناية المساس بالأمن المصري. حكومة الرئيس باراك أوباما ربما عطلت تسليم 20 طائرة (F-16) و10 مروحيات أباتشي و125 مجموعة قطع غيار لدبابات (M1A1) و20 صاروخ هاربون في الأشهر التي تلت الانقلاب الذي أطاح بمحمد مرسي، ولكن ذلك كان له تأثيرًا هامشيًا على قدرة المصريين على محاربة الجهاديين في سيناء. حتى الآن أرسلت إدارة أوباما مروحيات الأباتشي، ولكن تبقى طائرات الـ (F-16) وقطع غيار الدبابات، وصواريخ الهاربون في قفص الإتهام. حتى لو كانت هذه المعدات ضرورية لعمليات مكافحة التمرد، وهو أمر محل جدل، فإن المصريين لديهم بالفعل الكثير منها - القاهرة تفتخر برابع أكبر مخزون (F-16) في العالم (بمجموع 220) وما يقرب من 36 من مروحيات أباتشي، وأسطول كبير من دبابات القتال الرئيسية.

وعلى الرغم من دعم واشنطن في الماضي، فإن الجيش المصري لديه أسباب وجيهة للشك في الولايات المتحدة. أولا، على الرغم من أنه من الشائع بالنسبة للجميع تقريبا الإشارة إلى مساعدات الولايات المتحدة العسكرية بأنها "سخية،" فقد كانت في الواقع بطيئة لدرجة شق الأنفس ومكلفة على نحو متزايد بالنسبة للمصريين. مبلغ 1.3 مليار دولار سنويا هو نفس المبلغ الذي تصرفه واشنطن للقاهرة منذ عام 1987، ولكنه يساوي أقل من نصف ما كان عليه في الأصل بسبب التضخم. ونتيجة لذلك، فإن المساعدات لم تعد تشتري ما كانت تشتريه من قبل. ثانيا، على الرغم من أن مستوى التعاون الاستراتيجي بين مصر وإسرائيل هو الأفضل بكل المقاييس منذ معاهدة السلام عام 1979، فالمصريين كانوا غاضبين على مر التاريخ من حقيقة أن المعدات العسكرية التي تتيحها لهم واشنطن هي أقل شأنا مما يمكن للإسرائيليين شرائه. على سبيل المثال، قد تبدو طائرات (F-16) الإسرائيلية والمصرية متشابهة كثيرا، ولكن إلكترونيات الطيران المتقدمة والمزايا الأخرى "المختبئة" للطائرات الإسرائيلية تجعلها أكثر قدرة.

وراء تفاصيل المساعدات العسكرية، لم يستطع ضباط الجيش المصري معرفة لماذا - حتى قبل انتفاضة عام 2011 التي جلبت حكم حسني مبارك الطويل إلى نهايته- كان يوجه لهم اللوم على الحكومة الاستبدادية في مصر. بدءً من حكومة الرئيس جورج دبليو بوش، آمنت القيادة العليا (والنخبة المصرية بأكملها، أيضا) بأن الولايات المتحدة لم تعد ملتزمة بما كان وقتها النظام السائد. عندما حدثت الانتفاضة واستوعبت الولايات المتحدة الانتصارات الانتخابية للإخوان المسلمين، فإن ذلك كان مجرد تأكيد لهذه الشكوك. قرار الرئيس باراك أوباما بتأخير بعض المساعدات العسكرية بعد إطاحة قائد الجيش عبد الفتاح السيسي بمرسي في انقلاب يوليو 2013 - وليس تعليقها بالكامل، كما يُلزم القانون الأمريكي- زاد من صلابة رؤية الضباط لواشنطن أكثر.

أجل، الضباط يرفضون الاعتراف بحقيقة أنهم كانوا المستفيدين والمدافعين الرئيسيين عن نظام غير ديمقراطي. لكن أيضا لم يغب عنهم أنه في حين ينفر الأميركيون من فكرة أن سياسات واشنطن الخاصة أنتجت التطرف وجعلت أمريكا هدفًا للإرهابيين، فإنهم يلقون المحاضرات بشكل روتيني للمصريين عن أن سياساتهم قد أحدثت الموت والدمار. هناك، بالطبع، ديناميكية (القمع-التطرف) التي تساهم في العنف التي يتجاهلها المسؤولون في القاهرة بإرادتهم، لكن النفاق والسخط المعتد برأيه من المحاورين الأمريكيين يوحي بأن إخلاص واشنطن لمصر لم يعد كما كان من قبل. من الصعب عدم الذهاب إلى هذا الاستنتاج، بالنظر إلى أن أسس العلاقة إما لم تعد موجودة - كاحتواء الاتحاد السوفيتي واستخدام مصر كقاعدة في حال وقوع أزمة في الخليج العربي- أو ليست ملحة كما كان الحال في العقود السابقة، كضمان السلام بين مصر وإسرائيل. العلاقة المتغيرة مع واشنطن، في المقابل،تقود وزارة الدفاع المصرية للتنسيق الأقوى مع الإسرائيليين والإماراتيين - فضلا عن مغازلة أكثر مدعاة للقلق مع الروس.

سوف تستمر العلاقة بين الولايات المتحدة ومصر في التغيير - المنطق الذي قادها على مدى العقود الثلاثة الماضية لم يعد قويا كما كان من قبل، والطريقة شديدة القمعية التي يحكم بها الرئيس السيسي قد زادت من توتر العلاقات مع واشنطن . مع ذلك فحتى الآن، هناك مسائل أمنية هامة تؤثر على مصلحة البلدين: حركة المرور في قناة السويس بدون عائق، وقمع الجماعات الجهادية في سيناء، والحفاظ على السلام والأمن مع إسرائيل. كل هذه الأمور تحتاج إلى الثقة بين واشنطن والقاهرة. والطريقة الوحيدة لإقناع المصريين بأن الولايات المتحدة تقف بحزم معهم في معركتهم ضد الإرهاب هي من خلال المزيد من المال.

إذا بدا ذلك فاسدًا، فهذا لأنه كذلك. من أجل جعل المصريين يتعاملون مع مشكلة الإرهاب بطريقة أكثر فعالية - وهو الأمر الذي يصب في مصلحة القاهرة- على واشنطن أن ترسل المزيد من المال لمصر للمساعدة العسكرية. حتى الآن، الأموال التي تستخدم لمكافحة الإرهاب تأتي من حزمة المساعدات الـ 1.3 مليار دولار، مما يقلل المبلغ المتاح للسلع باهظة الثمن مثل الدبابات والطائرات. في طريقة فجة لإظهار التزام واشنطن بدعم المصريين خلال هذا التحدي الأمني ​​الحالي، ينبغي على الولايات المتحدة زيادة الأموال إلى برنامج المساعدة العسكرية المكرس خصيصا للتكنولوجيا، والتدريب، وتقديم المشورة في مكافحة التمرد.بهذه الطريقة، تكون الدبابات والطائرات آمنة، و تهدأ مخاوف الضباط المصريين من تحول جيشهم إلى قوات درك.

هناك تحالف لمعارضي الإرهاب ومؤيدي إسرائيل ومصالح صناعة الدفاع في واشنطن من شأنه أن يكون سعيدا بالعودة إلى العمل كالمعتاد في مصر. ومع ذلك، فإن فكرة منح ملايين إضافية إلى القاهرة ستكون صعبة الابتلاع. كيف يمكنك أن تعطي المزيد من المال للقيادة الذي سجنت عشرات الآلاف، وقتلت ما بين 1000 و2500، وتقيد حرية التعبير، وتدفع المنشقين إلى منفى اختياري، وغير ذلك الكثير باسم مكافحة الإرهاب؟ سيقول النقاد أن تقديم المزيد من المساعدات للجيش المصري هو أسوأ من العودة إلى العلاقة بين الولايات المتحدة ومصر في عهد مبارك. إنها نقطة منطقية: بطريقة ما، من شأن ذلك أن يبدو وكأن واشنطن تكافئ السيسي على قمعه.

وفي الوقت نفسه، مع ذلك، فدعاة استخدام المساعدات الأمنية كأداة لتعديل السلوك يميلون إلى إعطاء اهتمام قليل للديناميات السياسية - شعبية السيسي، وتحرك قطاعات كبيرة من سكان مصر، والتعاون الأمني القوي بين مصر وإسرائيل، والتهديد من الدولة الإسلامية، وإدراك الإدارة الأمريكية لحدود قدرتها على الترويج للديمقراطية- مما يرجح فشل ذلك النهج، أو حتى أن يأتي بنتائج عكسية.

لا توجد إجابة سهلة لهذه المعضلات، ولكن من المهم أن ندرك أن قدرة واشنطن على تعديل سلوك مصر قد ثبت مرارا وتكرارا أنها محدودة. بالإضافة إلى تعزيز الديمقراطية، جعلت الولايات المتحدة من مكافحة الإرهاب السياسة الخارجية المميزة لها في السنوات الـ 13 الماضية. هنا يمكن حقا للولايات المتحدة القيام بشيء مفيد في مصر- إذا كانت واشنطن مستعدة لدفع ثمن ذلك.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب