كيف يتوقف نزيف الدم في سوريا؟

مقال رأي

ستنتهي الحرب الأهلية في سوريا في نهاية المطاف ليس باستسلام أحد الأطراف ولكن بحل سياسي تفاوضي. لا يوجد طرف واحد أو مجموعة من الأطراف لديه قوة السلاح التي تطغى على مراكز ثقل معارضيه، والجميع باستثناء أقصى المتطرفين واليائسين تعِبوا من الصراع. إذا أراد السوريون أن يوقفوا حمام الدم، فعليهم القبول بحل تفاوضي يحفظ مصالحهم الأساسية ويوقف القتال. وبما أن الأطراف الفاعلة المتعددة قد تتخذ هذا القرار عاجلًا وليس آجلًا، فإنه يجب على الولايات المتحدة تحديد الخطوات الأولى التي يمكن أن تؤدي إلى حل سلمي.

أي استراتيجية واعدة ستبدأ بالدول التي تدعم المعارضة. قطر والسعودية وتركيا والولايات المتحدة، من بين آخرين، سيحتاجون أولًا إلى توجيه المفاوضات بين مختلف فصائل المقاومة عن طريق إنشاء هياكل وإجراءات للتشاور الداخلي. سيحتاجون أيضًا لأن يساعدوا في الدبلوماسية العامة والجوانب التقنية للمرحلة الانتقالية، مثل نزع سلاح الميليشيات، والتعاون مع الجهات الخارجية، ومن بينها الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وحتى الزعماء الدينيين مثل البابا فرانسيس، المصممون على حماية مجتمعاتهم.

ولكن إلى حد كبير فإن إيران وروسيا تمسكان بمفاتيح التحول السوري، إذ يعتمد نظام بشار الأسد بالكامل تقريبًا على دعمهم. ويمكن لكلاهما أن يساهم بشكل بناء في التوصل إلى اتفاق سلام جديد، على الرغم من البدايات الخاطئة لما سمي بعملية السلام في جنيف العام الماضي. فشل هذا الجهد بشكل كبير نتيجة أن حكومة الأسد والذين يحموها لم يكونوا جادين على الإطلاق في الوصول إلى تحول حقيقي. ولكي ينجح أي اتفاق، فإنه يجب على طهران وموسكو إقناع الأسد بالتخلي عن أي وهم بالبقاء في السلطة والخضوع لعملية قد يكون له فيها رأي ولكن ليس دور في مستقبل سوريا. وحتى الآن فإن الجهود الروسية في الآونة الأخيرة لإحياء عملية جنيف في موسكو، والتي تحظى الآن بدعم من وزير الخارجية الأمريكي جون كيري، قد فشلت على ما يبدو في إقناع المعارضة السورية بالمشاركة.

إن إيران وروسيا لديهما مصالح مشروعة في استقرار الشرق الأوسط، وستقدم عملية السلام لهما الفرصة لكسب بعض السمعة الطيبة بين المواطنين في المنطقة. كلا البلدان لديه سمعة محلية سيئة يمكن أن يقوما بتغييرها. ولكن هناك حدود لما يمكن أن تحققه طهران، خاصة أن الدول العربية ستقاوم ما تراه تدخلًا زائدًا من إيران. وفي الوقت ذاته، فإن كلا الاقتصادين الإيراني والروسي في أزمة كبرى، وقد تساعد المشاركة البناءة في عملية السلام من أجل سوريا بطريقتين: الأولى، في حالة إيران، من خلال تخفيف الاستنزاف الاقتصادي المباشر نتيجة دعم الأسد نهائيًا، والثاني، وربما يكون الأهم، هو بناء مستوى جديد من الثقة مع الدول الغربية، وهو ضروري ولكنه ليس كافيًا لتخفيف العقوبات في المفاوضات حول البرنامج الإيراني النووي لطهران أو تدخل موسكو في أوكرانيا.

ويرى العديد من المراقبين أن التوصل إلى تسوية عن طريق التفاوض لن يكون قابلًا للتطبيق. فالحرب الأهلية السورية ببساطة، كما يقولون، معقدة ووحشية للغاية، وهناك مصالح محلية أيضًا في الحرب والانتقام، والقوى الخارجية غير مستعدة بشكل كبير للتعاون. ومع ذلك، فإن نفس المخاوف أحاطت في الثمانينات بالحرب الأهلية اللبنانية التي دامت 14 عامًا. وقد انتهى في النهاية هذا الصراع المرعب والذى بدا مستعصيًا في عام 1989 في ما أصبح يعرف باسم اتفاق الطائف، والذي سمي نسبة للمدينة السعودية التي استضافت المفاوضات التي قادتها جامعة الدول العربية.

هل المفاوضات التي أنتجت اتفاق الطائف نموذج مناسب مناسب لتسوية الأزمة السورية؟ يقول منتقدون إن جذور الصراع اللبناني مختلفة عن الديناميكات التي قادت سوريا إلى الحرب الأهلية، مشيرين إلى ما وصل إليه الاتفاق حتى الآن، فلبنان ما يزال هشًا حتى اليوم. ومع ذلك، فإن اتفاق الطائف رغم عيوبه تمكن من إنهاء سنوات الحرب العرقية والطائفية الدامية. وعلى الرغم من حلقات العنف السياسي البشع المتكررة، فإن لبنان لم يشهد حربًا مستعرة كالتي رآها من عام 1975 وحتى عام 1989.

كان نجاح مفاوضات عام 1989 في جزء كبير منه نتاج اتفاقيات ضمنية ودبلوماسية ما وراء الكواليس بين جيران لبنان، وغالبًا ما تم بتسهيل السفارات الأمريكية في عواصم تلك الدول. وفرت المفاوضات الفعالة قنوات اتصال واضحة وأوقفت المفاهيم الخاطئة وسوء الفهم، والتي كان من الممكن أن تحول دون توافق الآراء بين جيران لبنان. إن العمل في وقت واحد بين القاهرة والرياض والقدس وواشنطن وغيرهم، حث في النهاية الفصائل السياسية اللبنانية المختلفة على التوافق.

ربما تكون عملية سلام سورية أكثر قابلية للإدارة، إذ لا تعاني البلاد من هذا النوع من النزاعات العرقية الطائفية المعقدة التي كانت نشطة في لبنان. إن الديناميكية في سوريا أبسط بشكل أو بآخر: نظام ديكتاتوري يعامل مواطنيه بوحشية؛ أغلبية عربية سنية تتوق لمكانها الصحيح في ظل ديمقراطية تشاركية؛ خليط من المواطنين السوريين، كثير منهم من غير السنة أو غير العرب، يريدون أن يعيشوا ويعملوا في سلام؛ وأقلية علوية تخشى من السقوط  ضحية الأعمال الانتقامية العشوائية. وكما هو الحال في لبنان، فإن كل ضحايا النزاع الحالي يطالبون بنسختهم الخاصة من العدالة. والطموحات الجهادية للدولة الإسلامية في العراق والشام هي في الواقع غربية عن تاريخ وثقافة سوريا.

في الواقع، فإن داعش والجماعات المشابهة لها ليس لها مستقبل في سوريا الجديدة. في نهاية المطاف، سيفككها التحالف الدولي عسكريًا، وسيملأ ترتيب جديدة للقوة في دمشق الفراغ الذي سمح للمتشددين بالسيطرة على بعض المحافظات. والنتيجة المباشرة للنهج القائم على الدبلوماسية الشبيه باتفاق الطائف هي أن العمل العسكري في سوريا من خلال طرد داعش خارج الصورة سيساعد على تمهيد الطريق للسلام عبر التفاوض.

وكما كان الأمر في 1989، فإن الولايات المتحدة يمكنها استخدام نفوذها الدبلوماسي من أجل إطلاق عملية سلام من الخارج، ولكن الحل الناجح يجب أن يجهز البلاد لاستقرار طويل المدى. ولتجنب منحدر جديد من العنف، فإن المؤسسات السورية يجب أن تكون تشاركية وشفافة، ويمكن مسائلتها، وهي مهمة ذات أبعاد هائلة حتى في أفضل الظروف.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب