كيف يُموَّل الإرهاب من حوادث الاختطاف؟

مقال رأي

بالكاد يمر شهر دون حالة اختطاف جديدة علي يد التنظيمات الإرهابية. انتهي بعضها بموت الضحية، بينما أطلق سراح البعض الآخر، ما يدعو إلي تسليط الضوء علي طريقة تعامل الدول الغربية مع الاختطاف. فيمكن المقارنة بين حالات قتل الضحايا في ديسمبر 2014، مثل لوك سومرز، وهو مواطن أمريكي، وبيير كوركي، وهو مواطن جنوب أفريقي، بالعودة الناجحة لعاملتي إغاثة إيطاليتين، حيث أفادت تقارير أن الحكومة الإيطالية قد دفعت فدية تصل إلي حوالي 14 مليون دولار، بينما تنكر الحكومة الإيطالية ذلك.

حظر مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة عام 2001 تمويل الإرهابيين. ودعي الدول الأعضاء عام 2014 إلي "منع الإرهابيين من الانتفاع بطريق مباشر أو غير مباشر من الفديات". لكن الأدلة تشير إلي أن بعض الدول لاتزال تدفع مقابل إطلاق سراح مواطنيها. بينما تعتمد دول أخري علي المفاوضات، عبر وسطاء، لإطلاق سراح مواطنيهم. وتشير التقارير الصحفية إلي أن بيير كان علي بعد ساعات من إطلاق سراحه بعد المفاوضات عندما تدخلت القوات الخاصة الأمريكية. وهو ما يوضح طريقة ثالثة يستخدمها عدد قليل جدا من الدول، تحديدا الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، للتعامل مع حالات الاختطاف. فلديهم قوات خاصة قادرة علي تنفيذ محاولات إنقاذ كبيرة.

لذلك أصبح التوصل إلي أفضل استراتيجية للتعامل مع الاختطاف أهم من أي وقت مضي. فقد أصبح الاختطاف مقابل فدية طريقة الإرهابيين حول العالم المفضلة للتمويل، من تنظيم "أبو سياف" في الفلبين إلي تنظيم "القاعدة". حالات الاختطاف الأخيرة رفيعة المستوي والتي طلب فيها ملايين الدولارات مقابل إطلاق سراح صحفيين غربيين، عمال إغاثة، سياح قد تجذب تركيزا إعلاميا هائلا، لكن هناك الآلاف من السكان المحليين يتم إختطاهم أيضًا. عبر أسلوب يعرف باسم "الاختطاف الصريح"، والذي نشأ كطريقة منتشرة لجمع الأموال في أمريكا اللاتينية، والتي تتضمن فديات صغيرة يسهل دفعها بسرعة. قامت تنظيمات مثل بوكو حرام والقاعدة باختطاف العشرات من المسؤولين المحليين وأفراد عائلاتهم مقابل مطالبين ببضع الآلاف من الدولارات للفرد، والتي عادةً ما يحصلون عليها.

وفقا للتقديرات الأخيرة للأمم المتحدة، حصلت التنظيمات الإرهابية علي فديات بقيمة 120 مليون دولار بين عامي 2004 و2012. بينما يعتقد أن تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام قد جمع 45 مليون دولار خلال العام الماضي فقط. ووفقًا لنفس التقرير الذي أصدرته الأمم المتحدة، يقدر أن تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية قد حصل بين عامي 2011 و2013 علي 20 مليون دولار من الفديات. فلا عجب إذن أن قائد التنظيم، ناصر الوحيشي، كتب عام 2012: "اختطاف الرهائن غنيمة سهلة. إنها تجارة مربحة وكنز ثمين." كذلك دعي أيمن الظواهري، زعيم تنظيم القاعدة، في عدة رسائل مسجلة داعمي تنظيم القاعدة حول العالم إلي اختطاف الغربيين.

لا يمثل الاختطاف تجارة ضخمة للمختطفين فقط، بل أصبح أيضا فرصة لشركات التأمين وفرق التفاوض والاستجابة. والتأمين ضد الاختطاف قائم في الولايات المتحدة منذ زمن طويل. فقد اختطف عام 1932 ابن الطيار تشارلز ليندبرج ذي العشرين شهرا من حضانته في منزل عائلة ليندبيرج. وترك المختطف طلب فدية بقيمة 50 ألف دولار، وبعد شهرين من المفاوضات وتقديم عدة دفعات من الأموال، عثر علي الطفل ميتًا. فأوجدت تلك الحادثة الحاجة إلي مجال التأمين ضد الاختطاف، وهو مجال تجاري تطور خلال السنوات الثمانين الماضية، حيث تطورت وسائل الاختطاف والتفاوض.

لكن ذلك لا يعني أن إشكالية دفع الفديات محسومة. حيث يتبني العديدون وجهة النظر القائلة بأن دفع الفديات يؤدي لحدوث المزيد من حالات الاختطاف مع رفع قيمة الفديات. فقد ارتفعت المدفوعات في بعض الحالات 50 ضعفًا عن متوسط الفديات منذ 10 سنوات، فوصلت إلي 10 ملايين دولار للفرد. بل أصبح الدفع عبر شركات التأمين التي تغطي الاختطاف مقابل فدية أكثر إثارة للجدل. وأصبحت الحالات التي يغطيها التأمين سرية خوفا من التشجيع علي الاختطاف. وفي محاولة لتجنب تصاعد قيمة الفديات، أصبحت الفديات مغطاة علي أساس تسديد تكاليفها فقط، وبالتالي يحدد ما يمكن دفعه بما يمكن لعائلة المختطف أو شركته أن تدفع.

يري العديد من متخصصي الفديات أن السبب الرئيسي وراء ارتفاع قيمة الفديات بذلك الشكل الكبير هو التدخل الحكومي. فشركات التأمين والمفاوضون يسعون لخفضها. وكلما ارتفعت قيمة الفدية، كلما أصبح الدفع أصعب. تستفسر البنوك عند القيام بسحوبات تصل إلي عدة ملايين، وتوصيل الأموال إلي أماكن منعزلة ليس سهلا، وهو أمر مستهلك للوقت والأموال. إلا أنه بمجرد تدخل الحكومة تزال تلك الحواجز، ما يقلل دواعي خفض قيمة الفدية. أما بالنسبة للعاملين في هذا المجال، فإن الدفع بقيمة "عدة ملايين" يشير إلي تدخل حكومي، بما أن معظم الفديات المضمونة الدفع تكون بقيمة آلاف أو عشرات الآلاف من الدولارات. قليل من الفديات تصل إلي المليون أو تتجاوزه. ورغم أن بعض الحكومات، تحديدا الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، تتبني سياسات صارمة لرفض دفع الفديات، إلا أن الحالات الأخيرة التي تضمنت مشاركة الدنمارك وألمانيا تشير إلي أن عدة حكومات تشارك بشكل متزايد في التفاوض حول الفديات.

في ضوء تزايد حالات الاختطاف وتكرارها، حان الوقت لمراجعة سياسات وطرق التعامل مع التنظيمات الإرهابية. حيث تقوم إدارة أوباما علي سبيل المثال بمراجعة شاملة لكيفية مواجهة وزاراتها ووكالاتها لاختطاف المواطنين الأمريكيين. وهو ما يكشف اختلافا رئيسيًا بين موقف أوباما ومواقف معظم القادة الوطنيين الآخرين. فالولايات المتحدة لديها خيارات تفتقدها معظم الدول الأخري. حيث يمكن للولايات المتحدة أن تبادل الأسري: أُطلق سراح الضابط الأمريكي باو بيرجدال في مايو 2014 بعد مبادلته بسجناء محتجزين بسجن جوانتانامو. بينما لا تملك معظم الدول الأخري أسري لتبادل الرهائن بهم. كذلك تستطيع الولايات المتحدة أن تقوم بمداهمات ليلية عالية التقنية: حيث كُشف خلال الصيف الماضي أن قوات الجيش الأمريكي نفذت مداهمة ليلية في سوريا، في محاولة يائسة للعثور علي الصحفي جيمس فولي وتحريره. وقام الجيش الأمريكي في أواخر العام 2014 بمحاولتين فاشلتين لتحرير لوك سومرز. أيًا كانت فرص نجاح تلك الأساليب فهي ليست متاحة لمعظم الدول الأخري، فالوسيلة الوحيدة الموجودة في جعبتهم هي الأموال.

بالتأكيد أدي دفع الكفالات من قِبل بعض الحكومات الوطنية إلي تشجيع الاختطاف والمطالبة بفديات أعلي قيمة. لكن مما لا شك فيه أيضا أنه في حالة اختطاف مواطني دولة ما، فإنها حكومة شجاعة (سيقول البعض أنه أمر عديم الرحمة) تلك التي تولي ظهرها إلي الوسيلة الوحيدة في جعبتها وتسمح بقتل مواطنيها.

 

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب