لا تخافوا من لعبة الطاقة التركية

مقال رأي

في العقد القادم، سوف تصبح تركيا بلد عبور رئيسي للغاز الطبيعي إلى أوروبا. في المنطقة حيث كل بلد تقريبًا يريد أن يصبح مركزًا للطاقة من أجل رفع مكانته الجغرافية استراتيجيًا، يسبب دور تركيا الذي يزداد أهمية قلقًا واسع النطاق. ولكن مثل هذه المخاوف ليست في محلها: تركيا ليس لديها إلا القليل لتكسبه والكثير لتخسره إذا استغلت موقعها كبلد عبور للغاز إلى أوروبا. بدلًا من الدخول في منافسة بلا معنى حول التحول إلى مراكز للطاقة، ينبغي للبلدان في المنطقة أن تدرك أن خط الأنابيب الجديد من روسيا إلى تركيا قد يكون نعمة مقنعة إذا كان بإمكانهم تعزيز قوى السوق التي ستؤمن حقًا وصول الطاقة للمنطقة.

يحصل الاتحاد الأوروبي بالفعل على قطعة صغيرة من احتياجاته من الغاز عبر تركيا: كمية متواضعة من الغاز الأذربيجاني تتدفق عبر تركيا إلى اليونان، ملبية 20 بالمئة من طلب هذا البلد في 2014. ولكن في غضون عقد من الزمن، سيحوّل خطا الأنابيب تركيا إلى ناقل أكثر أهمية: خط الأنابيب عبر البحر الأدرياتيكي (TAP) والذي سيحمل (على الأقل) 10 مليارات متر مكعب في السنة إلى البلقان وإيطاليا، وخط الأنابيب المقترح حديثًا واسمه مبدئيًا "ترك ستريم" والذي من شأنه إقامة صلة ثانية بين روسيا وتركيا، وسوف تسمح موسكو بشحن الغاز إلى جنوب شرق أوروبا عبر تركيا بدلًا من (أو بالإضافة إلى) أوكرانيا.

نحن لا نعرف ما يكفي عن "ترك ستريم" لقياس أهميته الكاملة بعد (ولا يمكننا حتى التيقن أنه سيتم بناؤه). بعد كل شيء، تغير في "ساوث ستريم"، خط الأنابيب الذي سيستبدله "ترك ستريم"، الكثير من محددات إنشائه حتى تم التخلي عنه في نوفمبر 2014: تضاعف حجمه المقترح، وتغير خط سيره ونقطة نهايته، وكذلك الشركات التي تتعامل معه. ومع ذلك، فنحن نعلم أن روسيا سوف تشحن عبر تركيا الغاز الطبيعي الذي يعبر الآن خلال أوكرانيا. وهذا ما حدث عندما بدأ عمل "نورد ستريم"، خط الأنابيب الذي يربط روسيا إلى ألمانيا في أواخر عام 2011: كانت بمثابة طريق بديل للغاز الذي كان يعبر سابقًا في أوكرانيا. كمية الغاز الطبيعي التي ستشحنها روسيا عبر أوكرانيا هذا العام هي تقريبًا نصف ما شحنته في عام 2005، ويرجع ذلك جزئيًا إلى "نورد ستريم". سيقدم "ترك ستريم" ضربة أخرى إلى أوكرانيا، حيث تصبح تركيا ممرًا للغاز الروسي إلى دول البلقان وربما إيطاليا.

ماذا يمكن أن تعني إعادة التوجيه تلك؟ هذه الأنابيب الضخمة عادة ما تكون قد صيغت من الناحية الجغرافية، ولكنها عادة ما يكون لها منطق تجاري أيضًا. نصف صادرات روسيا من الغاز إلى تركيا، تمر عبر أوكرانيا ومولدوفا ورومانيا وبلغاريا (خط الأنابيب العابر لمنطقة البلقان). دفع رسوم العبور للوسطاء يرفع الأسعار على تركيا و/أو يخفض من أرباح شركة "جازبروم" الروسية. تجنبهم منطقي للغاية تجاريًا، حسب تكلفة خط الأنابيب الجديد. تصدير الغاز لجنوب شرق أوروبا عبر تركيا بدلًا من خط الأنابيب عبر البلقان يمكن أن يجلب أسعارًا أقل إلى بلدان أخرى مثل اليونان وبلغاريا أيضًا (بقدر ما تواجه "جازبروم" من ضغوط تنافسية).

ماذا عن التداعيات السياسية الأوسع لهذه التغييرات؟ على الرغم من أن الدول تحب المبالغة في وصف آفاق تحولهم إلى ممرات للطاقة، فعادة ما يشيرون إلى فوائد مجردة نادرًا ما تعلن بالكامل. في أبسط الشروط، تتلقى البلدان رسوم عبور للخدمة التي يقدمونها. زيادة التدفقات يمكن أن تؤدي أيضًا إلى انخفاض الأسعار، ولكن فقط في ظل الظروف المناسبة مثل التنافسية: السعر القياسي للغاز الروسي في سلوفاكيا، على سبيل المثال، أعلى من ذلك في جمهورية التشيك، على الرغم من أن الأولى تنقل غازًا روسيًا أكثر من الأخيرة.

القول بأن كون دولة ما ممر طاقة يعطيها بعض الفوائد السياسية أمر مشكوك فيه أيضًا. إذا استثنينا أوكرانيا وروسيا البيضاء، فسلوفاكيا هي أكبر بلد لعبور الغاز في أوروبا، تليها النمسا وبلجيكا وبولندا وجمهورية التشيك. نقلت كل هذه الدول ما يزيد على 20 مليار متر مكعب في عام 2013، وهوالحجم الذي تطمح تركيا أن تنقله في منتصف عشرينيات القرن الحالي. ما هي الفوائد الجيوسياسية التي كانت هذه الدول قادرة على استخراجها من وضعا كدول عبور؟ ربما لا شيء. والسبب بسيط: بلدان العبور تبقى فقط إذا تم الوثوق بها؛ إذا حاولت استغلال موقفها، فسيجد شركائها بدائل.

عدة أمثلة تشهد على هذه الحقيقة. عندما تدهورت العلاقة بين روسيا وأوكرانيا، وجدت "جازبروم" حلًا بديلًا عن طريق بناء "نورد ستريم". وبالمثل، عندما ثبت أن روسيا بلد عبور لا يمكن الاعتماد عليه لتركمانستان في عام 2009 (عندما قطع انفجار تدفق الغاز للشمال)، عززت تركمانستان علاقاتها مع الصين، وبعد ذلك بقصير استبدلت الصين روسيا كأكبر مستورد للغاز التركماني. اليوم، أكثر من نصف صادرات الغاز الطبيعي من تركمانستان تذهب إلى الصين. وعندما قررت الجزائر مضاعفة استراتيجيتها لخط الأنابيب، فقد اختارت بناء خطي أنابيب يصلان إلى إسبانيا وإيطاليا مباشرة، بدلًا من التوسع في الخطوط القائمة التي عبرت المغرب وتونس (تم بناء خط أنابيب إلى إسبانيا فقط حتى الآن(.

ينبغي أيضًا لتاريخ علاقة الغاز الروسية الأوكرانية أن يحطم أي أوهام بأن أيًا من الدولة المرسلة أو دولة العبور تستطيع السيطرة السياسية على الأخرى. هذه البلدان هي مثل السجناء الذين تم تكبيل أيديهم إلى بعضها البعض، هم يرتفعون وينخفضون معًا، على الأقل حتى يصبح أحدهم عبئًا لدرجة أن يأخذ الآخر تدابير جذرية لقطع العلاقات بين البلدين. قد يستأسد الأقوى على الضعيف، أو قد يقلل الضعيف من حركة الأقوى. ولكن العلاقة تدوم فقط على قدر ما يجب أن تدوم.

ولا يجب أن يتوقع أي بلد أن من خلال كونه "من الناحية الاستراتيجية الجغرافية" مهم، فإن البلدان الأخرى ستسارع بتقديم الدعم له عندما يقع في ورطة. كما يوضح مثال أوكرانيا مرة أخرى، سينظر الغرباء في مجموعة واسعة من المصالح الاستراتيجية عندما يقررون متى وكيف سيتدخلون في النزاع. بطبيعة الحال، عندما يحدث شيء لبلد عبور، يحس بالألم على نطاق أوسع. هذا قد يجبر الآخرين على التدخل، لكنهم يفعلون ذلك على مضض، هذا إذا فعلوا. وقد يكون التأثير قصير الأجل، خاصة إذا دفعت المتاعب البلدان إلى وضع البدائل.

يجب على جنوب شرق أوروبا، بالتالي، تجاهل التصريحات التي تعلق أية أهمية جيواستراتيجية كبرى على تحول تركيا إلى ممر للغاز. تركيا هي سوق الغاز الوحيد في أوروبا التي ستنمو بشكل مجد على مدى العقدين المقبلين، لا مفر من أن المزيد من الغاز سيتدفق نحوها. والتنوع في الطرق يقلل من قدرة أي دولة عبور، بما في ذلك تركيا، على كسب أي منفعة خاصة، خصوصًا إذا أمكن لروسيا وضع تركيا في منافسة أوكرانيا لمنع أي منهما من استخراج تكلفة عالية جدًا (تجارية أو غير ذلك) من خدمات العبور.

جنوب شرق أوروبا يمكن أن يستفيد من هذه التغييرات. على مدى السنوات القليلة الماضية، عانت المنطقة من وجود عدد كبير جدًا من المقترحات التي تتنافس على البنية التحتية الجديدة: عندما كان السباق لبناء الممر الجنوبي على قدم وساق، كانت هناك أربعة خطوط أنابيب مقترحة لنقل الغاز من أذربيجان إلى أوروبا؛ بمجرد أن نشمل الخطوط الثنائية الأصغر والبنى التحتية الأخرى (مثل مؤسسات تحويل الغاز السائل إلى غاز أو تخزينه)، بدت الخريطة وهي تضج بالبنية التحتية. في الحقيقة، فقط القليل جدًا منها تم (أو سيتم) بناؤه. رسم الخطوط على خريطة يعطي مظهر الحركة، لكنه أيضًا يعطل الحركة في الوقت الذي يزن فيه المستثمرون ويستكشفون الخيارات المتاحة لهم، والتي تصبح قابلة للتطبيق أو زائدة عن الحاجة في ظل سيناريوهات مختلفة. وجود العديد من الخيارات ليس شيئًا جيدًا على نحو دائم.

في الوقت نفسه، تأخذ التدابير التي يمكن حقًا أن تعزز الأمن المقعد الخلفي لهذه التصريحات بشكل أعظم. إن العديد من خطوط الأنابيب المقترحة ستكون غير ضرورية إذا أمكن استخدام الشبكة الحالية بشكل أفضل - إذا أمكن للغاز التدفق بسهولة، على سبيل المثال، من الجنوب إلى الشمال (بشكل مادي أوافتراضي) أو إذا أمكن لغير الموجودين على الخط الوصول إلى الحمولة على النقاط الحدودية. ولكن هذه التدابير تتطلب التنسيق والعمل التقني والتنظيمي الدقيق - بعبارة أخرى، فهي مملة بالمقارنة مع الخطط الخيالية لخطوط أنابيب جديدة كبيرة، ولديها فرصة أكبر لإزعاج المصالح الخاصة. ولهذا السبب يتجنبها السياسيون في المنطقة عادة.

ولكن ممر جديد من خلال تركيا يمكن أن يكون نعمة مقنعة لجنوب شرق أوروبا. إذا جعل "ترك ستربم" البنية التحتية القائمة والتي توصل الغاز إلى تركيا عبر أوكرانيا ومولدوفا ورومانيا وبلغاريا عديمة الفائدة، يمكن للشبكة أن تخدم أغراضًا جديدة، بما في ذلك السماح بتدفق الغاز في اتجاهات جديدة (سواء بشكل منتظم وأثناء حالات الطواريء). هذا ما حدث في أوروبا الوسطى، مما يسمح لأوكرانيا بالوصول إلى الغاز من الاتحاد الأوروبي بدلًا من روسيا فقط. للمفارقة، كان "نورد ستريم"، خط الأنابيب المستخدم لتجاوز أوكرانيا، هو ما سمح فعلًا لأوكرانيا بالوصول إلى الغاز الذي لا يمكنها في المعتاد شراؤه. جنوب شرق أوروبا يمكنه التعلم من هذا المثال.

سوف تتغير خريطة الغاز الطبيعي في جنوب شرق أوروبا في العقد القادم، هذا الجزء لا مفر منه. ولكن متروك للبلدان في المنطقة أمر اغتنام الفرصة لتحقيق أقصى قدر من الأمن في مجال الطاقة. للقيام بذلك، سوف تحتاج إلى التركيز ليس على الأجهزة (الأنابيب)، ولكن على البرمجيات: القواعد والأنظمة التي تُحسن الشبكة الحالية وتفتحها. وهو ما يمكن أن يحدث إذا توقفوا عن القلق بشأن موقف تركيا "الجيواستراتيجي المحسن" والتركيز على الفرص المتاحة نتيجة لوضع تركيا الناشيء. عندها فقط سوف يمكنهم حقًا وبشكل مادي تحسين أمن الطاقة الخاص بهم.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب