لحظة قرار بشأن مصر

مقال رأي

على الرغم من أن مصر تشكل أصلاً استراتيجياً هاماً بالنسبة للولايات المتحدة - بمنحها أولوية المرور في قناة السويس إلى السفن الحربية الأمريكية وحقّ التحليق غير المقيد إلى طائرات القوات المسلحة الأمريكية - إلا أن الحكومة الجديدة بقيادة القائد العسكري السابق عبد الفتاح السيسي تمارس نهجاً قمعياً على نحو متزايد. ووفقاً لذلك، فإن إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما مترددة في استئناف إرسال المساعدات العسكرية والاقتصادية بشكل كامل إلى مصر، وهي البلاد التي تحصل على المساعدات الأمريكية منذ وقت طويل. وإذا لم تقدم واشنطن هذه المساعدات في غضون الأسابيع المقبلة، فسينتهي برنامج التمويل العسكري الخارجي المخصص لمصر، الذي كان ثابتاً منذ التوقيع على معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل عام 1979، مما سيلحق الضرر بالعلاقة الثنائية بين القاهرة وواشنطن، التي هي هشة بالفعل.

الخلفية

على مدى العقود الثلاثة الماضية، قدمت واشنطن لمصر أكثر من 40 مليار دولار من المساعدات العسكرية، وهو برنامج يشكل اليوم 80 في المائة من ميزانية المشتريات العسكرية الإجمالية السنوية في البلاد، إذ تتلقى القاهرة 1.3 مليار دولار كل عام في إطار برنامج التمويل العسكري الخارجي الذي يسمح لها بشراء معدات عسكرية أمريكية الصنع والحصول على المساعدة التقنية بالتنسيق مع وزارتي الخارجية والدفاع في الولايات المتحدة، إضافة إلى مبلغ 250 مليون دولار للدعم الاقتصادي السنوي. وفي حين أنها ليست أموال "مخصصة" بحد ذاتها، إلا أن المساعدات الأمريكية قد دعمت السلام ما بين إسرائيل ومصر منذ عام 1981. ويقيناً، أن التمويل قد تراجع بشكل كبير بالنسبة إلى مصر على مر السنين: ففي أوائل الثمانينات، كانت المساعدات تعادل 10 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في مصر، ولكن هذه النسبة تصل اليوم إلى أقل من 1 في المائة. ومع ذلك، يبقى هذا التمويل رمزاً هاماً على التزام الولايات المتحدة ويضمن بقاء القاهرة، على الأقل اسمياً، ضمن المدار الموالي للغرب.

على مدى السنوات الثلاث الماضية، كانت مصر تحارب التمرد المتنامي في سيناء. ويأتي هذا العصيان - الذي أسفر عن مقتل أكثر من 500 من عناصر الجيش والأمن حتى يومنا هذا - تحت زعامة جماعة «أنصار بيت المقدس» التي أدرجتها الولايات المتحدة على لائحة الجماعات الارهابية، والتي أعلنت مؤخراً ولاءها لـ تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» («داعش»)/«الدولة الإسلامية». والأسوأ من ذلك أن العنف آخذ في التكاثر داخل وادي النيل كما يتبين من أحدث سلسلة من الهجمات التي أودت بحياة ستة من ضباط الشرطة في القاهرة.

وعلى الرغم من هذا التهديد، أدى امتناع الكونغرس الأمريكي عن إعطاء موافقته العام الماضي إلى تأخير كبير في عملية تسليم عشر طائرات هليكوبتر هجومية من طراز "أباتشي" لاستخدامها في مكافحة التمرد في مصر. وفي الوقت نفسه، تواصل الإدارة الأمريكية تأخير تسليم المشتريات السابقة من مجموعة دبابات أم 1 أبرامز 1 "M1A1"، وطائرات "إف 16" المقاتلة، وصواريخ "هاربون".

شروط الكونغرس

في إطار تخوفه من الإطاحة بالحكومة المنتخبة السابقة في مصر والاستبدادية الزاحفة في ظل حكم الرئيس السيسي، شرع الكونغرس الأمريكي إلى فرض شروط في الميزانية المالية لعام 2014 للحد من صرف الأموال. ومن أجل تسليم النصف الأول من التمويل المالي لعام 2014، تعيّن على الإدارة الأمريكية التأكيد على أن مصر تحافظ على العلاقة الاستراتيجية وتوفي بالتزاماتها التي تنص عليها معاهدة السلام مع إسرائيل. ومن أجل تسليم الدفعة المتبقية من المساعدات، لا بد لوزير الخارجية من أن يؤكد على أن مصر: (1) أجرت استفتاءً على الدستور، (2) وتدعم عملية الانتقال الديمقراطي، (3) وأجرت انتخابات رئاسية وبرلمانية، (4) وتتخذ خطوات لِحُكم البلاد ديمقراطياً. ولكن في خلاف ذلك، يمكن لوزير الخارجية التنازل عن هذه الشروط إذا تم تخصيص المساعدة لمكافحة الإرهاب، وضمان أمن الحدود، ومكافحة انتشار الأسلحة، وجهود التنمية في سيناء.

وفي حين أن ميزانية السنة المالية 2015 التي تم إقرارها في كانون الأول/ ديسمبر أضافت تنازلاً عاماً يخص الأمن القومي إلى التنازل المتعلق بمخصصات سيناء - ما لم يكن موجوداً في التشريع الخاص بالعام المالي 2014 - إلا أن هذا التنازل كان أكثر تقييداً بطرق أخرى. فهو يفرض على وزير الخارجية، من بين أمور أخرى، التأكيد على أن الانتخابات البرلمانية كانت حرة ونزيهة، وأن مصر كانت تنفذ إصلاحات لحماية حرية التعبير وتكوين الجمعيات، وكانت توفر الإجراءات القانونية الواجبة للمعتقلين وتطلق سراح السجناء السياسيين الأمريكيين. وفي الوقت الحاضر، لم تحقق القاهرة أياً من هذه الشروط، ولم يتم بعد تخصيص الأموال التي تُقدم عادة إلى مصر للسنة المالية 2015.

الوضع الحالي

تقليدياً، كان يتم إيداع التمويل العسكري الأمريكي لمصر في بداية العام في حساب بفائدة في "البنك الاحتياطي الفدرالي" في نيويورك. لكن، منذ عام 2011، تم تسليم الأموال بشكل متقطع على دفعات وبعد الحصول على موافقة الإدارة الأمريكية. وفي نيسان/إبريل 2014، صادقت الإدارة الأمريكية على أن مصر قد أوفت بالتزاماتها تجاه واشنطن وإسرائيل، وأودعت الدفعة الأولى التي تبلغ 572 مليون دولار أمريكي (نصف مبلغ 1.3 مليار دولار ناقص تكلفة "الأباتشي"). وتسحب مصر من هذه الحسابات بإطراد إلى درجة أنه من المرجح أن يتم استنفاذ كل من الحساب بالفائدة وحساب احتياطات الإدارة في "البنك الاحتياطي الفدرالي" في خلال الأسابيع المقبلة.

أما بغية نقل مبلغ 650 مليون دولار المتبقي من المساعدات التي التزمت بها الولايات المتحدة للسنة المالية 2014، فسيكون على وزير الخارجية جون كيري إما التأكيد على أن مصر "تحكم البلاد ديمقراطياً" وإما أن يدعو إلى تنفيذ التنازل الأمني، وذلك ظاهرياً من خلال تخصيص المساعدة لجهود مكافحة الإرهاب في سيناء. وفي حين أن الإدارة الأمريكية قد تعتبر أن هذه الشروط مرهقة، فإنه من المرجح أن ينظر كل من البيت الأبيض والقاهرة إلى تخصيص الأموال لمكافحة الإرهاب على نطاق واسع، هذا علماً أن حكومة السيسي تعتبر أن سجنها لأعضاء جماعة «الإخوان المسلمين» هو عبارة عن "مكافحة للإرهاب".

من المرجح أن يصدر أي تنازل من الإدارة الأمريكية عن طريق رسالة موجهة من وزارة الخارجية إلى الكونغرس، وأن تتبعها جلسات إحاطة لكبار المشرّعين، وأبرزهم السناتور باتريك ليهي (ديمقراطي من ولاية فيرمونت)، وهو عضو في "لجنة المخصصات" التي امتنعت عن الموافقة على تسليم طائرات "الأباتشي" في العام الماضي خوفاً من وقوع انتهاكات لحقوق الإنسان في مصر.

ونظراً إلى تدهور الأوضاع في ليبيا وسوريا واليمن والعراق، وإلى التهديد المتنامي لتنظيم «الدولة الإسلامية» في سيناء، فإن واشنطن عازفة عن خفض المساعدات الأمنية لمصر. ولكن السياسات التي تعتمدها القاهرة لا تسهل على الولايات المتحدة عملية اتخاذ هذا القرار.

وقبل أسبوع من العنف الإرهابي الذي شهدته باريس، أصدر الرئيس السيسي بياناً يدعو فيه إلى الإصلاح في الإسلام، مما أدى إلى توليد بعض ردود الفعل الإيجابية النادرة في واشنطن. كما كان للزيارة التصالحية التي قام بها ليلة عيد الميلاد إلى الكنيسة القبطية تأثير مماثل. ولكن للأسف، فإن الغالبية العظمى من العناوين البارزة الأخيرة ليست مشجعة لهذا الحد. على سبيل المثال، لا تزال مصر تسجن المثليين جنسياً والملحدين، وفيها ثاني أكبر عدد من الصحفيين السجناء في العالم، وفقاً لمنظمة "صحفيون بلا حدود". وفي الوقت نفسه، أعلنت القاهرة أنه لن يُسمح لأي منظمة غربية بمراقبة الانتخابات البرلمانية التي ستجري في ربيع 2015. وفي الأسبوع الماضي فقط، وكجزء من استراتيجيتها لهزيمة تمرد «داعش»، أعلنت الحكومة أنها ستدمر مدينة رفح في سيناء وتُخلي قسراً سكانها الذين يبلغ عددهم 75 ألف.

المحصلة

مما لا شك فيه أن السياسات المصرية القمعية، أو خلاف ذلك، غير الحكيمة قد أدت إلى نشوء بعض الاحتراس من جانب إدارة أوباما فيما يخص تقديم التنازلات والدعم العسكري. وفي الواقع، إن سلوك القاهرة يطرح إشكالية، وربما يأتي بنتائج عكسية بالنسبة إلى استقرار الدولة على المدى الطويل، كما أن الكثيرين في واشنطن قد يفضلون حجب التمويل العسكري كوسيلة ضغط من أجل إدخال تحسينات في مجال احترام حقوق الإنسان. إلا أن إيقاف المساعدات الأمريكية بشكل كامل، خاصة في خضم التمرد الذي تشهده سيناء، لن يحسّن من تصرف القاهرة ولن يعزز العلاقة المصرية الأمريكية المشحونة بالفعل. وفي الواقع، تشير السابقات إلى أن حجب المساعدات سيؤدي إلى تعظيم أسوأ ميول الحوكمة المصرية، وليس جعلها معتدلة. على سبيل المثال، بين تشرين الأول/ أكتوبر 2013 وكانون الأول/ ديسمبر 2014، عندما كان التمويل الأمريكي رهناً بالتقدم الديمقراطي، أقرت القاهرة قانوناً جديداً شديد القسوة لمكافحة الاحتجاجات، وطبّقت قانوناً أكثر تقييداً للمنظمات غير الحكومية، وشهدت فوز عبد الفتاح السيسي في الانتخابات الرئاسية بنسبة 97 في المائة من التصويت الشعبي.

وفي الوقت الراهن، تكمن المسألة بشكل حازم في يد الإدارة الأمريكية: فعلى الرغم من أن الكونغرس وضع شروطاً للمساعدات الأمريكية لمصر منذ البداية، من غير المرجح أن يعبّر عن معارضته إذا طلب وزير الخارجية تنفيذ التنازل وقام بتحرير التمويل المتبقي. ولا بد من الإشارة إلى أنه عندما تم في نيسان/ إبريل 2014 أخيراً رفع تعليق عملية تسليم طائرات "الأباتشي" الذي استمر لمدى أشهر، كان التذمر في الكونغرس الأمريكي شبه معدوم، وتم تسليم طائرات الهليكوبتر من دون ضجة أو احتجاج في كانون الأول/ ديسمبر.

وفي النهاية، فمن شبه المؤكد أن الإدارة الأمريكية ستلين وتحرر ما تبقى من تمويل السنة المالية 2014، حتى ولو كان التمويل مخصصاً فقط للأنشطة ذات الصلة بسيناء ومكافحة الإرهاب. ولكن من خلال ترددها في إصدار التنازل، أشارت واشنطن بالفعل إلى نفورها من بعض السياسات التي تعتمدها القاهرة. ويمكنها أن تظهر نفورها بشكل أكبر من القمع [الممارس] في مصر عبر اتخاذ خطوات لإنهاء مجاملة "تمويل التدفق النقدي"، وهو ما يسمح للقاهرة بالالتزام بشراء أنظمة أسلحة باهظة الثمن من مقاولي الدفاع الأمريكيين وتغطية تكاليف شرائها من مِنَح برنامج التمويل العسكري الخارجي المتوقعة في المستقبل. أما في الوقت الحاضر، هناك القليل من المكاسب التي يمكن تحقيقها ومن المحتمل أن تكون الخسائر الممكنة كبيرة إذا تم الانتظار حتى فراغ حسابات برنامج التمويل العسكري الخارجي القائم في "البنك الاحتياطي الفدرالي" والخاص بمصر.

مصدر الترجمة: 
Washington Institute for Near East Policy