لعب لعبة مزدوجة في الحرب ضد القاعدة في الجزيرة العربية

مقال رأي

في أحد الأيام في بدايات أكتوبر أخذ أبن فيصل سالم البالغ من العمر 28 سنة سيارة والده وترك منزل العائلة كي يقل إثنان من أصدقائه إلى العمل. سالم الأكبر كان مسؤول أمني في مدينته الساحلية الجنوبية وقد كان قد تلقى تهديدات بالقتل من متصلين مجهولين في سنوات سابقة، وقبل خمسة أشهر حاول ملثمون إعتقد هو أنهم ينتمون إلى فرع القاعدة في اليمن أن يطلقوا النار عليه خارج دكان بقالة. وبرغم من قلقه إستمر في السماح لابنه بتلك الرحلات الصباحية بالسيارة.  

بدما أقل أحد أصدقائه من محطة وقود قاد أبن سالم السيارة عبر ميدان عائدا إلى طريق عندن البحري. إلى يساره كان هناك جبال بركانية خامدة تحدد فم الميناء المترقرق. إلى يمينه بقايا بحر العرب المجفف إلى مسطحات طينية تحوم حولها طيور النحام (فلمينجو).

وبينما يقتربون من الطريق الموازي للبحر إنفجرت قنبلة مزروعة تحت مقعد السائق. دارت السيارة وقفزت فوق الرصيف الذي يقسم الشارع مصطدمة بعمود إنارة. في كرسي الراكب أمسك صديق سالم بأذنيه مصابا بصمم وعمى مؤقتين. كانت أثنان من ضلوعه قد كسرت. أخرجه أحد الواقفون في الشارع من السيارة وعندما التفت إلى الخلف كان ابن سالم يبدو مغشيا عليه. أخترق الإنفجار أسفل ظهره وقتله فورا.

في اليوم التالي إدعت القاعدة في الجزيرة العربية (AQAP) خطأ أنها قد إغتالت سالم الأب والذي تم تغير أسمه مثل الكثيرون في هذا المقال لحمايته. لم تلقي السلطات القبض على أحد بتهمة التفجير ولا يعتقد سالم أنهم سيفعلون. مثل كثيرون في اليمن هو يشك في أن القاعدة في الجزيرة العربية وعناصر قوية في الحكومة أقرب مما يرغم أي منهم في الإعتراف. 

يقول عن الجماعات الجهادية "أنهم مثل الأشباح"

إعلان القاعدة في الجزيرة العربية  مسؤوليتها عن الهجمات الأخيرة على المجلة الهزلية شارلي إبدو في باريس والتي قتل فيها 10 مواطنين وشرطيان دفعت العالم للصراع مرة أخرى مع وجود القاعدة في اليمن. وبالرغم من أكثر من عقد من مجهودات الولايات المتحدة في مكافحة الإرهاب الموجهة ضد القاعدة في الجزيرة العربية وأسلافها والتي كلفت مئات الملايين من الدولارات فأن المجموعة تبقى تهديدا محليا عابرا للدول. حتى وإن كان إدعائها بأنها خططت ومولت هجوم باريس يبدو أن القاعدة في الجزيرة العربية قد حافظت على قدرتها على تحفيز وإلهام المتطرفين في الخارج.

في السنين الأخيرة قال مسؤولين في الولايات المتحدة أنهم يركزون على قتل أو القبض على الكوادر الصغيرة من مقاتلي القاعدة في الجزيرة العربية على أمل "تقليل" التهديدات بهجوم على الولايات المتحدة أو حلفائها بينما تبتعد عن الحروب الداخلية الفوضوية في اليمن. وقد ربى ذلك نظرة بأن القاعدة في الجزيرة العربية هرمية بشكل حاد – مكونة من "دستتان" من الشخصيات المحورية في وصف جون برنان مدير مكافحة الإرهاب في 2011 – ويمكن إحتوائها بضربات درون (طائرة مقاتلة بدون طيار) دورية. في سبتمبر 2014 أعلن الرئيس براك أوباما أن قصة نجاح البلد في محاربة الإرهاب نموذج للصراعات الأخرى. 

ولكن السنوات الأخيرة واليمنين أنفسهم يحكون قصة مختلفة – قصة تفشل فيها الإدارات الأمريكية المتعاقبة في فهم هذا التابع للقاعدة وتبعا لذلك كانوا فاشلين في إحتواء الخطر المميت الذي تمثله. 

حليف لا يعتمد عليه

التحدي الأول الذي واجهته الولايات المتحدة هو إعتمادها على الحكومة اليمنية والتي لم تكن دائما ملتزمة بمحاربة القاعدة في الجزيرة العربية كما تقول بيانتها العلنية. في نوفمبر قامت لجنة مجلس الأمن في الأمم المتحدة والمخولة بالإشراف على العقوبات في اليمن بتجميد أصول الرئيس السابق علي عبد الله صالح ومنعه من السفر مدعية أنه حاول تعطيل الإنتقال في البلاد ما بعد الربيع العربي. قالت اللجنة أن خبرائها تلقوا إدعائات أن صالح نفسه يستخدم القاعدة في الجزيرة العربية "كي يقوم بإغتيالات وهجمات ضد منشئات عسكرية لإضعاف الرئيس (عبد ربه منصور) هادي وخلق تذمر في صفوف الجيش وسكان الحدود اليمنية" بعد أسبوعان الغت اللجنة الإشارة إلى القاعدة في الجزيرة العربية  قائلة ببساطة أنه صالح "يدعم أفعال عنيفة لبعض اليمنين بتوفير أموال ودعم سياسي لهم" – وهي لغة أقرب للكلام المستخدم من قبل وزارة الخزانة الأمريكية لوصف عقوباتها ضد صالح والتي أعلنتها في نوفمبر.

ومع ذلك ظلت تهمة مشينة ضد رجل تلقت حكومته فيض من الأموال والتدريب بعد هجمات 11 سبتمبر 2001 لتساعد في هزيمة القاعدة محولة مناطق بلاده النائية وغير المحكومة إلى خطوط أولى في الحرب على الإرهاب. 

منذ 2006 عندما كونت وزارة الدفاع حساب خاص لدعم مجهودات القوات المسلحة الأجنبية في مكافحة الإرهاب وقد كانت اليمن أكبر المستفيدين من كرم واشنطون. أخذت الحكومة في صنعاء 401 مليون دولار تقريبا بالإضافة إلى حوالي 164 مليون دولار تسلمتها البلاد منذ 2001 من ميزانية وزارة الخارجية  للتمويل العسكري. 

دربت الولايات المتحدة قوات مكافحة الإرهاب اليمنية ويقودها أبن أخو صالح ووفرت لها المعدات العسكرية بما في ذلك الطائرات المروحية والسيارات المصفحة ومعدات المراقة ونظارات الرؤية الليلية. كما قامت الولايات المتحدة بالمئات من هجمات الدرون على أهداف مشكوك فيها – وهو برنامج أصبح أحد مواضيع الأمن القومي الجدلية إثارة للإرتباك في إدارة الرئيس باراك أوباما بعدما إتخذ القرار الخلافي سياسيا بإستهداف وقتل مواطن أمريكي وهو أنور العولقي الذي تم إدعاء أنه أحد المخططين لـ القاعدة في الجزيرة العربية. 

جميع هذه المجهودات كانت في خدمة هزيمة نفس المجموعة التي كانت طعم صالح في لعبة القوة السياسية. 

قال مسؤولون أمريكيون أنهم قد فهموا منذ وقت طويل أنه شريك غير مستقر ضد القاعدة في الجزيرة العربية وأن الموالين له في قوات الأمن كانوا يحتفظون بمقاتلين جهادين سابقين أحيانا في سجل رواتبهم وإسائوا إستخدام المعونة الأمريكية الخاصة بمكافحة الإرهاب لمحاربة أعدائهم الداخليين. كما أصروا أنه عند الحاجة فإنه يحارب بإخلاص ضد أعضاء في القاعدة في الجزيرة العربية الذين يهددون الولايات المتحدة. ولكن هناك أدلة قليلة على أن هادي الذي إستلم المنصب في فبراير 2012 يلعب لعبة مزدوجة مماثلة. 

اليوم هناك أجزاء من اليمن ممزقة بمعارك بين القاعدة في الجزيرة العربية   والحوثيين، حركة سياسية شيعية سيطرت ميليشياتها مؤخرا على العاصمة صنعاء. وقد حارب الحوثيين معارك متقطعة ولكنها شرسة مع القوات المسلحة اليمنية ويبدوا أنهم حريصون على فرض حكومة ودستور جديدان. يوم الثلاثاء 201 يناير إستولى الثوار الحوثيون على القصر الرئاسي في اليمن وهي خطوة أسمتها الحكومة إنقلاب. وقد أشعل صعودهم  القاعدة في الجزيرة العربية  وأثار عدم إستقرار طائفي في الريف. 

وقد تركت المحنة اليمن بإقتصاد محطم وحكومة بالكاد فاعلة. إن الوضع المزري في اليمن – والتهديد الذي لا تزال تمثله القاعدة في الجزيرة العربية- يعني أن حكومة أوباما في صراع وسمته بأنه ناجح قد أدارات وجهها عن سباق معيب من أجل الأمن القومي.

الصداقة اللدودة مع أعدائنا

بدأ التحالف بين بعض أقوى المسؤولين في اليمن والجهاديين الذين دفعت الولايات المتحدة لهم أموالا كي يحاربوهم بدأت في بداية التسعينات عندما عاد اليمنيون الذين سافروا إلى الخارج كي يحاربوا القوات السوفيتية في أفغانستان متأثرين بشدة بتجربتهم مع الجهاد ومكتسبي لخبرة بسبب القتال في أرض المعركة. 

سعى صالح للإستفادة بهؤلاء الذين يطلقون على أنفسهم لقب مجاهدين في حربه الأهلية الخاصة. إنسحب السوفيت من أفغانستان قبل وقت قصير من الوحدة بين اليمن الجنوبي الماركسي والجمهورية العربية اليمنية في الشمال حيث كان صالح رئيسا منذ 1978. وفي محاولة لإضعاف الماركسين الذين يهددون سلطته قام صالح بتشجيع المجاهدين على الإستقرار في الجنوب وإنشاء مؤسسات تعليمية سلفية بمساندة من السعودية التي كان لها أيضا مصلحة في سحق الشيوعيون العرب. أعلن مؤسس القاعدة أسامة بن لادن تأيده للخطة كما كتب الباحث في شؤون اليمن جريجوري جونسن في كتابه الملجئ الأخير: اليمن والقاعدة وحرب أمريكا في الجزيرة العربية. 

وداخل شقة مهملة في عدن عام 2011 يصف فارس، أحد هؤلاء المقاتلين العائدين كيف تعاونت الحكومة والمجاهدين السابقين. 

يقول فارس في تفسيره لإستخدام صالح لصلاته كي يتواصل مع المجاهدين السابقين ومطرفين أخرين "الحكومة تريد أن تطمئن حلفائها (الغربين)... الحكومة تتصل (بالمقاتلين السابقين) وتقول ‘ماذا تريد؟ وظيفة‘ "

عام 1993 قامت حكومة صالح بسجن فارس – مع على الأقل أثنين من قدامى المحاربين في الحرب الأفغانية – لإشتراكهم في تفجير فندقان في عدن في العام السابق. وقال محققي الإف بي أي أن الرجلان الأخران طارق الفضالي وجمال النهدي لعبوا أدورا أساسية في الهجمات التي إستهدفت قوات المارين الأمريكية ولكنها قتلت على أقل سائح أسترالي واحد وموظف في فندق. وتعتقد وزارة الخارجية أن بن لادن قد أرسل أموال لبعض المتورطين كمان قال تقرير لجنة11 سبتمبر.

ولكن في 1994 أطلقت السلطات صراح الفضالي وفارس ونهدي من السجن ليحاربوا مع قوات صالح في الحرب الأهلية التي إندلعت بين شمال وجنوب اليمن. سيتم تعين فاضلي لاحقا في المجلس الأعلى في البرلمان الرمزي إلي حد كبير بينما سينضم نهدي لاحقا إلى اللجنة الدائمة في حزب صالح الحاكم. 

المسؤول الذي كان عادة مختص بالإشراف على المجاهدين السابقين كان علي محسن الأحمر كما قال فارس وهو قريب لصالح ويأتي من قرية الرئيس وكان في ذلك الوقت لواء ذو سلطة في الجيش. كتب محرر النيو يورك تايمز جون بيرنز عام 2000 أن المسؤولين اليمنين والمخابرات الغربية تدعي أن الأحمر قد تصرف في منحة قدرها 20 مليون من بن لادن لإعادة توطين الذين حاربوا في أفغانستان، داخل اليمن. 

مثل هذه الصلات بين أعضاء من حكومة صالح والمجاهدين السابقين إستمرت كما قال السفير الأمريكي السابق في اليمن إدموند هل.

كما قال مؤخرا في مقابلة هاتفية "كان الإف بي أي والسي أي أيه متشككين بشدة في هذه الصلات وكانوا أيضا قلقين بشأن مسؤولين داخل الحكومة اليمنية يمكنهم أن يكون لديهم تعاطف أو روابط أو علاقات شخصية (مع القاعدة)"

لم يقل فارس الكثير حول إيديولجيته الشخصية ولكنه أطلق لحيته بالطريقة السلفية ولم يكن ينظر مباشرة إلى امرأة صحفية خلال المقابلة في غرفة معيشته المتقشفة. كان يصف كيف عمل كحارس شخصي لعبد المجيد الزيداني شيخ شديد المحافظة أسس جامعة الإمام عام 1993 وهي مدرسة دينية في العاصمة يعرف عنها أن منهجها جهادي. تلقى العولقي دروسا هناك وحاضر في الجامعة ودرس جون ليند المتطوع الأمريكي لدى طاليبان الذي ألقي القبض عليه عام 2001 هناك كذلك. عام 2004 لقبت وزارة الخزانة الأمريكية زيداني بأنه "إرهابي دولي مطلوب بشكل خاص" متهمة أيه بأنه الزعيم الروحي لبن لادن ويساعد في شراء أسلحة للقاعدة. 

كان الزيداني أيضا من المعارف المقربين لصالح كما قال عبد الغني العرياني المحلل السياسي والناشط المعارض وقد سمحت له حكومة اليمن أن يدير الجامعة حتى نهبها الحوثيون في وقت متأخر من شهر سبتمبر عندما إقتحموا العاصمة. 

خطط للدفع

قال فارس أنه قد سافر إلى صنعاء مرتان في وقت متأخر من العام 1990 حيث أعطاه مدير منظمة الأمن السياسي اليمنية (PSO) غالب القمش حوالي 2300 دولار كي يتوقف عن مهاجمة المصالح الغربية. أحد هذه الإجتماعات حدثت في المقر الرئيسي لمنظمة الأمن السياسي اليمنية التي كانت في ذلك الوقت أعلى جهاز إستخباراتي في اليمن والأخر حدث في منزل القمش الخاص.

قال فارس "كانوا معتادون على إرسال حوالات للرجال في مرتب أقل" عن المئات الأخرين المشتبه في كونهم إرهابين الذين يدعي أن الحكومة بدأت تدفع لهم بعد هجمة على الأجانب في عدن عام 1998. وفرت لهم منظمة الأمن السياسي اليمنية مناصب وهمية في وزارات غير مهمة ودفعت لهم شهريا بإستخدام خدمة تحويل أموال محلية تدعى الكريمي. 

قال فارس "أعضاء القاعدة الذين رفضوا أن يتلقوا أموال هم من أبلغ صالح عنهم أمريكا كي تقتلهم".

ومع أنه في ذلك الوقت لم يكن من الممكن التأكد بشكل مستقل من إدعائات فارس إلى أنه عند سؤاله عن تفاصيل رحلته إلى صنعاء كي يتلقى أموال من منظمة الأمن السياسي اليمنية أجاب بدون تردد ولم تكن صلات القمش الوطيدة بالأصوليين سرا في العاصمة اليمنية. أعرب مسؤولون كبار في الولايات المتحدة أيضا عن مخاوفهم من المتعاطفين مع الجهاديين داخل منظمة الأمن السياسي اليمنية لفورين بوليسي.

وقد إدعى فارس أن صالح لم يدفع أموالا للمقاتلين كي يتوقفوا عن العنف فقط ولكنه حاول أن يروضهم لأغراضه الخاصة. عندما بدأت بشكل جاد حركة جنوبية إنفصالية في 2007 قال فارس أن الرئيس إستدعى حوالي 100 من المجاهدين أصحاب الرواتب ضمن أخرين وأتى بهم إلى صنعاء كي يجهزهم كي يحاربوا. كل من حضر الإجتماع حصل على 500 دولار. قال صالح أنه كان يعرف أن بعض الرجال مرتبطون بالقاعدة. 

في يناير قال مسؤول يمني عمل في إدارة صالح أن تجنيد المجاهدين السابقين ومتطرفين أخرين كان تكتيك لجمع المعلومات الإستخباراتية. وقال "يمكن لأي مسؤول يمني أن يؤكد لك أن العديد من المجاهدين السابقين على كشوف الرواتب في منظمة الأمن السياسي اليمنية كمرشدين"

ومع أن صالح قد نجح في ضم رجال مثل فارس إلى أن محاربين سابقين في الحرب الأفغانية أبقوا الإيديولجيا الإسلامية الرديكالية حية في اليمن الجنوبي وربطوا مطالبهم المحدودة – بما فيها إقالة صالح وتوفير خدمات أساسية أفضل – إلى الطموح الجهادي بطرد الغربيين من اليمن. عام 1998 سعى أحد رجال القاعدة وهو أيضا جهادي أفغاني سابق إلى تميل من بن لادن لضرب القوات الأمريكية مباشرة وحصل عليه. الهجوم المترتب على ذلك على المدمرة يو أس أس كول بينما هي تتزود بالوقود في ميناء عدن عام 2000 قتل 17 بحار أمريكي. 

وكرد فعل أنشاء صالح برنامج للحوار مع المشتبه في أنهم متطرفين سمح بأن لا يعاقوبوا إذا تخرجوا منه – وهي عملية تتطلب أن يقسموا على الولاء للحكومة اليمنية. خلال عقد كان جميع المتهمين المدانين بالمشاركة في الهجوم هاربون من السجن أو مطلق سراحهم من قبل الحكومة – بما في ذلك من قيل أنه العقل المدبر جمال البدوي والذي أدى هروبهم عام 2006 مع 22 أخرون من سجن منظمة الأمن السياسي اليمنية الرئيسي في صنعاء أن يشك المسؤولون الأمريكيون بالقمش نفسه كما كتبت نيوزويك

قالت باربرا بودين التي عملت كسفيرة للولايات المتحدة في اليمن منذ أواخر 1997 إلى قبل هجمات 11 سبتمبر بأسبوعان قالت أن حكومة صالح أقامت أحيانا علاقات غير مريحة مع متطرفين ولكنها تشك في أن الرئيس السابق قد إحتضن القاعدة في الجزيرة العربية

قالت "لقد كان علي عبد الله و القاعدة في الجزيرة العربية سؤالا ضبابيا إلى حد ما... ولكني لا أظن أنه هناك أشخاص داخل جهاز الأمن كانوا مجاهدين سابقين  وكانوا يساندون بشكل مطلق أن يذهب المجاهدين إلى أفغانستان ويحاربوا. هل كانوا يعملون مع أشخاص يذهبون إلى أبعد مما كان مريحا لنا؟ ربما. ولكن أشخاص كان مقاتلين (مع القاعدة في الجزيرة العربية). لا"

وفي الخفاء، كان الدبلوماسيون الأمريكيون أكثر صراحة بكثير.

ذكرت وثيقة ويكيليكس من يناير عام 2010 أنه "عرف عن صالح التفاوض مع خصومه المحليين، بما في ذلك تنظيم القاعدة." وأضافت الوثيقة "فقد قام لسنوات بالتفاوض، واستغلال، ورشوة وتملق المتطرفين الإسلاميين في اليمن من أجل تحقيق مكاسب سياسية خاصة".

وسواء كانت تلك هي استراتيجية الحكومة أو لا، فقد سمحت التسويات مع الحكومة للأصوليين بالعمل بحرية نسبية. وبحلول عام 2011، كان فارس يتباكى على ما أصبحت عليه القاعدة في اليمن، مشيرا إلى أن الجيل الجديد قد يكون أصعب في السيطرة عليهم من أسلافهم.

واشتكى قائلا: "خلال عهدي [في ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين]، لم يكن أحدًا ليقدم على تفجير نفسه دون تفكير. هؤلاء الرجال لا يهتمون لقتل المسلمين. بل أن تلك هي سياستهم." وأضاف: "[إنهم] فقط يفعلوا ما يروق لهم."

جنون الربيع

قدم الربيع العربي والسقوط اللاحق لحكومة صالح في عام 2011 فرصة مواتية لهذا الجيل الجديد لتجريب أنفسهم في الحكم، مما كشف عن حركة أكثر انتشارا من الصورة النمطية للمتطرفين المنعزلين المتشددين وأكثر جاذبية لدى بعض اليمنيين أكثر مما قد يتوقعه صناع السياسات الأمريكيين.

في ربيع عام 2011، حينما كان أفراد الجيش والشرطة قد انشقوا في أعقاب الهجمات التي ترعاها الحكومة القاتلة على المتظاهرين أو قد تقتصرت جهودهم على الدفاع عن صنعاء من الميليشيات الموالية للمتظاهرين، اجتاح المقاتلون تحت رعاية القاعدة في الجزيرة العربية من عدة بلدات في جنوب اليمن. استولوا على المراكز السكانية الرئيسية في محافظة أبين، بما في ذلك جعار، وهي بلدة يعيش بها أكثر من 30 ألف شخص، وزنجبار، عاصمة المقاطعة، وهي تقع على ما يقرب من ساعة بالسيارة الى الشرق من عدن. إن الوقت الذي استغرقته الحكومة للرد جعل الكثيرين في العاصمة – سواء من اليمنيين أوالمسؤولين الأجانب - متشككين حول عزم صالح هزيمة القاعدة في الجزيرة العربية.

وقال مؤخرا دبلوماسي غربي بارز خدم في صنعاء في عام 2011: "كان يعتقد أن صالح لم يفعل كل ما في وسعه لملاحقة القاعدة في الجزيرة العربية، حيث كان يرى فيها حافزا مفيدا لجذب المزيد من الدعم الأمني الغربي لنظامه."

لقد سبقت الشكوك الربيع العربي. وذكر تقرير لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ في يناير 2010 بصراحة أن الولايات المتحدة وصالح كان لهما "أولويات مختلفة":

بينما كانت واشنطن تريد من الرئيس صالح أن يقاتل القاعدة في الجزيرة العربية، فقد كان قلق صالح الأكبر منصبا حول التمرد الحوثي المستمر. ولدت الحركة في التسعينيات كحركة لإحياء الزيدية الشيعية تسمى "الشباب المؤمن"، تهدف جزئيا إلى مواجهة نمو الوهابية السنية المتشددة المتأثرة بالمملكة العربية السعودية، رفع الحوثيون السلاح في محافظة صعدة الشمالية بعد سقوط الحكومة في عام 2004. استمرت نصف دستة من جولات الصراع حتى انتفاضة عام 2011، وقد أصبحت الحركة اليوم أقوى من أي وقت مضى.

وأعرب تقرير لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ عن القلق من أن القوات اليمنية قد استخدمت نظارات للرؤية الليلية التي زودتها الولايات المتحدة بغرض لمكافحة القاعدة في الجزيرة العربية، في غارات ضد الحوثيين في العام السابق، ذكر التقرير أن السفارة الأمريكية قد وقفت توريد "الصواريخ التي تدفع بالوقود" إلى القوات الجوية اليمنية خوفا من أنهم كانوا يستخدمونها ضد الحوثيين أيضا.

وقال الارياني، المحلل والناشط المعارض "عرفت الولايات المتحدة أن [صالح] كان يكذب عليهم، لكنهم لم يستطيعوا فعل أي شيء حيال ذلك، ولذلك واصلوا التظاهر [ان صالح كان يقاتل تنظيم القاعدة]." وأضاف: "لذلك أود أن أقول إن صالح قد خدعهم."

في عام 2011، ستسمح استجابة الحكومة البطيئة لتحركات القاعدة في الجزيرة العربية في الجنوب لمدينة جعار أن تصبح واحدة من التجارب القليلة للجهاديين في الحكم، مما كشف خلال ذلك وجود حركة أكثر تنوعا وقدرة على التكيف أكثر مما توحي به الصور النمطية عن الجماعة.

قام المقاتلين - وبينهم أجانب من مصر والعراق والمملكة العربية السعودية، وسوريا، كما ذكر سكان جعار- باحتلال مبنى المحكمة الرئيسي بالبلدة ومركز للشرطة ومسجد ومستشفى، وانتقلوا للعيش في المجتمع مع أسرهم.

وشغل المجندين المحليين الانتهازيين بقية صفوفهم. بعض من الشبان الذين انضموا إليهم كانوا بالفعل محافظين دينيا ومستعدين للرسالة التي رفعها دعاة القاعدة في الجزيرة العربية. بينما كان آخرون ببساطة بدون وظائف ولا يملكون خيارات أخرى.

وفي إشارة إلى سمية الجمعات الشبيهة بتنظيم القاعدة بين الكثيرين في الشرق الأوسط، بدأت القاعدة في الجزيرة العربية في الإحالة إلى جماعة أنصار الشريعة الأوسع نطاقا والأكثر شعبية في كثير من الأحيان، والتي تقدم الخدمات.  وقال مسؤول في الحكومة اليمنية، أن المقاتلين الذين كانوا يطلقون على أنفسهم أنصار الشريعة أشبه "بقطاع الطرق متنقلين" - وهو جيل من الشباب أحيانا يأخذ أوامر من القاعدة في الجزيرة العربية الأكثر تنظيما.

قدمت القاعدة في الجزيرة العربية المال للمتطوعين من جماعة أنصار الشريعة الجديدة، الذين قدموا بدورهم المياه والكهرباء والمواد الغذائية إلى المناطق المهجورة من قبل الحكومة خلال الاضطرابات الثورية. وفي الوقت نفسه، حكموا المدينة بتفسير أصولي للشريعة الإسلامية، رفعوا النسخة الخاصة بهم من راية القاعدة – وهي راية سوداء تحمل الشهادتين الإسلاميتين- ورسموا على المباني الاسم الجديد الذي أطلقوه على المنطقة: إمارة وقار الإسلامية. وقتلوا الجواسيس المزعومين في عمليات إعدام علنية.

وفي الوقت نفسه في العاصمة، شلت ثورة الربيع العربي الحكومة. أقسم صالح للمجتمع الدولي والجمهور اليمني انه سيتخلى عن صلاحياته كرئيس وفقا لاتفاق انتقال للسلطة بوساطة دولية، إلا أنه تراجع في اللحظة الاخيرة. وسط هذه العملية التفاوضية، لم تعمل الوزارات تقريبا، وتوقفت الخدمات العامة. في نوفمبر 2011، بعد ضغوط دولية لا هوادة فيها، وقع صالح أخيرا على الاتفاق، وسلمت السلطة لنائبه هادي في فبراير التالي.

صعود اللجان الشعبية

وبعدها بشهور فقط، في عام 2012، قامت حملة للقوات المسلحة اليمنية تدعمها الولايات المتحدة بإخراج الجهاديين. وترك الهجوم حكم الفعلي في يد "اللجان الشعبية،" وهي حركة مخصصة للقبائل وتابعيها الذين كانوا أول من حمل السلاح ضد متشددين يستلهمون نهج القاعدة في الجزيرة العربية. وكانت التحالفات في هذا الصراع في كثير من الأحيان غير واضحة وسريعة الزوال: كثير من أعضاء اللجان الشعبية، التي لا تزال تتولي السلطة في جزء كبير أبين ، قد انضمت إلى جانب القاعدة في الجزيرة العربية أولا قبل انشقاقها.

انضم ناصر، وهو عاطل عن العمل عمره 25 عاما من باتيس، وهي قرية شمال جعار، إلى أعضاء آخرين من قبيلته لمحاربة الجهاديين. اختارت جماعته زعيمها الخاص وخططت لاستراتيجيتها الخاصة، ولكنا في كثير من الأحيان كانت تأخذ أوامر من محافظ أبين – أو "طلبات" كما أطلق عليها. في بعض الأحيان، كان ناصر ورفاقه يجدون أنفسهم يحاربون رجالا مثلهم.

وقال: "معظمهم من أفراد القبائل الذين انضموا لتنظيم القاعدة."

واضاف "لقد انضموا لأنهم فقراء أو جوعى، أو أن تنظيم القاعدة غسل أدمغتهم حتى ينضموا. يعتقد بعض منهم أن هذا هو الجهاد الحقيقي. ولكنه ليس جهادا حقيقيا."

وحيث أن العديد من الجهاديين المنضمين حديثا كانوا من الرجال المحليين من القبائل المعروفة، وكانوا أيضا في ألم الحفاظ على سمعتهم، فالتزموا تماما بالمعايير المحلية.

ذكر محمد، وهو مزارع يبلغ من العمر 39 عاما من قرية قرب جعار، كيف قبض الجهاديين عليه وعلى آخرين عند نقطة تفتيش خارج عاصمة المحافظة زنجبار في مارس 2012. عصب المقاتلون أعينهم واقتادوهم إلى جعار، ثم احتجزوهم داخل مدرسة لمدة أسبوعين، وضربوا بعضا منهم. استجوبوا محمد وسألوه لماذا كان يعمل مخبرا "لليهود والأمريكيين." وبينما كان محتجزا، ذهب إخوته وأقاربه إلى جلال بلعيدي، وهو قيادي كبير في القاعدة في الجزيرة العربية في جنوب اليمن، يشترك في قيادة بعضا من أكثر عمليات القاعدة في الجزيرة العربية فتكا في الجنوب، بما في ذلك قتل 15 جنديا خارج الخدمة في أغسطس 2014، كانوا يركبون حافلة مدنية.

محمد عضو في قبيلة كبيرة اسمها معروف في جميع أنحاء اليمن، وبلعيدي ينتمي إلى قبيلة مرقيشي التي تربطها صلات بقبيلة محمد. اجتمع أفراد أسرته مع بلعيدي للتفاوض، من خلال عملية قبلية للفوز بحرية محمد. وبعدها بقليل، إطلق معتقليه سراحه وأعادوا إيه ممتلكاته، وقال أنهم فعلوا المثل بالنسبة لسجناء آخرين. بل أن بعض الأسرى انضموا للجهاديين.

ويشير القليل الذي كُتب حول إلى وجود مسار عادي إلى الجهاد يبدو نموذجا للكثير من اليمنيين الذين انضموا إلى القاعدة في الجزيرة العربية. وفقا لبعض التقارير الصحفية، فهو ابن ضابط سابق في الجيش وهو الطفل الاصغر ضمن سبعة أشقاء تلقوا تعليما جيدا، وعندما كان شابا، كان حارس مرمى لفريق كرة القدم المحلي في أبين. واضاف محمد "كانوا يجلسون عاطلين عن العمل قبل تنظيم القاعدة."

وقال أحمد، وهو موظف حكومي يبلغ من العمر 52 عاما، أن القاعدة في الجزيرة العربية تدفع تعويضات كبيرة عندما تقتل مدنيين. في أوائل عام 2011، كان أحمد وخمسة رجال آخرين يركبون في الجزء الخلفي من شاحنة صغيرة متجهة من جعار إلى زنجبار، بعد أن جمعوا مدفوعات الكهرباء من سكان جعار، عندما استولى رجلان يركبون دراجات نارية على الشاحنة وأطلقوا النار من سلاح AK-47S. وحكى أحمد أنهم قتلوا أربعة من الركاب، بما في ذلك الحارس الذي حاول الرد على النيران، وحاولوا أن يسرقوا المال، لكنهم فشلوا في العثور عليه. وتلقى أحمد رصاصة في ساقيه، لكنه ورجل آخر تمكنوا من البقاء على قيد الحياة.

وبحسب أحمد، ففي وقت لاحق، نشرت القاعدة في الجزيرة العربية إعلانا في صحيفة جعار تعلن فيه عن مسؤوليتها واعدة بدفع تعويضات لجميع الذين لقوا حتفهم، حتى حارس الأمن الذي رد بإطلاق النار. قاموا بتوزيع شيكات لأسر الرجال الاربعة القتلى. قيمة كل منها 12 مليون ريال، أو 56 ألف دولار أمريكي، ويمكن صرفه في أحد البنوك في عدن.

لازم دفع التعويضات مع الجهود التي تبذلها المجموعة - سواء من خلال الدعاية الشفهية أو من خلال ذراعها الإعلامي "صدى المعارك" - لتصوير أعضائها وكأنهم "ركائز لنكران الذات والتقوى" و "يمكن تمييزهم عن الملايين من اليمنيين العاديين غير الراضيين عن صنعاء والمعاديين للغرب، كما قالت دراسة أجرتها ويست بوينت في 2011.

وكتب المؤلف جابرييل كولر-ديريك أنه "سعيا للحفاظ على شرعيتها، أسست [القاعدة في الجزيرة العربية] وضعها بألا تكون منظمة متميزة عن السكان المحليين، بل انعكاس لهم وللمجتمع العالمي للمسلمين المقهورين."

المنجرفون والمحركون

في عام 2012، بعد تخلى صالح الرئاسة وأخرجت الحملة العسكرية معظم الجهاديين من أبين، انجرف معظم الشبان الذين انضموا إلى القاعدة في الجزيرة العربية في السنة السابقة بعيدا عن الجماعة. وذكر عدد من سكان جعار كيف أن نفس الأشخاص الذين كانوا قد عرفوا أنفسهم في الماضي كأعضاء في القاعدة، قد بدأوا في الظهور ضمن اللجان الشعبية.

وقال جابر - وهو عاطل عن العمل يبلغ من العمر 24 عاما كان قد أصيب في تبادل لإطلاق النار بين الجهاديين ومجموعة من الرجال الذين اختلفوا معهم- أن ذلك كان أمرا شائعا.

وقال:"سجن بعض أعضاء تنظيم القاعدة وأفرج عنهم وعادوا إلى الحياة المستقيمة." وأضاف "أن الناس الذين لم تتلطخ أيديهم بالدماء سيسمح لهم الشعب بالعودة."

وكان احد الذين سمح لهم بالعودة هو جمال النهدي، واحدة من قدامى المحاربين الأفغان الثلاثة المتورطين في تفجيرات عدن عام 1992، وفقا لحمزة الخيبر، وهو محام في مجال حقوق الإنسان في جنوب اليمن مثّل هؤلاء الجهاديين المزعومين لمدة عشر سنوات. وقال خيبر أن النهدي الآن عقيدا في الأجهزة الأمنية. في مايو عام 2014، وقال النهدي لـ "باز فيد" أنه كان قد عين مساعدا لمدير الأمن في مدينة المكلا الساحلية الجنوبية في الصيف الماضي.

في حين تستخدم الحكومة اليمنية الإغراءات لاكتساب ولاء بعض الجهاديين، فهي لا تتورع أيضا عن استخدام التهديدات. قال خيبر أن الحكومة استخدمت في كثير من الأحيان التدابير غير القانونية للتعامل مع المتهمين بعضوية القاعدة في الجزيرة العربية، وهناك الآلاف من هؤلاء المشتبه بهم محتجزين حاليا من دون تهمة. وقال ان السلطات كانت غالبا تعتقلهم دون مذكرات ثم تقيم بتعذيبهم، والتحفظ عليهم في معسكرات الجيش وفي قواعد عسكرية أخرى لعدة أشهر دون محاكمة. بالنسبة للبعض، وهذا جزء من مسار تقديمهم إلى حظيرة الحكومة.

قال خبير: "ليست هناك معلومات مفصلة عن تجنيد الإرهابيين المتهمين، ولكن يتم استخدامهم كمخبرين وليس دائما من أجل مصلحة الحكومة أو النظام السياسي، ولكن أحيانا لمصلحة القادة [السياسيين]."

ومثل سالم، المسؤول الأمني العدني الذين لقى ابنه حتفه في تفجير أكتوبر، يقبل كثير من اليمنيين التعامل المزدوج والمصلحة الذاتية الشائعة من قبل السلطات.

قال سالم: "استخدم السياسيون [القاعدة في الجزيرة العربية] كسلاح لإنهاء أجندات (معينة)."

هذا التواطؤ يجعله متشائما من أن تتحقق العدالة أبدا في مقتل ابنه. فهو يشك أن القتلة لن يدانوا حتى لو تم إلقاء القبض عليهم.

وقال: "اذا كنت أعرف أي من هوياتهم، وأنهم قتلوا ابني، كنت سأتبعهم."

___

المقابلات في هذه المقالة مقتبسة من كتاب "لا تخافوا من الرصاص: مراسلة حربية عرضية في اليمن، بقلم لورا كاسينوف.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب