لماذا يذكر المسؤولون الأمريكيون إسرائيل لتبرير التعذيب؟

مقال رأي

في وسط الجدل حول التقنيات الوحشية التي استخدمت للتحقيق مع المشتبه في انتمائهم للقاعدة، كانت أحد المبررات الرئيسية للمستشارين القانونيين الأمريكيين حول البرنامج: "النموذج الإسرائيلي"، والذي دفعوا بأنه أسس لمبدأ أن التعذيب جائز كحل أخير عندما يكون "ضروريًا لمنع وقوع ضرر مادي كبير" على المدنيين.

على السطح، تبدو إسرائيل كسابقة مفيدة لأولئك الذين يجادلون بأن ما يسمى برنامج الاستجواب المطور ليس خارج الإطار القانوني. إن إسرائيل تنفرد كديمقراطية تواجه كمًا هائلًا من الهجمات الإرهابية مع هيئة تشريعية وسلطة قضائية تدقق علنًا في شرعية "الضغط الجسدي المتوسط". ولكن النظرة الفاحصة تكشف أن إسرائيل ترفض نهائيًا منطق "القنبلة الموقوتة" تحديدًا، وهو المنطق الذي ما زال بعض المعلقين والمسؤولين السابقين الأمريكيين يستندون إليه في الدفاع عن تقنيات مثل الإيهام بالغرق.

بدأ بحث إسرائيل عن الذات حول الاستجوابات العنيفة وانتهى عن طريق محكمتها العليا. في عام 1987، نظرت المحكمة في طعن مقدم من الملازم السابق في جيش الدفاع الإسرائيلي عزت نفسو، وهو أحد أعضاء الأقلية الشركسية أدين بالخيانة لتقديمه معلومات إلى عميل فلسطيني مؤيد لسوريا في لبنان. ألغت المحكمة إدانته، وحكمت بأن جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي قد أكرهه على الاعتراف بإخضاعه لتكتيكات مؤذية جسديًا، شملت الحرمان من النوم لفترات طويلة والتعريض للبرد الشديد.

وكنتيجة لقضية نفسو، أنشأت إسرائيل لجنة خاصة برئاسة رئيس المحكمة العليا السابق موشيه لانداو للتحقيق في ما إذا كانت هذه الاستجوابات قانونية أم لا. ووجدت اللجنة، أنه عندما تكون حياة الناس في خطر وشيك، يعطي القانون الإسرائيلي للمحققين سلطة استخدام "الضغط الجسدي المتوسط" على الإرهابيين المشتبه بهم. وعلى وجه الخصوص، أقرت لجنة لانداو بصحة حجة "القنبلة الموقوتة"، ووجدت أن "التعذيب الفعلي .. ربما يكون مبررًا من أجل الكشف عن قنبلة على وشك الانفجار في مبنى مليء بالبشر .. سواء كانت الشحنة ستنفجر خلال خمس دقائق أو خمسة أيام".

ولكن هذا المعيار لم يدم طويلًا.

في عام 1999، حظرت المحكمة الإسرائيلية العليا جميع الاستجوابات القسرية، حتى مع تزايد الهجمات الإرهابية في نطاقها وشدتها. للوصول إلى هذا القرار، قيمت المحكمة خمسة أساليب للاستجواب: وضعين للضغط ( معروفين باسم وضع الشاباش وانحناء الضفدع)، تشديد الأصفاد للغاية، والهز العنيف، والحرمان من النوم. (حسب كل المصادر، لم يكن الإيهام بالغرق جزء من الجدال الإسرائيلي) لأن الاتفاقيات الدولية التي تعد إسرائيل طرفًا فيها تحظر بشكل لا لبس فيه التعذيب والمعاملة اللا إنسانية، ورأت المحكمة أنه "لا مجال لموازنة" حقوق الإنسان للمعتقلين مع مصلحة الأمن القومي.

وانتقلت المحكمة بعد ذلك لمشكلة القنبلة الموقوتة الافتراضية. هنا، رفضت المحكمة صراحة منطق لجنة لانداو، لأن تكتيكات مثل الأوضاع المجهدة والحرمان من النوم ممنوعة كمسألة قانونية، ولا يمكن السماح بها كمسألة سياسية. وعلى هذا النحو، لا يمكن للمحققين الإفلات من الملاحقة القضائية بدعوى أنهم يتصرفون بدافع الضرورة أو يتبعون الأوامر.

تركت المحكمة بالفعل الباب مفتوحًا أمام إمكانية إفلات المحققين من الإدانة في سيناريوهات القنبلة الموقوتة المنطقية عن طريق الدفاع عن أنفسهم أمام المحكمة. ومع ذلك، هل كان الاستجواب العنيف ضروري أم لا سيعتمد على وقائع محددة في القضية. ما مدى مصداقية الاستخبارات من أن قنبلة على وشك الانفجار أو أن الهجوم على وشك أن يحدث؟ ما مدى ضيق الإطار الزمني؟ ما مدى قسوة التكتيكات المستخدمة؟ هذا النوع من المعلومات يمكن أن يتم تقييمه بشكل غير متحيز فقط من خلال نظام عدالة جنائية يتمتع بالشفافية. في جوهر الأمر، نقلت المحكمة العبء على أكتاف المحققين، ما يعني أن استخدام الأساليب القسرية قد يؤدي إلى عقوبة السجن.

ولكن بعد أقل من ثلاث سنوات، بدا أن المستشارين القانونيين في الولايات المتحدة قد أساءوا فهم النموذج الإسرائيلي. في أغسطس 2002، أورد مكتب المستشار القانوني الأمريكي سيناريو القنبلة الموقوتة "لتبرير أساليب الاستجواب التي قد تنتهك" الحظر الجنائي ضد التعذيب. وبالفعل، صيغت مذكرة مكتب المستشار القانوني لتقديم غطاء لإجازة هذه التكتيكات. وفي اليوم نفسه، أصدر مكتب المستشار القانوني مذكرة أجاز فيها للمرة الأولى استخدام الإيهام بالغرق ضد أبو زبيدة، أحد المساعدين الرئيسيين لأسامة بن لادن.

ومن المؤكد أن وكالة الاستخبارات المركزية كانت تصارع عدو غامض ومرن. بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، كانت الاستخبارات تتدفق في اتجاه محاولة حصول تنظيم القاعدة على أسلحة دمار شامل؛ في أفغانستان وعلى سبيل المثال، عثر الجنود الأمريكيون على مختبر أسلحة بيولوجية متنقل، وخطط لنشر الجمرة الخبيثة باستخدام بالونات الطقس. ولكن منطق القنبلة الموقوتة امتد في أيدي محققي وكالة الاستخبارات المركزية لأبعد من نقطة الانهيار. على سبيل المثال، اعتمدت مذكرة مكتب المستشار القانوني على "يقين" وكالة الاستخبارات المركزية بأن أبو زبيدة يحجب بالتاكيد معلومات حول هجمات إرهابية وشيكة بسبب دوره القيادي في تنظيم القاعدة. ولكن تقرير مجلس الشيوخ وجد أن أساليب الاستجواب المطورة لم تنتج أي معلومات استخباراتية من أبو زبيدة. وفي الواقع، أكد وكيل مكتب التحقيقات الفيدرالي الذي كلف بالاستجواب الأولّي أن أبو زبيدة كان متعاونًا وقدم معلومات مفيدة للغاية قبل أن يتعرض للإيهام بالغرق.

لو التزم مستشارو وزارة العدل ووكالة المخابرات المركزية بالفعل بالنموذج الإسرائيلي، لكان من الممكن تجنب الفضائح التي وصفها تقرير مجلس الشيوخ مؤخرًا. ولكن نظرًا لعدم وجود إشراف قضائي، كان تجاوز وكالة الاستخبارات المركزية أمرًا لا مفر منه. بعد لي عنقه ومده إلى أقصى مدى منطقي، أصبح منطق القنبلة الموقوتة شعارًا للمحققين، يبرر أكثر الأساليب المتطرفة على الإطلاق. ووفقًا لتقرير مجلس الشيوخ الأخير، فقد تم تقييد المعتقلين من تنظيم القاعدة في "زنزانات في أقبية مظلمة" وتم إيهامهم بالغرق حتى الاقتراب من الغرق بالفعل، وحرموا من النوم لعدم أيام في أوضاع مجهدة أو في صناديق على شكل توابيت. ونتيجة لذلك، قام حتى بعض أشد المدافعين عن البرنامج بالاعتراف أنه قد ضل طريقه إلى حدود إجرامية. و سيكون من الجيد إذا ألقى أولئك الذين ما زالوا يدافعون عن برنامج الاستجواب الأمريكي نظرة أخرى فاحصة على النموذج الإسرائيلي. وبكلمات أهارون باراك رئيس المحكمة العليا الإسرائيلية آنذاك، فإن "المجتمع الديمقراطي المحب للحرية لا يقبل مبدأ أن المحققين قد يستخدمون أي وسيلة كانت بغرض كشف الحقيقة".

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب