ما التحديات التي تواجه المملكة البترولية السعودية؟

مقال رأي

مع كون الملك عبد الله في المستشفى وكبير جدًا في السن، بدأت سلسلة من التكهنات حول متى سيتولى ولي العهد الأمير سلمان (79 عاما) الحكم. وفي الوقت نفسه، تواجه المملكة عجزًا شديدًا في الميزانية بسبب الهبوط الحاد لسعر النفط. كل عدم الاستقرار هذا يحدث مع وجود خلفية من الاضطرابات الإقليمية الكبيرة. الملك عبد الله المريض يطل على المنطقة ويرى الحرب الأهلية في سوريا والاضطرابات الشعبية في البحرين واليمن، والانتخابات الديمقراطية في تونس، وصعود داعش في العراق وشرق سوريا. إنه قلق بشأن احتمال تحسن العلاقات بين الولايات المتحدة والعدو اللدود للرياض، إيران الشيعية. حدود المملكة ليست آمنة وهو نادرًا ما حدث في العقود الأخيرة.

الطريقة السعودية المعتادة في التعامل مع مثل هذه التهديدات هي إلقاء المال في وجهها، ولهذا السبب فإنه من المؤثر أن أسعار النفط قد بلغت أدنى مستوياتها خلال خمس سنوات هذا الشهر. عندما بدأت ثورات الشباب العربي في عام 2011، جاء رد فعل النظام السعودي بسرعة للتأكد من أنها لم تنتشر إلى المملكة. أداتها للثورة المضادة؟ الإنفاق على الرعاية الاجتماعية المحلية بعشرات المليارات. تم إضعاف تلك الأداة بسبب توقع عجز ميزانية هائل. المملكة العربية السعودية تضخ 9.7 مليون برميل يوميًا من نحو الـ 93 مليون برميل يوميًا المنتجة في العالم، ويفضلون المرور ببعض العجز عن خسارة حصة من السوق. ولكن الآثار المحلية المترتبة على سياسة التصدير هذه هي علامة استفهام.

في بعض النواحي، فإن جهود النظام السعودي ذاتها لجعل المنطقة آمنة للملكية المطلقة والتشدد الوهابي الأصولي قد ارتدت على آل سعود. ربما ليس صحيحا أن الرياض دعمت داعش مباشرة في أي وقت، لكنها دعمت المتمردين في سوريا، ومن المرجح العراق، والذين لا يختلفون كثيرا عنها في الأيديولوجية الدينية. اعتاد الأمراء السعوديين وضعًا داخليًا حيث الدين المتطرف المحافظ هو ركيزة لدعم الوضع الراهن والنظام الملكي. يبدو أنهم لا يدركون أن تزمتًا دينيًا مماثلًا، عندما يعاد تسويقه كـ "السلفية" في الجمهوريات السنية، لديه ميل للتحول إلى أشكال راديكالية وثورية، وحتى التحول إلى الإرهاب. مارتن لوثر، رغم كل شيء، لم يكن يقصد إثارة ثورات الفلاحين، وندد في نهاية المطاف بالثوار البروتستانتيين.

في سوريا، يدعم السعوديون ميليشيات قد خرجت من الجيش السوري الحر وأعلنت نفسها "الجبهة الإسلامية". من الصعب على الغرباء تمييزها من المتطرفين، مثل جبهة النصرة، التابعة لتنظيم القاعدة وداعش. الجبهة الإسلامية الآن ترفض الديمقراطية لصالح دولة يحكمها تفسيرهم القروسطي للقانون الإسلامي (الشريعة). في حين أن الجبهة الإسلامية قد حققت بعض النجاحات، فإنها قد عانت عدة انتكاسات على يد الأصوليين الآخرين، ولا يمكن أن يقال أنها القوة المتمردة الرائدة. في العام الماضي، فإن النظام الذي يحاول السعوديون الإطاحة به، نظام الرئيس السوري بشار الأسد، قد استعاد بعض الزخم في الحرب الأهلية، آخذًا مدينة حمص الرئيسية بشكل حاسم.

حتى عندما اقتصر وجود الجبهة الإسلامية المدعومة من السعودية إلى بضعة مناطق مطوقة، فإن منافستها، داعش، تتوسع أراضيها في سوريا واستولت على جزء كبير من العراق السنية العربية. هذا التوسع يضع "خلافة" ​​إبراهيم السامرائي (الذي يلقب نفسه بالخليفة أبو بكر البغدادي) على حدود المملكة العربية السعودية. لن تحب داعش شيء أكثر من التسلل إلى المملكة العربية السعودية والسيطرة على ثرواتها النفطية. ومن ثم فمما لا يحمد عقباه أن يوم الاثنين تمكن الانتحاريون من قتل الجنرال السعودي عودة البلوي، الذي كان مسؤولا عن الأمن على الحدود مع العراق.

يشعر السعوديون بالقلق أيضا أنه إذا هُزمت داعش، فإن ذلك سيكون على يد العراقيين الشيعة والمقاتلين الأكراد المدعومين من إيران، وأنه مع خضوع العرب السنة عسكريا، فإن البلاد ستصبح بشكل حاسم دائرة نفوذ إيرانية. في محاولة للاحتفاظ بالنفوذ، افتتح الملك السفارة السعودية في بغداد للمرة الأولى منذ 25 عامًا كما يضغط لعدم التضحية بمصالح السنة العراقيين لهزيمة داعش. في اليمن، كان السعوديون يخشون منذ فترة طويلة الشيعة الزيديين في الشمال، الذين سادت قبائلهم على طول الحدود السعودية. الجهود السعودية لتبشير اليمنيين وتحويلهم إلى السلفية السنية المتشددة، جاءت بنتائج عكسية عندما كون الزيديين المعتدلين دينيا جناحًا راديكاليًا بقيادة حسين الحوثي، تمرد على الحكومة القومية قبل عقد من الزمن. أضعفت الحكومة من قبل ثورة 2011، واعتبر الرئيس عبد ربه منصور هادي في أحسن التصورات شخصية انتقالية للانتخابات الديمقراطية .في الخريف الماضي، استولى رجال القبائل الزيدية على العاصمة صنعاء، وأخضعوا الحكومة لهم، ووسعوا انتشارهم إلى المراكز السكانية السنية الرئيسية. السعوديون، منزعجين من شجب الحوثيين للرياض والوهابية، هددوا بقطع المساعدات عن اليمن (واحدة من الأشياء القليلة التي تحافظ على الحكومة واقفة على قدميها). تنظر السعودية إلى أبناء الطائفة الزيدية كودودين تجاه إيران الشيعية، وتقلق الرياض لأن بلد مجاور جائع من 24 مليون نسمة قد وقع في يد نقاد شديدين لها.

ونتيجة للاحتجاجات في البحرين منذ عام 2011، أرسل السعوديون قوات لدعم النظام الملكي السني. وكانت الغالبية العظمى من المحتجين من الأغلبية الشيعية في البلاد، على الرغم من انضمام بعض الإصلاحيين السنة. عارضهم البلاط الملكي السني، على الرغم من أن بعض الشركات الشيعية الغنية في العاصمة عارض الاضطراب أيضًا. معظم الشيعة في البحرين لا يؤمنون بآيات الله الإيرانيين ويتبعون نهجًا حرفيًا في قراءة النصوص المقدسة، وبالتالي فهم ليسوا دمي إيران كما تتهمهم الملكية. رفض الحكومة السماح بإجراء انتخابات برلمانية نزيهة وتمثيلية (خوفا من فوز الأغلبية الشيعية) قاد الحزب الشيعي الرئيسي، الوفاق، إلى مقاطعة انتخابات نوفمبر الماضي. في 28 ديسمبر، اعتقل النظام الملكي زعيم الوفاق، علي سلمان، مما أدى إلى اضطرابات اجتماعية جعلت وزارة الخارجية الأمريكية تعرب عن قلقها. البحرين هي مقر الأسطول الخامس الأمريكي، والذي يضمن أن البترول الخليج العربي يتم تصديره بحرية. المشاكل في البحرين هي مشاكل للمملكة العربية السعودية أيضًا، بالنظر الى سكانها الشيعة الغاضبين في المنطقة الشرقية.

لم ينجح السعوديين في أي من مبادراتهم الإقليمية باستثناء ربما تعاونهم مع الضباط المصريين في قمع اندلاع الحركات والمُثل الديمقراطية في ذلك البلد. ولكن، حتى في مصر، اعترف الرئيس عبد الفتاح السيسي أن أحدًا لا يستطيع قيادة البلاد أكثر من ذلك دون الفوز بتفويض شعبي في صناديق الاقتراع. هذا المفهوم الأعلى، السيادة الشعبية، هو ما حاول السعوديون هزيمته. وبالتالي فإن التحول التونسي الناجح نسبيا إلى الديمقراطية يمثل تحديا قويا لتفضيلها للاستبداد النخبوي في المنطقة. بالإضافة إلى ذلك، لا تذهب سوريا واليمن والعراق والبحرين في الطريق الذي تفضله الرياض.

ستتقلص الثروة البترولية السعودية لمدة سنة على الأقل، والتحول إلى الطاقة الخضراء يضع القوة الجيوسياسية طويلة المدى للمملكة في خطر. إذا نجحت إيران بالفعل في إبرام مفاوضات ناجحة مع حكومة أوباما واكتساب المزيد من الشرعية في الشرق الأوسط، فإن تحديها القوي لسيادة السعودية سيستمر. وجود لبنان وسوريا والعراق متحالفين مع إيران الشيعية وانتصار صيغة نظام جمهوري ثوري، من شأنه أن يمثل إزعاج دائم للحكم السعودي المطلق. عندما يأتي إلى السلطة، سيحكم ولي العهد الأمير سلمان في عصر مثير للاهتمام.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب