محمود عباس في مواجهة محمد دحلان

مقال رأي

تظاهر الآلاف في شوارع غزة يوم الخميس الماضي لدعم محمد دحلان، المنافس منذ زمن طويل لرئيس السلطة الوطنية الفلسطينية محمود عباس، والذي يعيش في دولة الإمارات العربية المتحدة منذ أجبره عباس على الرحيل في عام 2011. وانتقد المحتجون عباس الذي اتهموه بالفساد والاستبداد وحتى الخيانة، بينما كانوا يهتفون في نفس الوقت للزعيم السابق المنفي.

تمثل حالة دحلان رمزًا لحيازة عباس للرئاسة.

خلافًا للزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، الذي أعد القادة الشباب عن طريق ضم المبتدئين الطموحين بدهاء، فقد حافظ عباس، المحاط بالمشاكل باستمرار، على قبضته الواهية على السلطة فقط عن طريق طرد كل المنافسين المحتملين.

هذا هو ما حدث لسلام فياض، رئيس الوزراء السابق في السلطة الفلسطينية الذي استقال من منصبه في عام 2013. وكان فياض المهندس الرئيسي لبرنامج تحديث طموح للضفة الغربية - والذي يعتمد على الإصلاح والشفافية- والذي كان جذابًا للغاية للجهات الدولية المانحة. ورغم ذلك تم عرقلة برنامج فياض الواعد، عندما بدأ عباس في تكثيف حملة انضمام الفلسطينيين إلى الأمم المتحدة في عام 2011، والذي أثار غضب المانحين الأجانب (وأبرزهم الولايات المتحدة التي تتبرع بنحو 370 مليون دولار سنويًا للسلطة الفلسطينية). وبحلول عام 2013، وصلت العلاقات بين عباس المنتمي لحركة فتح وفياض المستقل سياسيًا إلى خلاف غير مسبوق، واستقال فياض.

لدى عباس أيضًا عداء قديم مع ياسر عبد ربه، الأمين العام للجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية. جاء عدائهما في البداية نتيجة خلافات حول حملة الفلسطينيين من جانب واحد للحصول على عضوية الأمم المتحدة. عندما لوّح عباس في البداية بفكرة الذهاب لمجلس الأمن في عام 2011، ظهرت تقارير تفيد بأن عبد ربه يحاول تقويض عباس وتأليب الرأي العام ضد محاولته في الأمم المتحدة. وانتقامًا من تحديه، قام عباس بإقالة عبد ربه من منصبه كمشرف عام على الإعلام الرسمي الفلسطيني في عام 2012. وحافظ عبد ربه على منصبه كأمين عام اللجنة التنفيذية.

ومن ثم، تحدى عبد ربه عباس في كل قضية تقريبًا: فهو يهاجم بشراسة حملة الأمم المتحدة، ورفض المفاوضات مع إسرائيل باعتبارها عديمة الجدوى كما هدد بإنهاء التعاون الأمني مع إسرائيل. وردًا على ذلك، يبدو أن عباس يعد للإطاحة بعبد ربه للأبد. وبالفعل، أخرج عباس عبد ربه من أي دور متعلق بالمخصصات المالية لمنظمة التحرير الفلسطينية. وهناك أيضًا تقارير تفيد بأن هذه ليست سوى البداية وأن عباس يعتزم الإطاحة بعبد ربه نهائيًا من اللجنة التنفيذية إما بإقالته أو عن طريق الدفع باتهامات فساد ضده.
وتلك الطريقة الأخيرة تناسب السيناريو الذي استخدمه عباس للإطاحة بدحلان في 2011. والذي تمت ترقيته بمجرد صعود نجمه داخل حركة فتح من جانب ياسر عرفات، ليترأس أجهزة الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية في غزة في التسعينات.

وكانت هذه النقطة هي التي بدأ عندها التوتر لأول مرة بين عباس ودحلان. عباس الذي كان وقتها مسؤولًا كبيرًا في منظمة التحرير الفلسطينية، يعتقد أن منصب دحلان لا يناسبه نظرًا لسنه الصغيرة (دحلان يبلغ من العمر اليوم ثلاثة وخمسين عامًا وعباس تسعة وسبعين عامًا). كقائد شاب في غزة، مثل دحلان كادرًا ناشئًا من القادة الذين كان ينظر لهم بازدراء من قِبل العديد من كبار الشخصيات في منظمة التحرير الفلسطينية ممن اكتسبوا خبراتهم حين كانت المنظمة في المنفى في الأردن ثم لبنان ثم تونس. رغم العداء تجاهم من جانب المسئولين الكبار مثل عباس، فإن عرفات عمل على ضم ذلك الجيل الجديد من القادة.

عندما خلف عباس عرفات في عام 2005، احتفظ بدحلان كمستشار له، على الرغم من شكه من أن دحلانيشكل تهديدًا. وفي السنوات التي تلت ذلك، استمر دحلان في التقدم داخل القيادة الفلسطينية، وفاز بمقعد في المجلس التشريعي الفلسطيني في عام 2006. ومع ذلك، جاء سقوطه السريع في العام التالي بعد الحرب المستعرة القصيرة بين حركتي فتح وحماس من أجل السيطرة على قطاع غزة. وقيل إن دحلان كان يتلقى العلاج الطبي في الخارج عندما شنت حماس هجومها. ومع ذلك، كان ينظر إليه بأنه المسؤول عن فقدان السيطرة على القطاع في أقل من أسبوع. وفي وقت لاحق، هاجم عباس دحلان علنًا، معلقًا مسؤولية فقدان غزة حول رقبته. ورد دحلان بقوة، مهاجمًا عباس لفشله في إصلاح السلطة الفلسطينية.

وبحلول عام 2011، وجه عباس اتهامات بالفساد والاختلاس إلى دحلان وجرّده من منصبه البرلماني. وفي وقت سابق من هذا العام، حكمت محكمة فلسطينية على دحلان بالسجن سنتين بتهمة التشهير. وقبل ذلك بوقت طويل، في عام 2011، هرب دحلان من الأراضي الفلسطينية إلى الإمارات العربية المتحدة. وبقي هناك منذ ذلك الحين، يخطط للانتقام.
وبدا ذلك وشيكًا. فقد ظهر تقرير في ديسمبر يفيد بأن فياض وعبد ربه قد التقيا دحلان في الإمارات. وعلى الرغم من نفي جميع الأطراف التقرير، حتى أن عبد ربه هدد بمقاضاة الصحفي الذي كتب التقرير، فإنه من الواضح أن العديد من المنافسين لعباس يرون دحلان كمنافس مشروع للرئيس الحالي.

ويبدو أن دحلان أيضًا قد حصل على بعض الدعم بين الفلسطينيين العاديين. في الواقع، لم تكن المظاهرة التي جرت الأسبوع الماضي هي المرة الأولى التي ينزل فيها أنصار دحلان إلى الشارع. عندما خرج الآلاف من أنصار عباس في مسيرة سابقة في غزة في أوائل عام 2013، في الذكرى السنوية لفتح، عطلتهم حشود من أنصار دحلان.

وجاءت المظاهرة الأخيرة مع بدء محاكمة دحلان بتهم الفساد. وكانت المحاكمة التي تأجلت إلى نهاية الشهر، مسألة خلافية في الأوساط القيادية الفلسطينية، مع تجدد الجدل بشكل منتظم في اجتماعات القيادة حول قرار عباس بنفي دحلان.

ورد عباس على المسيرة المؤيدة لدحلان بنفس الطريقة التي واجه بها الاتهامات في الماضي: أمر السلطة الفلسطينية بفصل العديد من موظفي فتح الذين شاركوا في المظاهرة، واتهم حركة حماس المنافسة بدفع الأموال للمتظاهرين للنزول إلى الشوارع. ومن جانبه، هلل دحلان للمسيرات من صفحته على فيسبوك داعيًا إلى "عهد جديد ضد عباس".

أما حماس، خصم عباس الأبدي، فإن لديهم مشاعر مختلطة تجاه دحلان، من جهة، يصر قادة مثل موسى أبو مرزوق أنهم لا ينحازون إلى المنافس الرئيسي لعباس. ومع ذلك، فقد ذكر مسؤولون آخرون أن "ماضي دحلان أفضل من مستقبل عباس"، مشيرين بمشاعر متناقضة إلى دور دحلان كمخطط لحملة السلطة الفلسطينية على حماس عندما كان دحلان مسؤولًا عن غزة.
وفي النهاية، إن أكثر ما قد يجذب حماس إلى دحلان هو نفوذه في غزة. ترفض الحركة الإسلامية العمل مع عباس، على الرغم من توقيع اتفاق المصالحة معه. وقد ترك ذلك عباس في موقف أضعف، وبخاصة في الوقت الذي يبحث فيه المجتمع الدولي عن طرق لإعادة إعمار غزة. يضع دحلان نفسه بوضوح كشخص على أهبة الاستعداد للتعاون.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب