مناورة الرياض النفطية: لماذا تحافظ السعودية على انخفاض أسعار​ النفط؟

مقال رأي

 

يوم الاثنين، قتل جنرال سعودي واثنين من حرس الحدود في تبادل لإطلاق النار على طول الحدود العراقية السعودية مع مقاتلين يعتقد أنهم أعضاء في تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش). الهجوم - الأول ضد المملكة العربية السعودية منذ انضمامها إلى التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة ضد داعش- جاء وسط حالة من عدم اليقين في الداخل والخارج على حد سواء، حول الأسئلة المحيطة بصحة الملك عبد الله البالغ 90 عاما من العمر، وهو في المستشفى يصارع الالتهاب الرئوي، وحول السعر العالمي للنفط.

انخفضت أسعار النفط مؤخرا إلى أقل من 50 دولارًا للبرميل للمرة الأولى منذ مايو 2009. وعزا مراقبون هذا التراجع إلى كل من زيادة في العرض، ناجمة عن ثورة البترول الصخري في الولايات المتحدة، وانخفاض في الطلب، وذلك بسبب تباطؤ النمو العالمي. توجهت كل العيون إلى المملكة، والتي تضم ما يقرب من 73 بالمائة من الاحتياطيات المؤكدة للنفط في العالم، لتخفض إنتاجها وتساعد على استقرار الأسعار. لكن الرياض رفضت اللعب معهم، وابتعدت عن تفضيلها المعتاد للأسعار المرتفعة، من أجل مواصلة الضخ (الحفاظ على مستويات الانتاج).

وعلى الرغم من حيرة بعض المحللين من تحول الاستراتيجية السعودية، فقد يكون المنطق الاقتصادي الخالص وراء سلوك القيادة السعودية: بينما يكافح منافسيها للحفاظ على استمرار الانتاج، فالرياض من المرجح أنها تتطلع إلى زيادة حصتها في السوق العالمي في محاولة لتجنب الأخطاء التي ارتكبتها أثناء تقلبات أسعار النفط العنيفة السابقة. إن إبقاء الأسعار في حدود 50-60 دولارًا لمدة عام أو اثنين سيكون له تداعيات كبرى. لقد انخفض الاستثمار في قطاع النفط والغاز في الولايات المتحدة بنسبة 37 في المائة العام الماضي ويمكن أن ينخفض أكثر من ذلك، وكذلك في أماكن أخرى. يمكن لغاز أرخص أيضا أن يزيد الاستهلاك ويجعل المركبات الأكثر كفاءة في استخدام الطاقة، وكذلك الرياح والطاقة الشمسية والطاقة النووية، أقل من حيث التكلفة التنافسية. الحد من المنافسة العالمية الآن، إذًا، قد يمهد الطريق لارتفاع الأسعار الحاد في المستقبل.

ومع ذلك، فإنه من الصعب أن نعتقد أن السعوديين لم يفكروا في التداعيات الجيوسياسية لمناورتهم الجريئة. انخفاض أسعار النفط سيعني انخفاض الإيرادات النفطية للدول التي تعتمد على النفط، اثنان منها - إيران وروسيا- هما منافسان منذ قديم الزمن. إذا كان انخفاض الأسعار سيزعزع سياسيًا استقرار الحكومات في طهران وموسكو، فالرياض بالتأكيد لن تحزن لذلك. ما هو أكثر من ذلك، أن النفط الأرخص يمكن أن يضع المزيد من الضغوط على إيران من أجل التوصل إلى اتفاق نووي وعلى روسيا للتراجع عن عملياتها في أوكرانيا.

ولكن في نهاية المطاف، فإن الدوافع وراء الاستراتيجية النفطية الجديدة في المملكة أقل أهمية من نتائجها المحتملة، وبعضها قد يكون سلبيا جدا.

على الرغم من قوة التسعير الكبيرة لدى المملكة العربية السعودية، فإنتاج النفط والغاز في الولايات المتحدة ربما يتباطأ لفترة ولكن سيعود لمستواه في النهاية. ستختلف الآثار من مكان إلى آخر؛ فقط بعض حقول الصخر الزيتي في الولايات المتحدة ما زالت قادرة على تحقيق الربح بينما سعر النفط في حدود 50-60 دولار. سيظل النفط الصخري الأمريكي يستفيد من ميزة كونه خام "حلو"، وهذا يعني أنه أسهل في تنقيته وتخزينه من خام السعودية "المر". ومع كون الالتزام السعودي بتحقيق التوازن بين الأسعار محل شكك، فيمكن لمنتجي النفط الصخري أن يحلوا محل السعوديين كـ "المنتجين المتحكمين" للعالم، القادرين على معالجة عدم التطابق بين العرض والطلب.

إحداث الضغط على طهران وموسكو لا يؤدي بالضرورة إلى تنازلات أو سلوك تعاوني. قد يكون له حتى تأثيرًا معاكسًا. إيران يمكن أن تضاعف دعمها للرئيس السوري بشار الأسد وجهودها الرامية إلى توسيع نفوذ الشيعة في البحر الأبيض المتوسط ​​وشبه الجزيرة العربية. ويمكن للرئيس الروسي فلاديمير بوتين جني الدعم الوطني من خلال إلقاء اللوم في انهيار اقتصاد روسيا على وجود مؤامرة بين الولايات المتحدة والسعودية لإسقاط نظامه. حتى الآن، على الرغم من الانخفاض الحاد في قيمة الروبل الروسي، هناك القليل من المؤشرات على أن بوتين مستعد لسحب قواته ومعداته من شرق أوكرانيا.

أكبر الأخطار المرتبطة باستراتيجية الرياض للنفط هو خطر محلي. خسارة 89 مليار دولار من الإيرادات في عام 2015، على افتراض أن سعر النفط سيحوم حول 55 دولارًا للبرميل، لن يؤدي إلى ثورة اجتماعية. لكن التخفيضات الحادة في الانفاق على الرعاية الاجتماعية والرواتب لموظفي الحكومة، والتي تمثل 50 في المائة من الإنفاق في الميزانية، قد يكون لها عواقب لا يمكن التنبؤ بها. في الواقع، يمكن لزيادة في البطالة أن تقوض الاستقرار في المملكة في وقت أقرب بكثير مما يتوقعه قادتها. أضف إلى ذلك التحريض من قبل إيران الانتقامية وسط المنطقة الشرقية بالسعودية، ذات الأغلبية الشيعية والغنية بالنفط، وستتضاعف المخاوف السعودية. مع ذلك، فالمسؤولون السعوديين قد أخبروا الدبلوماسيين ومحللي الصناعة سرًا أن لديهم ما يكفي من احتياطيات العملات الأجنبية، نحو 750 مليار دولار، لمواجهة أي عاصفة مالية قصيرة الأجل، ومنع حدوث تخفيضات كبيرة في الميزانية.

الحكومات عادة ما تقوم بالرهانات الكبيرة عندما تكون واثقة بشكل مفرط أو قلقة بشكل متزايد. لا تعكس استراتيجية النفط السعودية الثقة. مع صحة الملك عبد الله الواهية، ومنافسات الخلافة المحتملة، والضغوط الداخلية من أجل التغيير، والصراع في اليمن المجاورة، والتحديات الكثيرة التي تطرحها داعش، قد تواجه الرياض أكثر مما راهنت عليه. لقد اختارت وقتًا غريبًا - وقت التوتر والفوضى وعدم اليقين- لإطلاق أجرأ مبادراتها في الجيوسياسية للنفط منذ صفقة النفط مقابل الأمن مع الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت في عام 1945.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب