من سيكسب الانتخابات الإسرائيلية في ٢٠١٥؟ الجيش، مثلما يحدث دائمًا

مقال رأي

هناك شيء واحد يمكن قوله عن انتخابات عام 2015: إنها ليست مملة بالتأكيد. ومع فضيحة الفساد الضخمة التي تعصف بـ"أفيغدور ليبرمان" وحزب إسرائيل بيتنا، وتفكك شاس السريع، وصعود نفتالي بينيت المفاجئيء وحزبه البيت اليهودي، والتحالف المزدهر بين يتسحاق هرتسوغ من حزب العمل وحزب هاتنوا وزعيمته تسيبي ليفني، وانتشار الإعلانات السياسية السخيفة، فإن مستوى الزخم في تزايد.

قبل أكثر من شهرين على الانتخابات، تبدو الخريطة السياسية في إسرائيل على وشك تحول جذري. إلا أنه من السيء أن الفائز قد تم إقراره بالفعل.

على مدى الستين عامًا الماضية، كان هناك فائز ثابت واحد فقط في السياسة الإسرائيلية. وفي الانتخابات المقبلة أيضًا، سيكون الفائز بلا منازع هو: من يحصل على كرسي رئيس الوزراء بعد انتخابات 17 مارس، سواء كان ذلك هرتسوغ، أو بينيت أو (على الأرجح) بنيامين نتنياهو المكتئب إلى حد ما، سيقسم الولاء له – مثلما فعل السياسيين الإسرائيليين من اليسار واليمين على مدى عقود.

نحن نتحدث، بالطبع، عن المؤسسة الدفاعية الإسرائيل المتنامية منذ الأبد.

تكلفة الحرب

بينما يزداد الفقر في إسرائيل وتستمر تكلفة المعيشة في الارتفاع، يبدو أن ميزانية الدفاع في تزايد يومًا بعد يوم - على حساب التعليم والرعاية الاجتماعية.

في أغسطس الماضي، بعد عملية الجرف الصامد في غزة، وافقت الحكومة على تخفيض 2 في المئة من ميزانية جميع الوزارات من أجل زيادة ميزانية الدفاع. في الواقع، خلال الشهرين الماضيين فقط، ارتفعت ميزانية الدفاع في إسرائيل لعام 2014 بأكثر من 13 مليار شيكل  (3.3 مليار دولار)، من المبلغ السابق 57 مليار شيكل - الذي شكل رقما قياسيًا-  إلى المبلغ المذهل 70.5 مليار شيكل.

إلا أنها في الواقع ستكون أكبر من ذلك بكثير.

نتيجة لسلسلة من قرارات الكنيست السريعة – كان آخرهاالأسبوع الماضي وقد رفع ميزانية الدفاع مليار آخر - فإن بعض تلك الزيادات ترتبط مباشرة بالنفقات التي تكبدتها خلال القتال في الصيف الماضي في غزة. ولكن الكثير منها لا علاقة له بالحرب على الإطلاق. على سبيل المثال، تنفق مئات الملايين من الشيكلات لنقل القواعد العسكرية للجيش الإسرائيلي إلى النقب وعلى توحيد المجندين المتشددين.

وتجدر الإشارة إلى أن ميزانية وزارة الدفاع الإسرائيلية، محاطة بالسرية. لذلك من الصعب، تقدير حجمها وكيفية إنفاق المال بالضبط. إلا أنها لا تكاد أبدا تبقى داخل حدودها الأصلية. في الواقع، فإنها عادة ما تكون أكبر بكثير من الميزانية الأصلية، وذلك بفضل احتياطات الميزانية التي تتدفق بانتظام من وزارات أخرى.

لا تذكر ميزانية الدفاع

وفقًا لدراسة حديثة أجراها مركز البحوث والمعلومات التابع للكنيست، بين عامي 2009 و2013 تلقت ميزانية الدفاع في إسرائيل 1.9 إلى 4.6 مليار شيكل كإضافات غير مخطط لها كل عام، فضلًا عن الزيادات المدرجة في الميزانيات الأصلية. ويتيح هذا - بالإضافة إلى الضمانات الحكومية التي تهدف إلى التأكد من أن نظام الدفاع في إسرائيل لا يفتقر أبدًا إلى الأموال - لوزارة الدفاع مرونة لا تصدق، وهي ميزة لا تتمتع بها الوزارات الأخرى.

وتصاحب تلك المرونة ثمن اجتماعي ضخم. فمن المفترض أن تذهب العديد من هذه الأموال الإضافية لمشاريع أخرى. على سبيل المثال، تأتي إضافات هذا العام لوزارة الدفاع من الميزانيات التي كانت مخصصة أصلًا للمشاريع الاجتماعية والمدنية مثل بناء الطرق السريعة، والنقل العام وإعانات رعاية الأطفال.

في السنوات الأخيرة، مع التحول الجذري في الخطاب السياسي الإسرائيلي تجاه القضايا الاجتماعية والاقتصادية، تصاعد التوتر بين الإنفاق على الدفاع وتطلعات المجتمع ليصبح نوعًا من الصراع على روح إسرائيل: هل تستطيع إسرائيل أن تكون دولة حقيقية، حيث تكون المخاوف الأمنية متوازنة أمام التعليم والرفاهية والصحة، أم أنها محكوم عليها بالبقاء جيشًا له دولة؟

على عكس الانتخابات السابقة في عام 2013، من الصعب على المرء أن يجد هذه الأيام سياسيين إسرائيليين يتجرأون على الدعوة إلى خفض ميزانية الدفاع. لا هرتسوغ، ولا موشيه كاهلون الذي  نصب نفسه محاربًا اجتماعيًا - وبالتأكيد ليس نتنياهو - سيتحدثون عن تخفيض ميزانية الدفاع. بعد الحرب، يعد ذلك الحديث بمثابة انتحار سياسي.

وحتى مايو الماضي، ما زالت المشاحنات جارية في المعركة على ميزانية الدفاع في إسرائيل. ألغى وزير الدفاع موشيه يعلون ورئيس أركان الجيش الإسرائيلي الجنرال بيني جانتز تدريبات قيادة الجبهة الداخلية السنوية، زاعمين أن ذلك بسبب نقص الأموال، وطالما حذر الجنرالات أن أي خفض في ميزانية الدفاع يضر بأمن إسرائيل.

ثم وقعت الحرب. تنحت المشاكل الاجتماعية في إسرائيل مرة أخرى حتى تأخذ احتياجات الجيش المقدمة. عندما حذر الجنرالات من نقص الميزانية، جرت تهدئتهم على الفور. أعلن نتنياهو في شهر أغسطس أن "الأمن يأتي قبل كل شيء"، واعدًا بإصلاح أي نقص قد يظهر في نظام الدفاع.

جيش لديه الملايين ولكن دون بطانيات

سيدفعك التصور العام وتصريحات جنرالات إسرائيل الغاضبة أن تعتقد أن ميزانية الدفاع في إسرائيل عانت تخفيضات جذرية ومعيقة في السنوات الأخيرة. إلا أنه في الواقع لم يجر تخفيضها على الإطلاق. وفقًا لمركز البحوث والمعلومات التابع للكنيست، نمت ميزانية الدفاع بنسبة 25 في المئة في المتوسط بشكل سنوي بين عامي 2009 و 2013، وذلك بفضل إضافات الميزانية التي تحدث في منتصف العام.

ولكن حتى مع هذه الزيادات في الميزانية، ما يزال الجيش الاسرائيلي في حالة يرثى لها. انتقد مراقب الدولة يوسف شابيرا استعداد احتياطي الجيش الإسرائيلي هذا الأسبوع، قائلًا إن القوات البرية لا تتلقى تدريبًا كافيًا، والبعض قد لا يكون قادرًا على العمل في زمن الحرب.

لكن على الرغم من الميزانيات المتضخمة، ما تزال أقسام الجيش تطلب الملايين من الشيكلات سنويًا من المحسنين. يعتمد العديد من الجنود على عطف المحسنين من القطاع الخاص، كما يسافر المسؤولون العسكريون إلى الخارج لإقناع يهود الشتات الصهيوني طيبي القلب بالتبرع بالأموال لشراء بطانيات ومعاطف للقوات.

هذه هي عبثية ميزانية الدفاع في إسرائيل. من ناحية، فإنها تعتمد على التبرعات الخاصة وتعاني باستمرار من نقص المالية. ومن الناحية أخرى، هي أكبر منتج لأصحاب الملايين في إسرائيل: وفقًا لتقرير صحيفة هآرتس عام 2013، معظم ضباط الجيش الإسرائيلي يتقاعدون (عادة في عمر يتراوح بين 40-50 عامًا) ويتلقون معاشات بقيمة 4 ملايين شيكل على الأقل – أي خمسة إلى 10 أضعاف المعاش الإسرائيلي العادي.

أكثر من نصف ميزانية الدفاع الاسرائيلي مكرس للأجور والمعاشات والمنافع. وليس للتهديد النووي الايراني، ولا لحماس، ولا للدولة الإسلامية. نمت التزامات المعاشات التقاعدية في نظام الدفاع الاسرائيلي من 20 مليار شيكل في 1991 إلى 258 مليار شيكل في عام 2011. ومنذ ذلك الحين، تابعت النمو.

وهذا يؤدي إلى نتيجتين: الأولى، رغم أن إنفاق إسرائيل على الدفاع يتابع النمو بوتيرة مقلقة، فالجيش ما يزال يعاني نقصًا في التمويل والتدريب الكافي. الثانية، أن هذا الوضع قد أدى إلى خلق شبكة واسعة من أفراد الأمن السابقين والحاليين وهي مجموعة لها مصالح خاصة تحافظ على مستوى كبير من التأثير على السياسة والمجتمع والاقتصاد، وهي المجموعة التي كان لها دورًا حاسمًا على مر السنين في التقليل من أهمية المشاكل الاجتماعية في إسرائيل.

كان لهذه المجموعة تأثير هائل على السياسة والعلاقات الخارجية، وفقًا لكتاب "شبكات الأمن الإسرائيلي: منظور نظري ومقارن" (2013)، للباحثين جابرييل شيفر وأورين باراك. عقيدتها: تفوق الدفاع على كل هدف اجتماعي آخر. أعضائها البارزين: رؤساء وزراء، ورؤساء الأركان، ووزراء وأعضاء كنيست. شأنها: دولة إسرائيل دائمًا على شفا تهديد وشيك.

وهذا هو أحد الأسباب الرئيسية التي تمنع أي سياسي من أن يجرؤ ويمس قضية ميزانية الدفاع. والسبب الآخر هو أن القتال مع هؤلاء الذين يعملون في القتال أمر مقدور عليه، ولكن خلال الانتخابات والحرب التالية، ليس هناك سياسيًا إسرائيليًا يريد أن يكون مستهدفًا من قِبل الجنرالات الذين يتهمونه بأنه أهمل أمن إسرائيل. وهكذا، فإن وضع إسرائيل الأمني غير المستقر بشكل دائم هو ما يعمل على تغذية نخبتها الأقوى، مما يغذي ميزانية الدفاع الإسرائيلة الهائلة.

هناك أمر ثابت في السياسة الإسرائيلية: قد يصعد السياسيون أويهبطوا، ولكن جهاز الأمن الإسرائيلي سينمو دائمًا.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب