من يربح السيطرة على منطقة الشرق الأوسط؟

مقال رأي

منذ منتصف القرن العشرين، شهدت منطقة الشرق الأوسط ظهور وخفوت قوى إقليمية مهيمنة. فكانت الستينيات والسعينيات هما عصر مصر: كانت القاهرة عاصمة العالم العربي ومكان زعيمها ذي الكاريزما الذي يمثل حقبة ما بعد الاستعمار، جمال عبد الناصر. لكن انتصار إسرائيل على مصر، والأردن، وسوريا في حرب عام 1967؛ ووفاة عبد الناصر، في عام 1970، وارتفاع أسعار النفط بعد حرب عام 1973 وصلت بتلك الحقبة إلى نهايتها. وبينما غادر الملايين من المصريين وغيرهم من العرب بلادهم إلى منطقة الخليج الغنية بالنفط، ذهبت معهم جاذبية السياسة العربية. كلما ارتفعت الثروات في منطقة الخليج، خاصة في المملكة العربية السعودية، كلما زاد أيضا النفوذ السياسي في الرياض. إلا أن غزو الرئيس العراقي صدام حسين للكويت في عام 1990، والحرب اللاحقة التي قادتها الولايات المتحدة والتي انطلقت من الأراضي السعودية، أوضح أن النفط يمكنه شراء الكثير من النفوذ لدول الخليج، بما في ذلك المملكة العربية السعودية، لكنها لا تزال بحاجة للحماية الأمريكية.

بعد حرب الخليج، في النصف الأول من التسعينيات، أدى اتفاق أوسلو بين الإسرائيليين والفلسطينيين ومعاهدة السلام الإسرائيلية الأردنية، تحت رعية رئيس الوزراء اسحق رابين، إلى ارتفاع شأن إسرائيل في الشرق الأوسط. وصل التعاون الاقتصادي الإقليمي إلى الصدارة، منحيا سياسة العقود الأربعة السابقة جانبا مع التفاؤل بالسلام والتكامل. ولكن مع اغتيال رابين في عام 1995 تبددت فجأة تلك الآمال. تعثرت عملية السلام قبل نهاية العقد الحالي، وذلك مع تولي اليمين الجديد في السياسة الإسرائيلية السلطة، والذي لا يكاد يبغى أي تقرب من جيرانه.

ثم كان هناك فراغ؛ لم يشهد العقد الأول بعد عام 2000 ارتفاع نفوذ أي دولة. لم تكن لدى أي دولة عربية السلطة، أوالموارد، أو المصداقية التي تمكنها من فرض نفسها في جميع أنحاء المنطقة. انتشرت الطائفية، التي يغذيها الاحتلال الأمريكي للعراق والذي تلته حرب أهلية. وشهدت الجمهوريات العربية، مثل مصر وسوريا، وتونس، مستويات مروعة من الفساد الذي أدى إلى تآكل الأساس الذي بنيت عليه في الخمسينيات: أي المساواة الاجتماعية وتقبل الطبقات الوسطى الدنيا للأنظمة الحاكمة. في الخليج، سعت الأسر الحاكمة إلى تحويل بلدانها الصحراوية إلى مدن متألقة، على غرار هونغ كونغ وسنغافورة، وناؤوا بأنفسهم من مشاكل جيرانهم العرب الآخرين. في حين أنه في العقود السابقة كان المشهد الاستراتيجي في المنطقة يعتمد على صعود بلد واحدة، بحلول عام 2011، حيث شهدت المنطقة الكثير من التخبط والفشل في وضع المشاريع الوطنية أو الإقليمية السياسية الجادة، يبدو أن اللاعبين المهيمنين في الشرق الأوسط قد أصبحوا فاعلين اقتصاديين، سواء من الشركات المتعددة الجنسيات أو المصالح المالية الإقليمية.

هزت الانتفاضات العربية في السنوات الثلاث الماضية ميزان القوى مرة أخرى، حيث أسقطت ثلاثة من الجمهوريات العربية، وهي مصر، وليبيا، وتونس، مما هدد الأنظمة الملكية العربية في الخليج، وأحاط إسرائيل بالفوضى. في حين أن معظم المراقبين يقيمون الانتفاضات من حيث التغيرات السياسية التي أحدثتها - أو لم تحدثها - فهناك قوى أخرى تلعب دورا. لقد خرج صراع أكبر على السلطة من رماد الثورة والقمع والحرب من تونس إلى سوريا، والذي يعيد تشكيل المشهد الاستراتيجي برمته في الشرق الأوسط. ويتحول نتيجته المنطقة بأكملها أكثر من أي تنافس إقليمي أو من ارتفاع أو سقوط أي قوة مفردة في نصف القرن السابق.

تدورالمواجهة الناشئة هي حول طبيعة ومستقبل المجتمعات في المنطقة، من شمال افريقيا الى الخليج.

المواجهة

يقبع في قلب هذا التحول مجموعتان من البلدان والقوى السياسية لها أهداف متعارضة. الأولى، بقيادة القوات الإسلامية في إيران وقطر وتركيا، والجماعات السياسية الإسلامية العربية الكبرى مثل الإخوان المسلمين، وتهدف إلى توجيه طاقة الانتفاضات العربية نحو الأسلمة التدريجية في المنطقة. يختلف تعريف تلك الأسلمة باختلاف الأيديولوجيات والخلفيات، والظروف الاجتماعية والسياسية في كل بلد. ولكن هذا المعسكر يتشارك في الإيمان أن الإسلام السياسي هو الإطار الوحيد للحكم. وعلى خلاف الخطاب القديم للقومية أو الجمهوريات العربية العلمانية، فيعتقد أعضاء هذا المعسكر أن الإسلام قادر على الفوز بدعم من أوسع الشرائح الاجتماعية في المنطقة - والحفاظ على هذا الدعم. ولتعزيز أهدافه، يستخدم هذا المعسكر شبكة منظمة نسبيا من وسائل الإعلام، والسلطات الدينية، والمصالح المالية لإثارة قطاعات واسعة من أكثر من 180 مليون عربي تحت 35 سنة للمطالبة بالتغيير من أسفل إلى أعلى.

المعسكر الآخر، بقيادة المملكة العربية السعودية وغيرها من دول الخليج مثل الكويت والإمارات العربية المتحدة، وبدعم من مصر وإسرائيل والأردن، يرى هذا التحول بمثابة تهديد. هؤلاء التقليديين يعتقدون أن الأسلمة ستجلب مزيدا من التشرذم في بعض البلدان، مثل العراق ولبنان وسوريا، والشقاق السياسي والاجتماعي المربك في بلدان أخرى، مثل مصر، فضلا عن تعزيز الجماعات الجهادية في مختلف أنحاء المنطقة. يفضل المعسكر التقليدي تطورا أكثر تدرجا، وحذرا، وقدرة على الإدارة للنظام القائم، فيعتمد هذا المعسكر على الجيوش والأجهزة الأمنية ووسائل الإعلام والمصالح المالية، ومؤسسات الدولة الأخرى أو المدعومة من الدولة لفرض رسالة الحفاظ على الوطن ولحماية بلدانهم من الاضطرابات الجارية في المنطقة.

تمثل المعركة بين المجموعتين نوعا جديدا من المعارك في الشرق الأوسط. كانت الصراعات السابقة بين العلمانيين والإسلاميين العرب محددة ببلد أو نظام معين (على سبيل المثال، بين عبد الناصر والإخوان المسلمين المصريين في الخمسينيات، أو بين نظام الأسد والإخوان في أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات). كما أن الصراع العربي الإسرائيلي كان في المقام الأول حول الأراضي. وكانت المنافسة بين الجمهوريات العلمانية العربية ودول الخليج خلال فترة الستينيات (مثل بين مصر عبد الناصر والمملكة العربية السعودية) تدور حول بقاء أنظمة محددة. إلا أن تلك المواجهة الناشئة بين المعسكرين تدور حول طبيعة ومستقبل المجتمعات في المنطقة، من شمال افريقيا الى الخليج.

متاعب في كل اتجاه

سيجرى تحديد الصراع بين هذين المعسكرين بوساطة أربعة عوامل. الأول هو مستقبل مصر. فالبلد هي موطن ثلث العرب بما يقرب من 90 مليون شخص، كما كانت على مدى عقود السباقة في المجال الإعلامي الثقافي في المنطقة. لقد شكل الإسلام السياسي بالفعل السياسة في مصر منذ سقوط الرئيس مبارك، وخلال العام الذي تولى فيه الرئيس محمد مرسي في منصبه، ومنذ الاطاحة بمرسي في الصيف الماضي، خلال الصراع الدائر بين القوميين الصاعدين – والذين تقبع بينهم المؤسسة العسكرية – وبين الاسلاميين. ولكن الاقتصاد المصري هو الذي سيحدد مسار البلاد بالفعل. إذا استطاعت الحكومة المصرية، من الغالب أنها ستكون تحت قيادة المشير عبد الفتاح السيسي، الذي من المتوقع أن يفوز في الانتخابات الرئاسية التي ستعقد يومي 25-26 مايو المقبل، أن تدفع أخيرا إلى الأمام الإصلاحات الاقتصادية التي تحتاجها البلاد بشدة، بما في ذلك تقليص الدعم العام الذي لا يمكن تحمله، دون أن تفقد الدعم الشعبي وأن تخاطر بجولة أخرى من الاحتجاج السياسي، عندها ستتمكن مصر أن تستعيد مكانتها كلاعب في المنطقة، وتعزز بشكل كبير المعسكر الثاني. ولكن هذا سيستغرق وقتا طويلا. واذا فشلت، ستخيم جولة أخرى من الاضطرابات على معسكر التقليديين.

العامل الثاني هو مستقبل الجزائر، أكبر وأغنى دولة في شمال أفريقيا، ويرجع الفضل في جزء كبير منه إلى ثروة النفط والغاز. (الجزائر هي ثالث أكبر مورد للطاقة إلى أوروبا). يشتري النظام العسكري الوقت حتى يتمكن من العثور على بديل للرئيس عبد العزيز بوتفليقة الشيخ المريض. يجب أن يكون بديله مقبولا من الجنرالات الذين يسيطرون على البلاد منذ أكثر من أربعة عقود، ويكون ودودا مع الاسلاميين السياسيين الذين حاربوا النظام طوال التسعينيات في حرب راح ضحيتها مائة ألف شخص. لكن النظام تمكن من الاستمرار عن طريق شراء المنشقين واللعب بخوف الجمهور من العودة إلى العنف الذي جرى في التسعينيات، مما يجبر العديد من الجزائريين على قبول عدم وجود تعددية في مقابل السلام والاستقرار. ولكن على الرغم من أن النظام الجزائري نجا من موجة الاحتجاجات في عام 2011 ، فإنه ليس سليما تماما. لقد تطور الإسلام السياسي في الجزائر وراء النظرة العدائية التي سادت في التسعينيات. يمكن للأحزاب الإسلامية الجزائرية الجديدة أن تعود إليه كمنافس جدي للنظام العسكري. وبحساب الموارد المالية الهائلة في الجزائر، فهذا من شأنه أن يعطي المعسكر الأول ميزة استراتيجية كبرى.

والعامل الثالث هو المملكة العربية السعودية، حيث ترفض العائلة المالكة تغيير تقاليدها. هناك طبقة المتوسطة آخذة في الارتفاع لديها نصيب كبير من الاقتصاد – وقد وتعرضت لمزيد من التيارات السياسية والاجتماعية خارج المملكة المحافظة- وهي الآن قد بدأت أخيرا في المطالبة بتمثيل سياسي. وفي الوقت نفسه، تتدهور الآفاق الاقتصادية في المملكة العربية السعودية ببطء. (من المتوقع أن تصبح البلاد مستوردا صافيا للطاقة بحلول عام 2030.) سيؤدي الاقتصاد الراكد إلى إعاقة قدرة العائلة المالكة في الاستمرار في شراء دعم الطبقة المتوسطة من خلال الرعاية الاجتماعية والبدلات العامة. كما أن التهديدات بتمرد شيعي على نطاق ضيق في المنطقة الشرقية للمملكة، وتجدد اشتباك الشيعة الحوثيين على الحدود مع اليمن، أو حركة الاحتجاجات بين الشباب السعودي الساخط، كلها يمكن أن تؤدي إلى تآكل سلطة الحكومة. ومن شأن إضعاف النظام السعودي أن يقوض معسكر التقليديين من خلال تحويل الموارد وإضعاف إرادة عضوها الأقوى والأكثر حزما.

ولكن هناك سيناريو آخر. الملك عبد الله، الذي يبلغ من العمر 89 سنة، قد بدل المسؤوليات والمناصب بين الأسرة الحاكمة، كما أن الأمراء (الشباب نسبيا) ذوي النفوذ المتصاعد يدركون التحديات التي يواجهها النظام السياسي. وإذا تمكن النظام السعودي - بدافع من هذه التهديدات الوجودية- أن يتطور ويحول المملكة الى ملكية دستورية فاعلة تحترم فيه الحقوق السياسية والاجتماعية والاقتصادية لمجموعات كبيرة من الشباب السعوديين، فيمكنها أن تؤدي إلى فترة انتقالية طويلة لكنها مستقرة نسبيا. إن بزوغ قيادة سعودية حازمة جديدة، مدعومة بشرعية سياسية، من شأنها أن تضفي على معسكر التقليديين زخما قويا.

العامل الرابع هو مدى الفوضى التي سيراها الشرق الأوسط خلال العقد المقبل. من المرجح أن تنتهي الحرب الأهلية في سوريا بنوع من السلطة المركزية في دمشق، وتحيط بها كيانات سياسية شبه مستقلة. ويمكن للعديد من الجماعات الجهادية السلفية في البلاد أن ترسخ نفسها في السهول الصحراوية التي ينعدم فيها القانون بشدة والتي تمتد من شرق سوريا إلى غرب العراق، حيث يمكنهم محاولة تأسيس دويلات إسلامية، معزولة عن العالم المحيط (كما حاولت جماعات مماثلة في أفغانستان و القوقاز). سيكون وجودهم مصدرا للعنف والهشاشة السياسية، بالنسبة لسوريا والعراق في المقام الأول، ولكن أيضا بالنسبة للبنان والأردن، مما يفتح المزيد من الجبهات في المعركة بين المعسكرين.

إن المخيم الذي سيتمكن من تحويل المنافسات السياسية في المنطقة لصالحه، من خلال تشتيت الفوضى المحتملة وإلحاق عواقبها على المعسكر الآخر، سيتمتع بوضع أفضل للفوز في هذا الصراع الاستراتيجي.

هناك عاصفة قادمة

رغم أن أحداث الشرق الأوسط سيكون من الصعب التنبؤ بها على مدى السنوات القليلة المقبلة، فهناك قليل من التوقعات اليقينية. أولا، على غرار العقود الخمسة الماضية، وبتحفيز شديد من التركيبة السكانية والاتجاهات الثقافية الواضحة بالفعل داخل شريحة الشباب الضخمة في المنطقة، فإن موجة التحضر، والتغريب، وزيادة الليبرالية لن يمكن الوقوف في طريقها. وتلك الإرادة سوف تضعف الإسلاميين، لأن محاولاتهم لتطوير خطابهم ورسائلهم السياسية لتتناسب مع هذا الاتجاهات يقلل من دعمهم بين دوائرهم الأساسية ويفصلهم تدريجيا عن الإطار المرجعي الإسلامي الذي قد بنيت عليه حركتهم بأكملها. ثانيا، بسبب أوجه القصور التنافسية في نوعية التعليم، والتقدم التكنولوجي، وتكاليف الطاقة - بالإضافة إلى أزمة المياه التي تلوح في الأفق في أحواض النيل ونهر الأردن - فمعظم الدول الكبرى في المنطقة ستواجه اضطرابا اجتماعي واقتصادي في العقد المقبل. والذي من شأنه أن يضعف المخيم التقليدي، الذي يعتمد على السلطة المنظمة.

إذا، فبشكل ما، يمكن أن يخسر كلا المعسكرين. يمكن للتحديات الاجتماعية والاقتصادية التي ستواجهها جميع هذه الدول أن تؤدي الى تمرد الشباب الجديد، وعلى العكس من انتفاضات عام 2011، لن تكون تلك التمردات موجهة نحو الحكام الحاليين ولكن نحو المؤسسات السياسية والاقتصادية برمتها التي تتحكم في هذه البلدان. يمكن لهذه الحركة أن تضعف بسرعة صلاحيات مؤسسات راسخة في الجمهوريات العربية القديمة، وكذلك في دول الخليج. كما يمكن أن تقوض آفاق الإسلام السياسي. أيا كانت الأحوال إذن، فسوف يكون التكيف أمرا شديد الأهمية بالنسبة للاسلاميين والتقليديين على حد سواء. فالمعسكر الذي سوف يتكيف مع هذه الموجات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية ستكون لديه فرص أفضل لتحمل العاصفة التي تقترب.

 

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب