نافذة التسامح السعودية تغلق مع صعود تنظيم الدولة الإسلامية

مقال رأي

 

فتح الربيع العربي نافذة للنشطاء الذين يسعون إلى تحديث المملكة العربية السعودية. ولكن صعود تنظيم الدولة الإسلامية قد أغلقها مرة أخرى، تاركًا القليل من التوقعات بحدوث تقدم في ظل العاهل الجديد.

كانت الخمسون جلدة، التي نُفذت علنًا ضد الناشط رائف بدوي هذا الشهر بعد إدانته بتهمة إهانة الإسلام، إشارة إلى أن المحافظين الدينيين لهم اليد العليا في الشد والجذب مع الإصلاحيين. كانت عقوبته الأصلية قد زادت من خلال القضاء السعودي الذي حكم أيضًا على محام متدرب في هارفارد لانتقاده القضاء، ويقر بأحكام بتهم الإرهاب بحق سيدات لقيادتهن السيارات.

أكبر مصدر للنفط في العالم والحليف الرئيسي للولايات المتحدة، يتخذ وضع القمع. من غير المتوقع أن تغير خلافة الملك سلمان، الذي تُوج الأسبوع الماضي بعد وفاة شقيقه الملك عبد الله، من ذلك الأمر. كما حدث في أوقات الاضطرابات السابقة، يتجه آل سعود إلى رجال الدين لدعم شرعيتهم، وهذا يعني استبعاد أي أجندة للتغيير الاجتماعي.

وقال خالد الدخيل أستاذ علم الاجتماع السياسي في مقابلة عبر الهاتف من الرياض "إن الملك سلمان جاء إلى العرش في فترة مضطربة جدًا في المنطقة، وقد يدفعه هذا إلى أن يكون أكثر محافظة، وأكثر تحفظًا بشأن الأمن عن ذي قبل. إنه مشغول بالحفاظ على الأمن والاستقرار هنا".

وُلد سلمان في الرياض عام 1935، وتولى المهمة بعد انخفاض  أسعار النفط بنسبة 55 في المائة في العام الماضي. سيجب عليه أن يواجه أيضًا عدم الاستقرار في اليمن والعراق. كما ورث سلمان خطط فتح سوق الأسهم السعودية، أكبر أسواق المال في المنطقة، أمام المستثمرين الأجانب للمرة الأولى. وقال المسؤولون إنه من المتوقع أن يتم ذلك في النصف الأول من هذا العام.

مساحة للتعبير

خلال الربيع العربي، والذي شهد الإطاحة بقادة مصر وتونس واليمن،  لم ينزل السعوديين إلى الشارع بأعداد كبيرة، ولكنهم نزلوا إلى الإنترنت. نشأت المنتديات الإلكترونية التي يستجوب فيها المواطنون الحكومة بشكل لم ينتشر من قبل على مثل هذا النطاق الواسع.

كانت الأولوية السعودية هي وقف الاضطرابات عند حدود المملكة. قدم عبد الله تنازلات للمطالب الليبرالية، وفتح باب التقدم لبعض المهن أمام النساء وقام بتعيينهم في هيئته الاستشارية.

وقال جريجوري جوز رئيس قسم الشؤون الدولية في جامعة "تكساس أيه أند إم" إن السلطات السعودية كانت تمنح "مساحة أكبر قليلًا للتعبير السياسي".

تغيرت الحسابات بعد انتشار تنظيم الدولة الإسلامية الذي جذب استدعاؤه للدين المجرد بعض السعوديين. يسعى التنظيم، مثل القاعدة، إلى الإطاحة بالأسرة الحاكمة في السعودية.

المساعدة الدينية

انضمت السعودية إلى التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة ضد تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا. وعلى الرغم من أن تدخلها العسكري كان محدودًا، فإنه كان كافيًا لتحفيز الهجمات داخل المملكة. فقد قُتل قائد عسكري سعودي واثنين من حرس الحدود هذا الشهر بواسطة مسلحين عبروا من العراق، وقد تم استهداف مواطنين غربيين أيضًا.

وقد اعتقلت السعودية مئات الإسلاميين المشتبه بهم في سلسلة من حملات التمشيط في كل أنحاء البلاد. وقالت وزارة الداخلية إن أعداء الدولة "سيُقدمون إلى القضاء الشرعي".

ومع ذلك، فإن الضربة القاضية كانت على الطرف الآخر من الطيف الأيدولوجي للمملكة، الليبراليين والنشطاء أمثال بدوي.

لقد جندت السعودية المؤسسة الدينية في المملكة أو "العلماء" لإطفاء جاذبية الدولة الإسلامية. وقد أدان كبار علماء الدين الجماعة الجهادية وحثوا السعوديين على عدم الانضمام إليها.

المقايضة

قال كريسبين هاوس العضو المنتدب لشركة "تينيو" لأبحاث الاستخبارات في لندن إن العقوبات القاسية التي تم فرضها على النشطاء الليبراليين من قبل القضاء الشرعي يمكن أن تكون مقايضة.

وأوضح قائلًا "إن المحاكم في المملكة لديها الكثير من الحرية في العمل، ضمن حدود محددة بعناية، أكثر مما يدركه المحللون والحكومات في الخارج". تُظهر الأحكام الأخيرة أن "المحاكم يمكنها القيام بما يحلو لها، والسلطة تريد أن تُبقي على النظام بجانبها لضمان تعاون هيئة العلماء".

بعض الأحكام قاسية حتى بالمعايير السعودية.

وتعد السعودية التي تخضع لشكل صارم من الشريعة الإسلامية، الدولة الوحيدة في العالم التي تمنع السيدات من قيادة السيارات. إنها واحدة من 10 دول حصلت على أدنى درجة من الحريات المدنية والحقوق السياسية من "فريدم هاوس" المنظمة التي يوجد مقرها في واشنطن والتي تنشر مؤشرًا سنويًا للحريات.

ألف جلدة

قامت محكمة في جدة في مايو بزيادة العقوبة على بدوي إلى 10 سنوات سجن و1,000 جلدة، قائلة إن الحكم الأول بالسجن لمدة سبع سنوات و600 جلدة العام الماضي لم يكن كافيًا بالنسبة للجريمة.

كما تم الحكم على بندر النقيثاني المتدرب في هارفارد ومحاميَين آخرَين من خلال محكمة مكافحة الإرهاب بالسجن لمدد تصل إلى ثمانِ سنوات في أكتوبر، لكتابتهم تعليقات على تويتر تنتقد السلطة القضائية.

ووفقًا لمحاميَّين مطلعَين على القضية فإن القاضي قال للمتهمين إنه لو كان الأمر بيده فإنه سيحكم على أي شخص يقول أشياء سلبية عن النظام على مواقع التواصل الاجتماعي بالسجن بعدد سنوات يماثل عدد متابعيه على تويتر.

أما لجين الهذلول خريجة جامعة كولومبيا البريطانية وميساء العمودي الصحفية السعودية المقيمة في دولة الإمارات العربية المتحدة فهما رهن الاحتجاز منذ أواخر العام الماضي بتهمة قيادة السيارة إلى المملكة العربية السعودية من الإمارات، وقالت وكالة أسوشيتد برس إن قضيتهما قد أحيلت إلى محكمة الإرهاب.

وأعرب المحامون ونشطاء حقوق المرأة السعوديون عن مخاوفهم من أن يكون هؤلاء يتم جعلهم عبرة. بعض ناشطات حقوق المرأة اللاتي كن في السابق على استعداد لإجراء مقابلات مع وسائل الإعلام الدولية بشأن القضية يترددن الآن في القيام بذلك.

حصار مكة

تحول حكام السعودية إلى المزيد من المحافظة في الماضي استجابة للتحديات الدينية. بعد حصار المسجد الحرام في مكة عام 1979 من قِبل مسلحين، تم حظر وسائل الترفيه العامة ومُنج رجال الدين المزيد من السيطرة على المدارس والمحاكم والحياة الاجتماعية.

إتهم قائد الحصار جهيمان العتيبي وأتباعه آل سعود بالتخلي عن الطريق الصحيح للإسلام بسبب علاقتهم مع الغرب والفشل في قمع المسلمين الشيعة. انتقدوا رجال الدين الرسميين لدعمهم الأسرة الحاكمة وانحرافهم عن النمط الإسلامي المتشدد للمملكة، والذي يعود تاريخه إلى اتفاق عام 1744 بين آل سعود والشيخ محمد بن عبد الوهاب، أحد علماء الدين والذي استنكر ممارسات المسلمين في تلك الحقبة واعتبرها رجسًا.

وقال فهد ناظر المحلل السياسي لشركة "جيه تي جي" الاستشارية في فيينا بولاية فيرجينيا الأمريكية والذي عمل سابقًا في السفارة السعودية في الولايات المتحدة: "تقريبًا منذ تأسيس الدولة السعودية، عارضت العناصر المحافظة المتطرفة كل شيء من الراديو إلى السيارة وحتى تعليم المرأة".

إن صعود المحافظين يصبح في بعض الأحيان تحديًا للعلاقات العامة. يرى بعض المحللون أوجهًا للتشابه بين الأيدولوجيا الدينية السعودية وتلك الموجودة لدى تنظيم الدولة الإسلامية.

"بغيض"، "غير مقبول"

علاوة على ذلك، تلقى بدوي أول 50 جلدة له في 9 يناير بعد يومين من قتل 12 شخصًا عند مكتب مجلة "شارلي إيبدو" الفرنسية الساخرة.

وقال جيمس دورسي الزميل البارز في الدراسات الدولية في جامعة "نانيانغ" التكنولوجية في سنغافورة إنه في أعقاب هجوم باريس، أصبح من الأصعب أن تدافع عن بلد يجلد المدونين ويقدم "النساء اللاتي تقدن سيارتهن إلى محاكم الإرهاب".

أجلت السلطات الدفعة القادمة من عقوبة بدوي لأسباب طبية. وقد تم استقبال الحكم بجلد بدوي بالفعل بأوصاف مثل "مقيت" و"غير مقبول" و"غير إنساني" من قبل مسؤولين في أوروبا والولايات المتحدة.

ولكن أهمية المملكة العربية السعودية كشريك استراتجي وتجاري عادة ما تفوق مثل هذه المخاوف، وهو ما يعني القليل من الضغط من الدول الغربية من أجل التغيير. أما بالنسبة للحكام السعوديين الذين يرون إن تنظيم الدولة الإسلامية والمتعاطفين معه هم التهديد الأكبر، فإن القمع قد يكون خيارًا منطقيًا.

وعلى حد قول شاس فريمان سفير الولايات المتحدة لدى المملكة العربية السعودية في بداية التسعينات في رده على أسئلة أُرسلت بالبريد الإلكتروني "إن تضييق الخناق على المعارضة الليبرالية يقوي يد الحكومة في التعامل مع التحديات التي تواجهها من اليمين الإسلامي".

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب