هذا ليس حزب الله الذي عرفه والدك

مقال رأي

حول طاولة المطبخ في الضاحية الجنوبية ببيروت، حرك أحد قادة حزب الله من المستوى المتوسط ​​فناجين القهوة الفارغة وزجاجة مياه بلاستيكية حول الهاتف الخليوي، ليشرح كيف صد رجاله هجوم من قبل من وصفهم بمقاتلي الدولة الإسلامية على طول الحدود اللبنانية مع سوريا.

"حاولوا النزول من خلال هذا الوادي، ولكننا نسيطر على التلال على الجانبين"، قال مشيرًا إلى الهاتف الخليوي الواقع بين فنجاني القهوة ومحركًا زجاجة المياه للإشارة إلى الأراضي التي مازالت تحت سيطرة المسلحين. "في الوقت الراهن ليس لدينا أوامر بالهجوم. نحن فقط ندافع".

بلحية صغيرة محددة بعناية، ووجه مرهق، وسراويل واسعة كاكية سميكة، خاض هذا القائد، الآن في الأربعينات من عمره، أول معاركه مع حزب الله خلال عمليات الجماعة ضد إسرائيل، عندما قامت فرق صغيرة من المقاتلين بغارات سرية عبر الحدود. الحرب الحالية التي يخوضها، ضد المتمردين الذين يحاولون إسقاط نظام الرئيس السوري بشار الأسد، تختلف كثيرًا: هذه المرة، فالمجموعة الشبه عسكرية الشيعية لديها بصمة أكبر من ذلك بكثير على الأرض، وحدات مثل وحدته تتمركز إلى أجل غير مسمى في مراكز خارج حدود لبنان.

وصف هذا القائد مراقبته، على مدى السنوات الثلاث الماضية، للمنظمة التي كان عضوًا بها طوال حياته البالغة تتضخم في الحجم مع توسع العمليات القتالية في سوريا وهروع شبكات الدعم بالخلف في لبنان لمواكبة الأحداث.

قاتل حزب الله بشكل علني في سوريا إلى جانب نظام الأسد منذ أوائل عام 2013. وقد أثبتت المجموعة أهميتها في عدد من انتصارات النظام الرئيسية على طول الحدود السورية اللبنانية، مما سمح للنظام السوري باستعادة جيوب من الأراضي التي سيطرت عليها المعارضة هناك. الأسد، الحليف المقرب من إيران، هو شريان الحياة الأساسي للمجموعة اللبنانية المقاتلة، التي يزودها بخطوط الإمداد من طهران.

قال القائد "نحن جيش الآن. نحن لسنا جيشًا نظاميًا، ولكننا نعمل كأحدهم".

ولكن مثلما غير حزب الله الحرب السورية، فقد غير الصراع حزب الله أيضا. فقد أصبحت المنظمة أكبر بكثير، وتلقى مقاتليها التدريب الذي يمكن أن تقدمه فقط المشاركة في صراع طويل. ولكن في الوقت نفسه، في بعض النواحي، أصبح الحزب مترهلًا وأكثر عرضة للفساد والاختراق.

نمت هذه المخاوف بعد أن اعترف القائد الثاني لحزب الله هذا العام أن الحزب "يحارب التجسس داخل صفوفه". اعتبر تصريحه على نطاق واسع اعتراف بأن قصصًا في الصحافة العربية عن أن حزب الله قد اكتشف أن أحد عناصره، محمد شواربة، كان جاسوسًا إسرائيليًا كانت صحيحة. الادعاءات أن شواربة قد كُلف بالانتقام من إسرائيل لاغتيالها عضو حزب الله عماد مغنية عام 2008 - وبدلا من ذلك أحبط خمس هجمات مخططة لحزب الله- لا تزال غير مؤكدة.

"هذا الرجل، كان لا قيمة له"، قال القائد. "في كل مرة يمسكون بأحدهم تصنع وسائل الإعلام دائما من الأمر حدثا ضخما".

في بعض الجوانب، كما شرح القائد، فحزب الله أقوى عسكريا من أي وقت مضى. وقد أدت مشاركته في الحرب السورية إلى زيادة في التجنيد، وملء صفوف الجماعة بعدد متزايد من المقاتلين الشباب، وخلقت سنوات من القتال جيل جديد من المحاربين الذين أُختبِروا في المعركة. ولكن بالهبوط أكثر أسفل سلسلة القيادة، فستسمع رؤية مختلفة للوضع الحالي للمنظمة.

"سيأخذون أي شخص [ليذهب للقتال في سوريا]"، قال مقاتل شاب طلب أن يذكر فقط بلقب أبو علي. "لذا لا تفاجأ إذا كنت ترى بعض المجرمين وقطاع الطرق بيننا هذه الأيام" أضاف بضحكة سوداوية.

رغم أن أبو علي كان عضوا في حزب الله لأكثر من 10 أعوام، فهو يقول إنه بالكاد يعرف المنظمة في هذه الأيام. في ساحة المعركة، يقول إنه يرى مقاتلين، عرفوا بانضباطهم، يتصرفون بدافع من الغضب الخالص. قال إنه في شوارع الحي الذي يقيم فيه في ضاحية بيروت الجنوبية، قوات أمن حزب الله، التي كانت رمزا للاستقرار، الآن تضيف فقط إلى الشعور المتنام بعدم الارتياح. وهو يعتقد أن الحاجة للرجال في الخطوط الأمامية قد أجبر حزب الله على تخفيض معاييره للتجنيد.

"لا أرى أن الوضع جيد جدا في الوقت الحالي بين أولادنا"، قال في اشارة إلى مقاتلي حزب الله. "إنه أمر خطير... إنهم يصبحون شرسين بعد التجربة التي اكتسبوها في سوريا. إنهم متعطشون للدماء".

لم يكن هناك عدم انضباط واضح في الخطاب الأخير لزعيم حزب الله حسن نصر الله. تدفق المئات من أنصار حزب الله من خلال سلسلة من عمليات التفتيش الأمنية بشكل منظم إلى مركز مجتمعي في معقل الجماعة على الحافة الجنوبية للعاصمة اللبنانية لمشاهدة زعيم الجماعة يتكلم عن طريق وصلة فيديو.

بينما بث الوجه المبتسم للزعيم المراوغ على شاشة العرض، وقف أفراد من الحشد على أقدامهم وهتفوا الترحيب المعتاد: "لبيك يا نصر الله!" بدأ زعيم حزب الله كلمته بتوجيه الشكر إلى الجيش اللبناني ومقاتلي حزب الله على حماية لبنان "ضد الاعتداءات [الإسرائيلية] والتهديدات من الهجمات الإرهابية التكفيرية".

الإشارة إلى التكفيريين، وهذا يعني الجهاديين السُنَّة المتطرفين مثل أولائك في جبهة النصرة أو الدولة الإسلامية الذين من شأنهم طرد المسلمين الآخرين من العقيدة، أصبحت عنصرا أساسيا  في خطب نصر الله منذ اعترفت المجموعة علنا بتورطها في الأزمة السورية. هذه الجماعات، قال نصر الله، تهدد "العالم بأسره وليس فقط بلد أو منطقة معينة. جميعنا يجب أن نتحمل هذه المسؤولية [محاربتهم]".

ضربت لبنان أكثر من عشر هجمات تبنتها مجموعات في سوريا لها صلات بجبهة النصرة والدولة الإسلامية. وفي الآونة الأخيرة، ادعت مجموعة مرتبطة بجبهة النصرة مسؤوليتها عن هجوم انتحاري في مقهى في مدينة طرابلس بشمال لبنان أسفر عن مقتل تسعة أشخاص على الأقل. واستهدفت السيارات المفخخة أيضا معاقل حزب الله في ضواحي بيروت وفي وادي البقاع بشرق لبنان. في حين ظلت إسرائيل إلى حد كبير على هامش الصراع السوري، فإن جيش الدفاع الإسرائيلي يقال أنه هاجم مواقع لحزب الله داخل سوريا في عدد من المناسبات، ويزعم أن ذلك في محاولة لمنع الجماعة من الحصول على شحنات من الأسلحة الحساسة.

في خطاب نصر الله، فالغالبية العظمى من الحشد، المكون من مسؤولي الحزب، وأسر بأطفال صغار، والقليل من المراهقين، جلسوا باحترام خلال الخطاب الذي زاد عن ساعة. أثناء الخروج، تم تسليم الشوكولاتة لكل من الحضور وتقويم لعام 2015 يتمنى للجميع سنة جديدة سلمية.

وقد حاول نصر الله تجميع ائتلاف كبير من اللبنانيين السنة والمسيحيين لمكافحة الجهاديين. في الأشهر القليلة الماضية، دخل حزب الله في حوار مع تيار المستقبل ذي الأغلبية السنية، الخصم السياسي منذ فترة طويلة، وأيضا قام بتنظيم وفود للقيام بجولة بالكنائس في جنوب البلاد وتعليق زينة عيد الميلاد على طول شوارع الضاحية الجنوبية لبيروت. في أجزاء من سوريا وشمال العراق، تسبب مقاتلو الدولة الإسلامية في نزوح عشرات الآلاف من المسيحيين ودمروا الكنائس في الأراضي التي يسيطرون عليها.

ولكن إذا ما كان هذا التواصل سيكسب أي معتنقين لقضية حزب الله يظل غير معروف. رئيس أساقفة بيروت، بول مطر، استقبل أحد تلك الوفود خلال عطلة عيد الميلاد. ووصف الاجتماع بأنه مهذب ورسمي، مثل الكثير من الاجتماعات الأخرى التي يجريها بانتظام مع قادة حزب الله.

"كل ذلك لمجرد الحصول على صورة أفضل "، يقول مطر. "إنهم يحاولون تقديم أنفسهم على أنهم مختلفين تماما [عن الدولة الإسلامية]".

ولكن سيكون من الصعب على حزب الله الحفاظ على هذه الصورة الأفضل إذا كان لا يمكنه الحفاظ على الانضباط الصارم الذي عُرف عنه.

"الصراع السوري، إنه يكشف الشقوق في المنظمة"، قال مسؤول أمني لبناني يجتمع بانتظام مع قيادة حزب الله. تلك الشقوق، كما يقول، ليست أيديولوجية - حزب الله لا يزال يحتفظ بدعم قوي من قاعدته- ولكن مالية. يجب على المنظمة الحفاظ على خطوط الإمداد إلى القوات المتمركزة في سوريا، وعدد أسر المقاتلين الذين قتلوا في المعركة ويتوقعون التعويض في ارتفاع مستمر.

"كل هذا يتطلب الكثير من المال للإبقاء عليه"، يقول المسؤول. "المقاتلين لن يذهبوا للقتال في الجبال فقط بحقيبة صغيرة من الوجبات الخفيفة. إنهم جيش حقيقي الآن. إنهم في حاجة إلى مطبخ لإطعام جنودهم!"

مرة أخرى في الضاحية الجنوبية لبيروت، يقول أبو علي، المقاتل، إنه يعتقد أن المنظمة تدرك فقدانها القيادة والسيطرة على صفوفها. في حال حدوث أزمة، كما يقول، فهو لم يعد يثق في قوات أمن حزب الله أن تطيع الأوامر. ما إذا كان يمكن للمنظمة تحويل جنودها الجدد إلى جيش منضبط، كما يعتقد، هو الذي سيحدد كيف يخرج حزب الله من الحرب السورية بقوته وسمعته سليمتان.

وأضاف: "هناك الكثير من الأمور محرمة بالنسبة لنا [كشيعة]. إذا تخطينا الحدود، يمكننا أن نندثر بسهولة [كقوة سياسية]. نحن لا نريد عبور ذلك الخط الأحمر"

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب