هل تعقد الولايات المتحدة صفقة مع الشيطان؟

مقال رأي

أثبتت المفاوضات الإيرانية النووية تسببها في شقاقات داخل الولايات المتحدة وبين الولايات المتحدة وحلفائها. لكنها كشفت بشكل أكبر الشقاق بين الفصائل الإيرانية.

تري إدارة الأمريكي باراك أوباما وبعض شركائها في مجموعة  "5+1" (وهم الأعضاء الخمسة الدائمون في مجلس الأمن باللإضافة إلى ألمانيا) الرئيس الإيراني حسن روحاني كشريك حاسم، فهو لديه القدرة علي التوصل لاتفاق نووي طال انتظاره وتقارب أوسع مع الغرب. بينما يري المشككون داخل الولايات المتحدة وخارجها روحاني كمتشدد إيراني يدعي التصرف بلُطف.

إلا أن كلا وجهتي النظر تغفل المسألة الأكبر والأهم. فهناك انقسام جوهري داخل النظام الإيراني – يقود روحاني أحد طرفي الانقسام– لكن هذا الانقسام لا يتعلق بشكل أساسي ببرنامج إيران النووي أو استراتيجيتها الإقليمية، بل يتعلق بشكل أكبر بالتساؤل الأساسي حول كيفية الحفاظ على النظام نفسه.

أزمة شرعية

بفضل الانتفاضات العربية وانفراج العلاقات الايرانية الامريكية، نسي الغرب بدرجة كبيرة "الثورة الخضراء" الإيرانية التي اندلعت أحداثها في يونيو 2009، حينما امتلأت شوارع طهران بأكثر من 100,000 متظاهر تظاهروا احتجاجًا علي ما رأوه تزوير الانتخابات لصالح إعادة انتخاب الرئيس السابق أحمدي نجاد. لكن الثورة ليست منسية داخل إيران نفسها. فقادة الحركة الخضراء، مير حسين موسوي ومهدي كروبي، لا يزالا تحت الاقامة الجبرية، وحتى اليوم يحذر المتشددون ممن يعتبرونهم محرضين يجب منعهما من الوصول إلي السلطة.

مثلت أحداث يونيو 2009 أزمة في شرعية النظام الإيراني. فقد كشفت تلك الثورة وأعقابها الهوة المتسعة بين تقدم إيران وتقدم الدول النامية الأخري، بين أفعال النظام ومبادئه التي يعلنها، والأكثر أهمية بين تطلعات الإيرانيين عام 2009 وتطلعاتهم عام 1979، حيث أسست ثورة 1979 نظامًا دينيًا استبداديًا معاديًا للغرب تحت حكم آية الله روح الله الخميني.

كذلك أبرزت تلك الأزمة الصدع الحادث بين النخبة الإيرانية حول كيفية ضمان بقاء النظام. يسيطر المتشددون علي أحد المعسكرين ويقوده المرشد الأعلي علي خامنئي – رغم جهوده ليبدو مترفعا عن الخلاف بين الفصائل– ويريد هذا المعسكر أن تعود إيران إلي قيم ثورة 1979. أما المعسكر الآخر، والذي يقوده روحاني والرئيس الإيراني الأسبق علي أكبر هاشمي رفسنجاني، فيفضل انفتاحًا اقتصاديًا ودبلوماسيًا واجتماعيًا نحو الغرب، ولكنه يستبعد إصلاحًا سياسيًا.

في السنوات اللاحقة لقمع الحركة الخضراء، وجد البرجماتيون من المعسكر الثاني أنفسهم متماشين مع الإصلاحيين بشكل متزايد في نداءاتهم للتغيير. فأثار ذلك التحالف المنسجم ذعر قادة النظام، حيث لعبت الائتلافات المشابهة دورا رئيسيا في الثورات الإيرانية الثلاث خلال القرن العشرين.

ولإبطال مفعول هذا التهديد، سمح قادة النظام بتمرير الرئاسة من أحمدي نجاد، المتشدد، إلي روحاني، البرجماتي. ورغم أن روحاني كان بالفعل مفضلا من قبل الناخبين عن المرشحين الآخرين، إلا أن انتخابه كان بشكل جزئي جهدًا من قبل النظام لإشباع رغبة الشعب الإيراني في التغيير بالإضافة إلي إشراك المعسكر الثاني، حتي يجبر قادته علي محاولة حل نفس المشكلات التي انتقدوها.

اتساع الصدع

إلا أن انتخاب روحاني، رغم ذلك، لم يرأب الصدع بين المعسكرين.

فمن الناحية الاقتصادية، ركز كلًا من روحاني والمتشددون علي الحاجة إلي "اقتصاد المقاومة"، حيث تقلل الدولة اعتمادها علي النفط لتتحايل علي العقوبات الدولية بسبب برنامجها النووي. لكن الطرفين يختلفان حول كيفية تطبيق تلك السياسة. دعا روحاني لإجراء إصلاحات اقتصادية داخلية وتوسيع العلاقات الاقتصادية الخارجية، بينما يميل المتشددون لتحقيق فكرة الاكتفاء الذاتي الخاصة بالثورة. ومع ذلك فقد حقق روحاني بعض النجاح من الناحية الاقتصادية، بشكل رئيسي عبر إجراء تعديلات أصغر حجمًا علي السياسة المالية والنقدية بدلًا من إجراء إصلاحات واسعة النطاق. ورغم حصوله علي بعض التأييد من المرشد الأعلي لهذه الجهود، إلا أن منهجه متوقف علي إنهاء العقوبات الدولية وهو ما سيتطلب التوصل إلى اتفاق نووي، والذي قد يحبط خامنئي توقيعه. أما علي الجانب الاجتماعي، فقد أثبتت تعهدات حملة روحاني الإنتخابية بزيادة مساحة الحريات المدنية نجاحها بشكل أقل، فقد سقطت فريسة لمعارضة المتشددين.

كذلك تصارع المعسكرين حول السياسة الخارجية الإيرانية، حيث تمثل المفاوضات النووية النقطة المحورية للخلاف. رغم تعبير الخميني عن دعمه للمفاوضين الإيرانيين، إلا أنه وفي ذات الوقت ضيق مساحتهم التفاوضية بشدة، بينما يستمر المتشددون في معارضة المفاوضات بشكل صريح. فهم جانب، هم مستاءون من أن المفاوضات ستتطلب تقديم تنازلات للولايات المتحدة، حيث تظل معاداة أمريكا واحدة من الأعمدة الفكرية المركزية التي يقوم عليها النظام الإيراني. علاوة علي أن العديدين لديهم مخاوف حول أن التوصل لاتفاق سوف يقوي خصومهم البرجماتيين وسيفتح الباب للمزيد من التقارب مع الغرب، وهو ما سيؤدي لزيادة التأثير الأجنبي داخل إيران.

من جانبه أكد روحاني علي أن السياسة الخارجية يجب أن تصاغ علي أساس المصالح الاستراتيجية، وليس المبادئ والمثل العليا. فقد دافع عن التواصل الثنائي بين طهران وواشنطن، فلا فرق بينه وبين التواصل مع أي من دول مجموعة "5+1" الأخري.

إلا أنه رغم صراعات المعسكرين حول المفاوضات وتداعياتها، لا يبدو ان هناك خلاف حول أهمية البرنامج النووي أو الاستراتيجية الأمنية التي يعتبر جزءًا منها. فروحاني لم يقلل فقط من أهمية تنازلاته النووية لكنه أيضا تباهي بتوسيعه للبرنامج النووي خلال فترة محمد خاتمي الرئاسية. أما من ناحية السياسات الإقليمية الإيرانية فيبدو أن المعسكرين متقاربين.

الحذر الأمريكي

بملاحظة ذلك الصراع الداخلي من الخارج، قد يميل صناع القرار الأمريكيين للتوافق مع روحاني ولاستغلال المفاوضات النووية لتأليب الغرب والمفاوضين الإيرانيين ضد المتشدديين علي الجانبين. ولكن واشنطن يجب أن تحذر من تعليق آمالها علي معسكر روحاني، أو بشكل أقل علي التأثير علي الصراع الداخلي للنظام.

من المستحيل معرفة إن كان الاتفاق النووي سيقوي شوكة روحاني وحلفائه أم سيضع نهاية لانتفاع النظام منهم. فرغم أن الخميني قد قدم دعمًا لا بأس به للمفاوضين النووين، إلا أنه يبدو أقل حماسًا تجاه أجندة روحاني الأوسع. وسلطة روحاني محدودة ليس فقط بقدراته علي تنفيذ وعود حملته لكن أيضا بالنفوذ الكبير للمتشددين، خصوصا فيما يتعلق بسياسات إيران الإقليمية والأمن الداخلي.

علاوة علي ذلك فحتى إن إرتفع رصيد روحاني في أعقاب توقيع إتفاق، فمن غير الواضح إذا كان ذلك سيفيد الولايات المتحدة. يظل داعمي روحاني ملتزمين ببقاء النظام الإيراني، وكذلك بالاستراتيجية الأمنية في الشرق الأوسط والتي تتعارض مع المصالح الأمريكية. بالفعل، بعد التوصل لاتفاق نووي، قد تجد واشنطن وحلفائها أنفسهم في مواجهة إيران قوية ومتمكنة، وليست أقل التزامًا تجاه الهيمنة الإقليمية التي تسعي لها.

في ضوء ذلك، يجب ألا يقدم صناع القرار الأمريكيين تنازلات إضافية بناءً علي النظرية القائلة بأن الاتفاق النووي سيعود بميزات أمنية إضافية. في الواقع إن أرادت الولايات المتحدة وحلفائها التوصل إلي اتفاق نووي دائم وتحول أوسع في التفكير الاستراتيجي الإيراني، فسيكون عليها أن تقنع النظام بالكامل – وليس فصيلا واحدا منه– بأن الوضع الراهن غير قابل للاستمرار. وهو ما سيتطلب إقناع القادة الإيرانيين بأن الفشل في التوصل لإتفاق سيضطرهم لدفع ثمن باهظ جدًا.

 

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب