هل تقسيم فلسطين إلى مقاطعات يخدم السلام؟

مقال رأي

منذ بضعة أشهر نشرت هآرتس خطة طريفة لتقسيم إسرائيل إلى مقاطعات أو كانتونات، لكى تكون علاجًا لتفتت المجتمع الإسرائيلي وفشله في خلق بيئة دامجة للمهاجرين اليهود إلى فلسطين.

في هذا المقال أقدم نقدًا لمزايا وعيوب تلك الخطة، كما أطرح بديلًا. لقد جاءت الخطة في مقال لكارلو سترنجر وجد ياديد، يوم 7 أكتوبر 2014، بعنوان "كيف نقسم إسرائيل إلى كانتونات لإنقاذها"، وفيه يعترفان بفشل قيادة إسرائيل "في فرض أيديولوجية موحّدة وسيطرة ثقافية على شعب البلاد". اليهود الأرثوذكس المتطرفون، على سبيل المثال، لم يتم تحويلهم إلى "صهاينة منتمين"، وسكان تل أبيب لن يتسامحوا مع "قوانين الزواج" ذات الطابع الأجنبي والمُقتحم.

يجد سترنجر وياديد أن الحل في "هويّات البلاد المتعددة" هو عزل "شعوب إسرائيل المتقاتلة" عن بعضها في عدة مقاطعات مختلفة، لكى يكون لكل منها سلطة إقليمية مختلفة يمكنهم من خلالها ممارسة حياتهم كما كانت بحسب ثقافتهم وقيمهم الدينية، أو بشكل عملي أكثر يمكنهم أن يستمروا في العيش فيها كما كانوا يعيشون في أوطانهم الأم قبل هجرتهم إلى فلسطين، متدرجين من الجيتو في شرق أوروبا إلى الأحياء الثرية في لندن.

يبدو ذلك وكأنه اعتراف صارخ بالفشل في "إعادة جمع المنافي". لم يكن رئيس إسرائيل، رؤوفين ريفلين، يحاول أن يكون مجاملاً عندما أعلن، في مؤتمر عن العنصرية والكراهية في القدس، في أكتوبر الماضي، أن "إسرائيل مجتمع مريض بمرض يستوجب العلاج".

إن غياب التجانس في إسرئيل ليس مفاجئا؛ فالمهاجرون اليهود أتوا إلى فلسطين من 110 دول وكانوا يتحدثون أكثر من 80 لغة ولهجة. استمر الكثيرون منهم في أساليبهم التقليدية حتى عندما تعلّموا العبرية الحديثة وانضم شبابهم إلى الجيش. كان من المفترض أن يصبح الجيش هو البوتقة المثاليّة لخلق الوحدة بين المهاجرين ضد عدو مشترك هم العرب، الذين وجدوا أنفسهم في وسطهم عندما استقروا في فلسطين.

الخلفيات المتناقضة والأصول المختلفة للإسرائيلين كان موضوعًا لأكثر من دراسة. هناك العشرات من الكتب جميعها تقريبًا ألّفها يهود تتحدث عن تفتت المجتمع الإسرائيلي وفشل بوتقة الانصهار والإفلاس الأيديولوجي والاقتصادي للكيبوتز وأزمة الهوية "الإسرائيلية" والأساطير المؤسسة لإسرائيل واختراع الشعب اليهودي و"أرض إسرائيل" ومعنى "ما بعد الصهيونية" والطبيعة العسكرية لإسرائيل واستغلال المحرقة والسرد الخيالي لميلاد إسرائيل والإنكار الحاضر للنكبة - التطهير العرقي للفلسطينين في 1948.

تقسيم إسرائيل لإنقاذها

إن خطة الكانتونات تلك تُعد، في الأغلب، المرّة الأولى التي يتم فيها إطلاق مقترح صهيوني لفصل الجماعات اليهودية المختلفة جغرافيًا وقانونيًا على مستوى "المقاطعات"، وهذا المقترح يسعى للتشبه بنظام المقاطعات الكندي مع اختلاف واضح هو أن المقاطعات الإسرائيلية هي شرائح ضئيلة من الأرض تشبه الاحياء البريطانية على عكس المقاطعات الكندية الشاسعة. وحتى مع ذلك فإن الخطة تمثل تفاؤلًا بأن إسرائيل الحالية، باستثناء الضفة الغربية وغزة ولكن مع إضافة القدس الشرقية المحتلة ومرتفعات الجولان السورية، يمكن أن تقسم إلى 12 مقاطعة (انظر الخريطة رقم 1).

سيكون هناك، على سبيل المثال، "المقاطعة الأرثوذكسية الدينية"، "يهوذا"، وتمتد من شمال القدس "لتضم أغلبية اليهود المتدينين في البلاد"، وتتضمن أكثر من 1.6 مليون شخص في مساحة 1060 كم2 من الأرض. وسيكون هناك مقاطعة اسمها "أفيف" تغطي 220 كم2 وتضم 1.2 مليون شخص، وستتضمن هذه المقاطعة تل أبيب، وبالتالي "تمكن القلب العلماني لإسرائيل من تعزيز مجموعته الفريدة من القيم بما يعطي إسرائيل الليبرالية - على المستوى المحلي والعالمي - صوتًا وعلامة مميزة أعلى بكثير من مجرّد مدينة واحدة من 400000 شخص".

مقاطعتان فقط، "جليلة" في الشمال و"بادية" في الجنوب، ستكونان لأغلبية عربية أو عربيتين بالكامل. لكن بأخذ التنوع في إسرائيل في الاعتبار سيكون هناك احتياج لما هو أكثر بكثير من 12 مقاطعة كي يسود التجانس الكامل في كل واحدة. مع ذلك فإن خطة المقاطعات التي صممت لدعم الأهداف الصهيونية مثيرة للاهتمام لأنها تطرح حلًا عمليًا جديدًا يستحق الدراسة عن قرب خاصة وأنه ينشر في الصحيفة الليبرالية الاولى في إسرائيل.

سأفحص الخطة المقترحة وسأبين أن هدفها هو تدعيم السياسات الصهيونية من عنصرية وفصل عنصري. إنها لن تنتج التجانس بين اليهود، بالإضافة إلى أنها ستكون بعيدة عن توفير حل سلمي أو دائم في فلسطين التاريخية. سأقترح أيضًا تعديلًا على خطة المقاطعات تلك بما يجعلها ربما أقدر على التطبيق.

احتشاد السكان اليهود في أماكن محدودة

لأغراض هذا النقد سنتعامل مع مساحة إسرائيل حسب مناطقها الـ46 الطبيعية (هناك 50 من هذه "المناطق الطبيعية"، في خطة إسرائيل الإدارية، وقد استثنيت مرتفعات الجولان المتضمنة في خطة سترنجر- ياديد والضفّة الغربية وغزة).

إن اعداد السكان الواردة في خطة الكانتونات مأخوذة من مكتب الإحصاءات المركزي الإسرائيلي، ومنشورة في 2012 وتعود إلى 2011. لتوحيد الأرقام الواردة في الخطة والواردة في نقدي فقد استخدمت كمقياس موحد إحصاءات السكان الواردة في منتصف 2008. وبسبب الرجوع لسنوات مختلفة وأخطاء صغيرة في النسخ الرقمي لخريطة هآرتس التي تحدد المقاطعات الـ 12 المقترحة، فإن مقاربتي تترك بعض الاختلافات الصغيرة ولكنها لا تغير طبيعة النقد ولا ما يخلص إليه.

وكما بيّنتُ فإن الخطة تقترح مقاطعة "يهودا" في القدس والمناطق الواقعة في الشمال الغربي منها كي تكون مقاطعة دينية أو بلد الكنيس. أما مقاطعة تل أبيب، "أفيف"، فانها ستكون مقاطعة ليبرالية أو بلد الملهى الليلي.

يعيش في هاتين المقاطعتين المقترحتين نحو 2,465,000 يهودي و277,000 فلسطيني. والأرقام خادعة على مستويين؛ أولًا، إن عدد السكان الفلسطينيين يقع أكثره في القدس الشرقية التي تم احتلالها عام 1967. لا يوجد فلسطينيون آخرون هناك لأنه قد جرى التطهير العرقي لـ 127 قرية فلسطينية في المنطقة غرب القدس عام 1948.

ثانيًا، سيكون اليهود في مقاطعة أفيف أكبر عددًا بكثير إذا تم التوسع بها إلى الشرق حتى بلدة بيت شمش الأرثوذكوسية وإلى الجنوب حتى ميناء أسدود (أشدود)، وبالتالي تصغير مقاطعتي يهودا ونيتزان. وسيعيش في مقاطعة أفيف الممتدة  3.5 مليون يهودي أو 65% من جميع اليهود وهو موقع مثالي لكانتون يهودي.

إعادة التوزيع تلك منطقية وعليه فإن مقاطعة أفيف الموسعة ستعادل مساحة المستوطنات اليهودية في فلسطين تحت الانتداب البريطاني عام 1948 وتحديدًا الجزء الغربي والشمالي من قضاء يافا.

حصر الفلسطينيين في معازل (جيتو)

يظهر الغرض الرئيسي من المقاطعات الإسرائيلية المقترحة في الجليل. سيتم حصر قرابة ثلث مليون فلسطيني في جيتو اسمه مقاطعة جليلة، تبلغ مساحته 400 كم2 بكثافة تبلغ 825 شخصًا في الكيلومتر  المربع الواحد.

في مقاطعة جزريل سيتم تخصيص 1110 كم2 لـ 200,000 يهودي (كثافة سكانية تبلغ 180 شخصًا في الكيلومتر المربع)، بينما سيظل الفلسطينيون في هذه المقاطعة (80,000) مهمشون ومواطنون من الدرجة الثانية.

وبالمثل في مقاطعة نافتالي (تبلغ مساحتها 1413 كم2)، والتي تعتبر يهودية أيضًا، فإن عدد الفلسطينيين هناك مساو لعدد اليهود تقريبًا (220,000 إلى 260,000). وفي مقاطعات الجليل الأربع، ومساحتها الإجمالية 3300 كيلومتر مربع داخل إسرائيل، سيبلغ عدد الفلسطينيين 640,000، وعدد اليهود أقل من النصف إذ يبلغ عددهم 540,000. (إذا استثنيت طبريا أو كينريت يبقى الأمر كما هو)، ومع ذلك فالخطة تخصص 12% من المساحة، أى جيتو يبلغ مساحته 400 كيلومتر مربع لـ 450,000 فلسطيني بكثافة تبلغ 1125 شخصًا في الكيلومتر المربع. وتلك الكثافة هي ستة أضعاف كثافة اليهود.

المساحة الباقية من مقاطعات الجليل الاربع (وهى 2900 كم2) مخصصة لـ 540,000 يهودي بكثافة تبلغ 186 شخصًا في الكيلومتر المربع. أمّا الفلسطينيون خارج مقاطعة جليلة فسيبلغون حوالي نصف عدد السكان في أربع مقاطعات وسيعيشون في مقاطعات مخصصة لليهود وسيتم التعامل معهم كأقلية لا رأي لها في شؤون المنطقة. سيصبح أصحاب الأرض سكان جيتو والمستوطنون أصحاب أرض.

باختصار تسعى هذه الخطة إلى الهدف الصهيوني الثابت وهو الحصول على أكبر قدر من الأرض بأقل عدد من الفلسطينيين، بينما تعرض الخطة نفسها كمشروع للتعددية والتنوع.

مخطط للتهجير العرقي

تظهر الخريطة رقم (1) المقاطعات المقترحة وسكانها بالالاف حسب تقديراتي، والازرق في الدائرة يرمز إلى السكان اليهود والزهري إلى الفلسطينيين. ويلاحظ أن مقاطعة جليلة الفلسطينية، تتضمن 28 قرية ولكن الخطة تتجاهل 160 قرية تنتشر بشكل واسع خارج جليلة ومبيّنة بنقاط سوداء.

الخريطة( 1): تبين التقسيم المقترح لإسرائيل اليوم إلى عشر مقاطعات يهودية ومقاطعتين عربيتين، وتبين إجمالي السكان اليهود والعرب.

تقسيم الجليل بهذا الشكل هو محاولة لإحياء خطة كونيج الشهيرة لعام 1976 والتي خطّها المسؤول الكبير الاسبق في وزارة الداخلية الإسرائيلية، إيزرائيل كونيج. وكانت تهدف إلى خفض عدد وتواجد وتأثير الفلسطينيين في الجليل. أدّى التهديد الذي تمثله خطة كونيج بالفلسطينيين إلى مواجهتها فأعلنوا يوم الأرض، الذي تحيا ذكراه يوم 30 مارس من كل عام، منذ ذلك الوقت للتأكيد على جذورهم في أرضهم. هذه الحركة أقوى بكثير في الوقت الحالي ولن تقبل بسهولة أن تهمش من قِبل النظام الإسرائيلي الاستعماري.

وقد صممت مقاطعة الكرمل على السهل الساحلي والتي تظهر في الخريطة أيضًا كي تغرق التواجد العربي الكبير في المثلث الصغير الذى يبلغ عدد سكانه 350,000 في 55 قرية ضمن مليون يهودي. هؤلاء هم السكان الذين يريد أفيجدور ليبرمان، وزير خارجية إسرئيل العنصري والمهاجر من ملدوفيا، وقائد الحزب اليميني إيزرائيل بيتينو، طردهم من وطنهم بحيلة تبادل الأراضي. جيدون بيجر، الاستاذ الجغرافي الروسي في جامعة تل أبيب، هو المخطط لهذا التطهير العرقي. والكاتب المساعد للخطة، جد ياديد، ولد في جنوب أفريقيا ونشأ في أستراليا ويعمل في جامعة تل أبيب حيث كتب رسالة الماجيستير تحت أشراف بيجر.

يشكل الفلسطينيون في هذه المقاطعة تحديدًا قلقًا لإسرائيل بسبب دفاعهم العنيد عن الأماكن المقدسة في القدس، تحت قيادة الشيخ رائد صلاح، زعيم الفرع الشمالي من الحركة الإسلامية.

ولذا فإن نية ليبرمان وأشباهه الذين يرغبون في التخلص من الفلسطينيين أن يتم ذلك عن طريق تبادل الاراضي بضم مناطقهم الصغيرة إلى الضفة الغربية مقابل أن تضم إسرائيل الكتل الاستيطانية الكبيرة في الضفة الغربية. المنطقتان المنوى تبادلهما على جانبي خط الهدنة عام 1949 والتى تفصل إسرائيل والضفة الغربية - ليستا مملوكتين قانونًا لإسرائيل وليس لإسرائيل الحق في تبادلهما.

استهداف البدو

اللواء الجنوبي في إسرائيل الحالية ينقسم إلى 11 منطقة طبيعية، بإجمالي مساحة 14,231 كيلومتر مربع، أو نحو 70 بالمئة من مساحة إسرئيل. في هذه المنطقة يسكن حوالي 900,000 يهودي ومن هؤلاء يعيش 83% في أربع بلدات فلسطينية الأصل في كل منها أكثر من 100,000 نسمة - إسدود (أشدود)، المجدل (أشكلون)، بير السبع (بير شبع) وعراق المنشية (كريات جات)  وسبعة "مدينة تنموية" صغيرة وأكثر فقرًا. اليهود الذين يعيشون في هذه المدن هم يهود مزراحيم - من أصول عربية - مع عدد قليل من اليهود الروس خاصة في بير السبع. اليهود الباقون، 17 بالمئة، متناثرون في 212 كيبوتز وموشاف وهي مستوطنات زراعية بمتوسط 700 شخص في كل واحدة وكثافة تبلغ 10 أشخاص فقط في كل كيلو متر مربع. واليهود الذين يعيشون هناك أكثرهم من الأشكيناز (اليهود الأوروبيون) حكام البلاد والصفوة القديمة في البلاد الذين احتلوا الجنوب في 1948 وهجّروا أهله. تقسم خطة الكانتونات المنطقة الجنوبية إلى عدة مقاطعات: شيمون، بادية، هالوتزا (الخلصة)، أرافا (وادي عربة)، وثلاثة أرباع (1051 من أصل 1430 كيلومتر مربع) مقاطعة نيتزان.

يعيش أكثر من 200,000 فلسطيني في 55 قرية مع 900,000 يهودي في اللواء الجنوبي ولا تعترف إسرائيل بنصفهم وتحرمهم من جميع الخدمات. وتخصص خطة الكانتونات 600 كم2 لهم في مقاطعة بادية بكثافة تصل إلى 380 شخص في الكيلومتر المربع أو حوالي أربعين ضعف كثافة المستوطنين في المنطقة. هذا أسوا من التطهير العرقي الثاني الذي حدث بعد النكبة في 1948 عندما تم ترحيل الفلسطينين الباقين في المنطقة، عام 1950، إلى معسكر عنصري اسمه سياج مساحته 1100 كيلومتر مربع، أو 9 بالمئة من مساحة قضاء بئر السبع في فلسطين الانتدابية التي عاشوا فيها قبل 1948.

وتحتوى الخطة على 30 قرية فقط، من إجمالي 55 قرية، ضمن نطاق مقاطعة بادية. وكما نرى في الخريطة، إذا وقعت 25 قرية فلسطينية خارج مقاطعة بادية، سيتم التطهير العرقي لسكانها للمرة الثالثة وسيتم إجبارهم على الانتقال لسياج جديد أصغر مساحة. إن الاستيلاء على أراضي بئر السبع ومصادرتها مستمر منذ التطهير العرقي في 1948. وقضية قرية العراقيب مشهورة. لقد حاربت من أجل بقائها حيث هدمت وأعيد بنائها أكثر من خمسين مرة والعدد في تزايد.

أصحاب الأرض سلّموا للمحاكم الإسرائيلية وثائق توضح ملكيتهم وفلاحتهم للأرض عبر سنوات الانتداب البريطاني وخلال أربعة قرون من الحكم العثماني. حكمت المحكمة ضدهم. وقد استوحت حكمها من شهادة "خبيرها"، البروفيسور روث كارك، من الجامعة العبرية، التى أقرت، كما قال لي خبير آخر قام بالشهادة وهو البروفيسور أورن يفتاخيل، أنه "ليس ثمة فلسطينيين هناك. فقط رعاة أتوا من السعودية مع قطعانهم من أجل الرعي ثم رحلوا". مرّة أخرى فإن الخطة هي إعادة إحياء لخطة برافر العنصرية لتهجير عشرات الآلاف من البدو الفلسطينيين في المنطقة من أراضيهم والتي اسقطت وتمت هزيمتها مؤقتًا في يناير 2014 بسبب الاحتجاجات المحلية والعالمية ولكن من المرجح أنه سيتم إعادة ترويجها وتقديمها مرّة أخرى في زي مختلف.

تطوير سياسة العنصرية والفصل العنصري

باختصار فإن خطة الكانتونات إن تم تطبيقها ستسمح لـ 99 بالمئة من اليهود بالعيش في عشر مقاطعات يهودية تبلغ مساحتها 95 بالمئة من إسرائيل حيث يمكنهم سن قوانينهم الإقليمية في التعليم والصحة والدين والثقافة واللغة وما شابه. ومعهم يعيش 58 بالمئة (835,000) من المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل تحت قوانين يهودية صرفة.

وسيعيش 42 بالمئة فقط من الفلسطينيين (600,000) في مناطق فلسطينية (خمسة بالمئة من مساحة إسرائيل) حيث يمكنهم أن يديروا شؤنهم المحلية ومعهم أقل من 1 بالمئة من اليهود.

بمعنى آخر فإن أغلبية الفلسطينيين في إسرئيل اليوم سيبقون تحت الحكم اليهودي حتى في حقوقهم المدنية العادية. الفلسطينيون الذين يكونون 20 بالمئة من المواطنين في إسرائيل سيتم حصرهم في 2 بالمئة من مساحة إسرائيل في الجليل وثلاثة بالمئة في الجنوب.

خطة الكانتونات، بالتالي، فشلت في تحقيق هدفها المعلن: عزل الفئات المختلفة من المجتمع اليهودي في إسرائيل وتلك القادمة من خلفيات مختلفة لتخفيف الاحتكاك بينها. بالإضافة إلى ذلك تعمل الخطة على تهميش المواطنين الفلسطنيين وتقوية سياسات العنصرية والفصل العنصري الإسرائيلية  وستوقف تطورهم وتحصرهم في جيتو وسيتم حرمانهم من أرضهم الزراعية والدعم المادي والقوانين الديمقراطية، وسيتم قصرهم على كونهم عمالة رخيصة في المصانع الإسرائيلية.  والخطة هي واحدة من خطط كثيرة لتقسيم فلسطين. تبتلع مثل هذه الخطط المناطق الفلسطينية لفائدة المهاجرين اليهود، ابتداء من اللجنة الملكية عام 1937 إلى خطة التقسيم التي دعمتها الأمم المتحدة عام 1947 والتي تتعلق شرعية إسرائيل بطرف خيط منها.

ومن الجدير بالملاحظة أن الجليل، وأغلب اللواء الجنوبي وجميع مناطق غرب القدس (مقاطعة يهودا)، هي جزء من المنطقة المخصصة للعرب في خطة تقسيم الأمم المتحدة. في هذا السياق فإن معاهدة أوسلو هي آخر المحاولات الرسميّة لجعل المحتل مالكًا للأرض.

من الواضح أن خطة الكانتونات تهدف أن تكون الخطوة الأخيرة في تدمير فلسطين بشكل كامل، وهي تأتي في وقت تحولت فيه الضفة الغربية بشكل فعلي إلى عدة مئات من الكانتونات يحاصر فيها الفلسطينيين بحواجز وحوائط بينما يسيطر 650,000 مستوطن إسرائيلي مسلح، على ثلثيها.

إن النتيجة الحتمية لهذا المشروع هى تعزيز المقاومة الفلسطينية ضد السياسات العنصرية والفصل العنصري الإسرائيلي.

نهب أملاك الفلسطينيين 

الخطة بالطبع مشروع صهيوني. فهي تخرق القانون الدولي ليس فقط بحصر الفلسطينيين الباقين في أرضهم إلى الحياة داخل جيتو ولكن أيضًا لأنها تشمل أراض فلسطينية ضمتها إسرائيل بشكل غير قانوني وتم احتلالها فيما يتجاوز خط الهدنة عام 1949، وتضم مرتفعات الجولان السورية التي احتلتها إسرائيل عام 1967، والتي ضمتها بشكل غير قانوني عام 1981، بالإضافة إلى مناطق في فلسطين حصلت عليها/احتلتها إسرائيل في مخالفة لقرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن واتفاقية الهدنة عام 1949.

إن اعتراف بعض البلاد، الغربية في الأغلب، بإسرائيل هو بشكل أساسي اعتراف بالأمر الواقع. وفي داخل فلسطين التاريخية حددت مساحة إسرائيل بخط الهدنة عام 1949. وتقول المادة الثانية من اتفاقية الهدنة، بشكل واضح، إنه ليس لخط الهدنة أي قيمة قانونية، فهو لا يمنح ولا يمنع أي حقوق أو ادعاءات لأي من الطرفين على أي من جانبي الخط. وهذا المبدأ لا يزال ساريًا حتى اليوم. وليس لإسرائيل بالتالي أي حدود معترف بها.

وإن افترضنا أن استقلال إسرائيل معترف به من بعض البلاد فهذا لا يعني أن الأرض أو الممتلكات الواقعة تحت سيطرتها مملوكة بشكل قانوني لها. للملكية الخاصة حرمة لا يقلل منها الاحتلال أو مرور الوقت. وهذا ينطبق على أراضي وممتلكات اللاجئين الفلسطينيين ضحايا التهجير العرقي الإسرائيلي.

الملكية اليهودية للأراضي في فلسطين تحت الانتداب البريطاني كانت 1,429 كيلومتر مربع وهو خمسة بالمئة من فلسطين التاريخية أو سبعة بالمئة من إسرائيل اليوم. ما تبقى هو ممتلكات فلسطينية. وتتعامل خطة الكانتونات مع هذه الممتلكات الفلسطينية المصادرة (93 بالمئة من إسرائيل) وكأنها أملاك يهودية. ويتم تجاهل هذا الانتهاك للقانون الدولي في خطة الكانتونات. فهي تتعامل مع الأرض على أنها غنيمة حرب يمكن تقسيمها بين المهاجرين اليهود إلى فلسطين.

هل يمكن أن تنجح الكانتونات؟

لا يمكن أن يكون ثمة سلام بدون عودة الأرض إلى أصحابها الحقيقيين. يجب تطبيق حق العودة. اللاجئون الفلسطينون الذين يعيشون بلا وطن حتى الآن عددهم أكبر من 6.5 مليون.

يبين الجدول عدد السكان في المقاطعات المفترضة، بتاريخ منتصف 2008، في الأعمدة الأربعة التالية: إجمالي السكان الموجودين؛ اليهود؛ الفلسطينيون الباقون في إسرائيل؛ اللاجئون الفلسطينيون المسجلون مع الأنروا وغير المسجلين.

كما يبين الجدول المساحة الصافية للمقاطعات داخل الحدود الدولية لفلسطين التاريخية (أي باستثناء مرتفعات الجولان) ولكن بما في ذلك،  لأغراض هذا التحليل، تعدي إسرائيل على خط الهدنة منذ عام 1949، كي تتطابق مع مقاطعات إسرائيل الطبيعية.

بمجرد النظر إلى الخريطة رقم (2) والتي تبين 560 قرية تم تهجيرها (النقاط الحمراء)، منتشرة في فلسطين 1948، يتضح أن التقسيم الصهيوني في الخطة إلى 12 مقاطعة (2 منها فقط للفسلطينيين) هو مشروع عبثي.

 الخريطة (2): القرى المهجرة (النقاط الحمراء) في التقسيم المقترح لإسرائيل الحالية إلى عشر مقاطعات يهودية ومقاطعتين عربيتين.

 يستطيع اللاجئون الفلسطنيون العودة إلى ديارهم بدون إزاحة الكثير من السكان اليهود الموجودين. وقد تم القيام بدراسات موسّعة لإثبات إمكانية ذلك. وعلى عكس الادعاءات الإسرائيلية فقد بينت دراسة حديثة أن أراضي 249 قرية فلسطينية ليس بها يهود اليوم وأراضي 272 قرية أخرى تتضمن عددًا قليلًا من اليهود (أغلبهم كيبوتزات). ويترك هذا ثلاث مناطق فقط بها كثافة يهودية يمكن أن تصنف ككانتونات ذات سلطات يهودية إقليمية: مدينة تل أبيب الكبرى، منطقة حيفا، القدس الغربية. تحتاج القدس إلى معاملة خاصة كي تؤكد الوضع القائم للمواقع الدينية وحرمة الممتلكات الخاصة حسبما ورد في قرارات الأمم المتحدة التي تم انتهاكها الآن.

يمكن أن تتوفر لكتلة من الكيبوتزات في السهل الساحلي بين يافا وحيفا وعلى امتداد مرج ابن عامر الاستمرارية في التواجد مع سلطة إقليمية مناسبة. والخطة التفصيلية لذلك قيد التحضير. كانت هناك إعادة إحياء للاهتمام بحل الدولة الواحدة في السنوات الأخيرة على كل فلسطين التاريخية كحل وحيد عملي وقانوني لاستيعاب المهاجرين اليهود بين السكان الأصليين للبلاد دون عنصرية وصهيونية.

أيًا كان الحل النهائي، تبقى حقيقة أن لكل شخص الحق في الاختيار الحر في العودة إلى وطنه أو أرضه والحياة بحرية تحت حكم القانون. ليس هناك مكان للكلونيالية والعنصرية والفصل العنصري في عالمنا اليوم ويجب أن يزال هذا كله بلا عودة. الشعب الفلسطيني يبلغ تعداده اليوم 12 مليون، ثلثاهم من اللاجئين وذريتهم المباشرة التي طردت من بيوتها في ما هو اليوم يسمى بـ إسرائيل. ما يزال يعيش نصف الفلسطينيين على تراب فلسطين والبقية في طوق حوله، باستثناء حوالي مليون يعيشون في أماكن أبعد. إن كان هناك أي درس نتعلمه من العقود السبعة الأخيرة فهو أنه لن يسود السلام في المنطقة بدون عودة اللاجئين إلى ديارهم.

هذا، وهذا فقط، هو ما يجب أن يكون موضوعًا للاهتمام والدراسة والتطبيق.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب