هل حزب الله في حالة تردد؟

مقال رأي

يعد قتل إسرائيل هذا الأسبوع لستة من مقاتلي حزب الله وجنرال إيراني في غارة قامت بها طائرة هليكوبتر في سوريا هو أحدث وأجرأ هجوم من قِبل الدولة اليهودية ضد الحزب الشيعي في السنوات الأخيرة. وتعهد حزب الله بالرد، بل إن العديد من مؤيديه، الذين حثّوا على الرد بسرعة وبقوة، قد نصحوا إسرائيل "بإعداد ملاجئها". وإذا كان تاريخ ثلاثة عقود من المواجهات بين اسرائيل وحزب الله يمثل أي دليل، فإن هذا الأخير سيرد على الأرجح من أجل حماية مصداقيته. ولكن ذلك ليس أمرًا حتميًا. لقد بدّل الصراع السوري حزب الله، وحوله إلى ما يمكن وصفه بأنه عدو أكثر حذرًا من الدولة اليهودية.

إن حزب الله حزبًا ناجيًا. فمنذ تأسيسه في أوائل الثمانينيات، استمر رغم ثلاثة صراعات عسكرية عالية الكثافة مع إسرائيل، واغتيال عدد من كبار زعمائه، ورحيل الوجود العسكري السوري من لبنان في عام 2005، وأزمات سياسية كبيرة في بيروت. لقد سمحت السلطة والمال والأداوات التي وفرتها بصورة رئيسية إيران وسوريا، لحزب الله بأن يصبح الجماعة المهيمنة في لبنان، ولاعبًا رئيسيًا في السياسة العليا في الشرق الأوسط.

ولكن الأزمة السورية تتحدى الموقف المحلي والإقليمي لحزب الله. إذا سقط نظام الرئيس السوري، بشار الأسد، فإن حزب الله سيخسر داعمًا أساسيًا في بلد لعب دورًا تاريخيًا مهيمنًا في السياسة اللبنانية. والأهم من ذلك، أن سوريا هي الحليف الأقرب لإيران، وقد كانت طهران تجمع قواتها عندما طلبت من حزب الله ملأ الصفوف حول نظام الأسد. ولكن إذا سقطت سوريا، يمكن أن يفقد حزب الله مكانًا مهمًا وطريقًا لعبور الأسلحة من إيران وسوريا إلى لبنان. ولكن إذا رحل الأسد، أو زادت قوة خصومه الجهاديين، سيهدد حزب الله (ولبنان ككل) التعامل الوشيك مع التطرف السني ممثلًا في جماعات مثل الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش). لن يكتفي المتشددون السنة بالسيطرة على سوريا. بل إنهم سيسعون أيضًا للتوسع في لبنان لملاحقة الفزاعة الأهم بالنسبة لهم، متمثلة في حزب الله. بالفعل، لقد ضرب الجهاديون السنة أهدافًا تخص حزب الله فضلًا عن السفارة الإيرانية في لبنان، إلى جانب أماكن أخرى.

من خلال التدخل في سوريا لمساعدة الأسد، وضع قائد حزب الله، حسن نصر الله، حزبه على مسار تصادمي مع سوريا، بل والعديد من سنيي المنطقة المعتدلين والمتطرفين على حد سواء. في الواقع، على الرغم من التقدم العسكري لحزب الله في سوريا، كان المسلحون السنة قادرين على الوصول إلى عمق مجال نفوذ الحزب الشيعي والعبث به. الأهم من ذلك، إن نفس المتطرفين الذين كان يأمل نصر الله أن يحاربهم خارج لبنان، يمكنهم أن يحولوا لبنان إلى عراق آخر، البلد التي يحددها العنف الطائفي بين السنة والشيعة. إن حرب أهلية لبنانية أخرى ستكون إلهاءً كبيرًا عن النضال العسكري ضد إسرائيل.

يخاطر حزب الله أيضًا بحدوث نكسات عسكرية. لقد ردّ حزب الله بضرب الجيش الاسرائيلي من لبنان، مما اكسبه تقديرًا صحيًا من القادة العسكريين الإسرائيليين، وهو ما تفتقر إليه بشكل واضح قوات عسكرية عربية أخرى. في أي وقت، هناك ربما 5 آلاف جندي من حزب الله في سوريا، ولكن حزب الله يدوّر قواته بانتظام للحد من تأثير ذلك. وحتى مع ذلك، لقد بدأ التوتر في الظهور. وبسبب دوره الثقيل في سوريا، يستثمر حزب الله عسكريًا في إيران أكثر من أي وقت مضى. وفي سوريا، يساعد فيلق الحرس الثوري الإسلامي، "قوة القدس"، حزب الله بالقيادة والسيطرة والتدريب. كان أحد أسباب دخول الحرب رد الجمائل السابقة، ولكن هذه الخطوة قد جعلت حزب الله مرتبطًا بشكل أكثر إحكامًا بسيده الإيراني. وأخيرًا، يرى حزب الله أن لديه دورًا عسكريًا في لبنان بسبب سوريا. فعلى طول الحدود، تتعاون قواته بهدوء مع القوات المسلحة اللبنانية، تقوم بدوريات وحتى بزرع الألغام لمنع التسلل.

لقد أدى القتال إلى إرهاق وزيادة صلابة حزب الله على حد سواء. لقد أدت التجربة السورية إلى اختبار جنوده حربًا دموية، مما يجعلهم أكثر مهارة ويسمح لحزب الله باختبار قادته. وفي الوقت نفسه، فإن ارتفاع عدد القتلى والضغط المستمر أمر مرهق، ولا يمكن لحزب الله أن يحارب بسهولة خصمًا جديدًا. يختلف القتال في سوريا أيضًا عن محاربة إسرائيل: إن حزب الله، في جوهره، هو قوة مكافحة تمرد، يحارب متمردين أقل تنظيمًا، غير مدرّبين تدريبًا جيدًا، وثوارًا مسلحين بأسلحة خفيفة. لكن الجيش الإسرائيلي مختلف، وأكثر خطورة.

ونتيجة لذلك، فالتهديد العسكري من حزب الله لإسرائيل هو أمر غير مؤكد. إن مجموعة صواريخ حزب الله المتزايدة تضع إسرائيل كلها في خطر، على الرغم من أن نجاح "القبة الحديدية" نظام الدفاع الصاروخي يقدم للإسرائيليين بعض الراحة. ومع ذلك، فإن حزب الله ليس في مزاج لحرب شاملة مع إسرائيل. فذكريات الصراع الكارثي عام 2006 لا تزال حية، ونزيف الصراع السوري يجعل حزب الله أكثر حذرًا. على الرغم من أن إسرائيل أيضًا ليست مهتمة ببدء معركة واسعة النطاق، قد يندلع صراعًا اعتمادًا على الطريقة التي يختار حزب الله بها الرد على أحدث هجوم إسرائيلي مميت.

وعلى الرغم من دور حزب الله في الإرهاب، تتشارك الولايات المتحدة وحزب الله حاليًا في عدة مصالح وهو واقع يكرهه كلاهما وقد ينكرونه. إلا أن كلاهما في حالة حرب مع داعش، وكلاهما يريد دعم حكومة رئيس الوزراء العراقي، حيدر العبادي، في بغداد. حتى داخل لبنان، على الرغم من أن واشنطن تدعم خصومه السياسيين الضعفاء، فهي تعترف بأن حزب الله يساعد في بقاء البلاد متحدة، وأن أي توسع تقوم به داعش،  أو الانزلاق إلى الفوضى من شأنه أن يكون كابوسًا.

وهناك تحول طفيف يمكن أن يقلب الشك إلى الصراع. تركز الولايات المتحدة العمليات العسكرية في سوريا على داعش، وبالتالي فإنها تساعد نظام الأسد بشكل غير مباشر ، وهو حليف لحزب الله. ولكن إذا قررت واشنطن أن ترقى إلى مستوى خطابها المناهض للأسد وتحارب النظام السوري، فضلًا عن داعش، ستكون وقتها تحارب حزب الله أيضًا. وبالمثل، فإن حزب الله مقرب حاليًا إلى إيران أكثر من أي وقت مضى، وأي عمل عسكري ضد طهران بسبب برنامجها النووي قد يتسبب في رد فعل من حزب الله.

لا يزال حزب الله لاعبًا إقليميًا قويًا: حصان يلحق بإيران، ودعامة للنظام السوري. ومع ذلك، فإنه منهك أيضًا عسكريًا وسياسيًا، إلى جانب الموقف الدفاعي. لذلك، بقدر إيلام الخسارة التي عانى منها، لن يكون صادمًا إذا قرر حزب الله وقف اطلاق النار، أو على الأقل الحد من ردها.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب