أزمة البنتاجون

مقال رأي

 

كان هناك وقت، ليس ببعيد، كانت فيه ميزانية البنتاجون (وزارة الدفاع الأمريكية) للبحث والتطوير تدفع الاستثمار في التكنولوجيا في الولايات المتحدة. لكن ذلك لم يعد يحدث. اليوم، يقبع مهد الابتكار في وادي السيليكون، بينما وزارة الدفاع تكافح لمواكبته.

علم بيتر نيويل هذه الحقيقة قبل بضع سنوات، عندما كان مدير فرقة عمل الجيش المكلفة بالحصول على معدات جديدة للقوات في العراق وأفغانستان دون المرور عبر بيروقراطية وزارة الدفاع العادية. في عام 2012، جلس نيويل، الذي كان وقتها عقيدًا في الجيش، مع مدير تنفيذي بشركة جوجل في ماونتن فيو، كاليفورنيا، وناقشا مشكلة الطاقة التي كان نيويل يحاول حلها بكل ما يملك.

قال نيويل في مقابلة أجريت معه مؤخرا: "كانت بيننا مناقشة مهمة، طُرحت بها أفكار عظيمة، وفي النهاية قلت له ’كم سيكلفك أن تقوم بهذا وذاك؟’ لكن الرجل ضحك".

رسم المدير التنفيذي بجوجل نقطة على سبورة، ثم رسم دائرة كبيرة حولها.

وأشار إلى النقطة، ثم أخبر نيويل "هذه ميزانيتك. وماذا عن الدائرة الكبيرة؟ انها ميزانيتي. أنا لا أريد مالك. بل أريد مشكلتك".

وقتها فهم نيويل، فقد أدرك أن الكثيرين في وادي السليكون يلهثون وراء التحدي المتمثل في علاج مشكلة شائكة محددة، وليس فقط وراء المال الذي يمكن أن يكسبوه بذلك.

قال نيويل إن في وادي السليكون "تمثل المشاكل العملة المتداولة". وأضاف أن المشكلة هي أن وزارة الدفاع تقوم "بعمل سيء"، في توضيح تلك التحديات إلى العقول النيرة التي من المرجح أن تكون الأكثر حماسا في محاولة حلها.

وحيث أن البنتاجون على وشك الحصول على وزير دفاع مهتم بالطاقة الفكرية في وادي السليكون، يأمل أناسا مثل نيويل أن يستطيع أشتون كارتر أن يجبر وزارة الدفاع على تطوير نفسها من حيث تحديد مشاكلها وجذب الأشخاص المناسبين لاصلاحها، سواء من داخل أوخارج صناعة الدفاع. وسيكون ذلك تحولا صعبا بالنسبة للبنتاجون المعتاد على قضاء سنوات في تصميم وتقديم عطاءات أنظمة أسلحة جديدة ويمضي عقودا في بنائها بالفعل، ولكن على ذلك أن يحدث إذا أراد الجيش أن يحافظ على تفوقه التكنولوجي.

أما كارتر، نائب وزير الدفاع السابق، فهو أيضا أكاديمي حاصل درجة البكالوريوس في الفيزياء وفي تاريخ العصور الوسطى من جامعة ييل. فهو يفهم كيف أن نظام الاستحواذ في وزارة الدفاع معطوبًا، لكن كارتر أيضا متآلف مع طرق وأعراف وادي السيليكون. فقد عاون ويليام بيري، الذي شغِل منصب وزير الدفاع في عهد الرئيس بيل كلينتون وقضى معظم حياته المهنية في وادي السيليكون، حيث عمل في شركات التكنولوجيا الفائقة وقام بالتدريس في جامعة ستانفورد. وبينما كان يتولى منصب نائب وزير الدفاع، سافر كارتر إلى وادي السيليكون مع بيري، والتقى الرجلان مع كبار المديرين التنفيذيين وتجولوا في شركات التكنولوجيا الفائقة مثل بلوم إنرجي وأكويتاس.

ليست تلك علاقته الوحيدة بوادي السيليكون. فقد تخلى كارتر عن منصبه كنائب لوزير الدفاع في ديسمبر عام 2013. وخلال العام الذي قضاه بعيدا عن وزارة الدفاع، مد جذوره في قلب اقتصاد التكنولوجيا الفائقة في ولاية كاليفورنيا. لقد حصل على 50 ألف دولار من جامعة ستانفورد، حيث كان يعمل زميل زائر ومحاضر، وفقا للإقرارت المالية المقدمة إلى مجلس الشيوخ. وكان أيضا مستشارا في شركة مشاركة الملفات "فيرم بوكس" وعضوا في المجلس الاستشاري في شركة أمن الشبكات "بالو ألتو نت ووركس". كما هي العادة، إذا تمت الموافقة على كارتر من قِبَل مجلس الشيوخ هذا الأسبوع كما هو متوقع، سيتنحى عن هذه المناصب، لكن ارتباطاته مع الوادي بالتأكيد سيكون لها تأثيرا على عمله كوزير للدفاع.

ورفض متحدث باسم فريق انتقال كارتر التعليق على المقال.

إن بيري وكارتر "بين عدد قليل من وزراء الدفاع الذين يفهمون بالفعل البرامج التكنولوجية الذين يصدرون قراراتهم حولها"، بحسب قول كوري شاك، وهي زميل باحث في معهد هوفر، وقد عملت بين موظفي مجلس الأمن القومي وفي البنتاجون. شاك تكتب أيضا في مجلة فورين بوليسي.

هذا أمر حيوي بالنسبة للبنتاجون الذي يحاول مواكبة الوتيرة السريعة لتغير التكنولوجيا، وأن يواكب المنافسين الذين لديهم سهولة الوصول إلى التكنولوجيا التجارية. إن العثور على مقاول دفاع الجيل القادم الذي يفهم ويمكن أن يساعد في الدفاع ضد التهديدات الجديدة، سيكون أمرا حتميا بالنسبة لكارتر وكبار مساعديه.

من المرجح أن يكون أقرب حلفائه في تلك المعركة هو نائب وزير الدفاع بوب وورك ورئيس الاستحواذ في البنتاجون فرانك كندال، وكلاهما ملتزمان أيضا بتغيير طريقة تطوير وشراء البنتاجون للتكنولوجيا.

وبجانب هذا الثلاثي، فهناك القيادة الجديدة في الكونجرس، حيث يقول النائب ماك ثورنبيري، الرئيس الجمهوري الجديد للجنة القوات المسلحة في مجلس النواب، والسيناتور جون ماكين، الرئيس الجمهوري للجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ، أنهم يريدون أيضا تحسين كيفية مباشرة وزارة الدفاع للأعمال.

في جلسة تأكيد تعيين كارتر الأسبوع الماضي، انتقد ماكين كيف يتم إهدار الموارد في وزارة الدفاع على مر السنين، ضاربا المثل بأنظمة القتال المستقبلية التابعة للجيش، والتي ألغاها وزير الدفاع روبرت جيتس في عام 2009 بعد أن تم إنفاق 20 مليار دولار، ومقاتلة الهجوم المشترك F-35، والتي قفزت تكلفة بحوثها، وهندستها، وبناءها من حوالي 220 مليار دولار مقابل 2800 طائرة إلى 330 مليار دولار لشراء عدد أقل بمقدار 400 طائرة.

ولكن مع وجود كارتر، وورك، وكندال على رأس وزارة الدفاع ومع قادة متقبلين في الكونجرس، يمكن أن تشهد السنوات الأخيرة من رئاسة أوباما تغييرا يحتمل أن يكون طويل الأمد في الكيفية التي تطور بها وزارة الدفاع الأمريكية وتبني وتشتري الأسلحة خلال حقبة تشهد تقلص لميزانيات الدفاع.

وصرح كارتر للجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ الأسبوع الماضي أن تلك أولوية قصوى بالنسبة له. قبل أن يصبح نائب وزير الدفاع، تولى كارتر منصب رئيس قطاع شراء السلاح في وزارة الدفاع، وكانت تلك الوظيفة كثيرا ما تتسبب في إحباطه.

قال كارتر للجنة خلال جلسة المصادقة على تعيينه: "إن التجربة التي كنت أمر بها في كثير من الأحيان في محاولة لدعم العراق وأفغانستان – بوصفي مدير تنفيذي للاستحواذ- أنه عندما تقول القوات إنها بحاجة لشيء، يميل الرد للبيروقراطي أن يكون: ’أوه، نحن نصنع واحدة من هذا النوع، أو، لدينا واحدة، سيتم الانتهاء منها في غضون 10 سنوات."

قال كارتر إن هذه العقلية من مخلفات الحرب الباردة، عندما لم تكن السرعة مهمة. أما اليوم، فتلك الوتيرة لا تفي بالأمر،  خاصة وأن للبلدان الأجنبية يمكنها الاستفادة من قاعدة التكنولوجيا العالمية لدفع الجيوش الخاصة بها إلى الأمام.

"على جيشنا التقدم بشكل اسرع"، بحسب قول كارتر خلال جلسة الاستماع التي تميزت بكثير من الثناء من الحزبين، مما يضمن له مسارا سهلا في مجلس الشيوخ.

ومن يتقدم أسرع من وادي السليكون؟

عندما كان وليام لين نائبًا لوزير الدفاع، لاحظ أن البنتاجون استغرق 81 شهرا للحصول على نظام كمبيوتر جديد، في حين أن شركة أبل استغرقت 24 شهرا لتطوير الآي فون. وكل عام، تصنع الشركة نسخة محدثة مع قدرات إضافية وعتاد أفضل - عادة بنفس السعر وأحيانا أقل.

يشغل لين الآن منصب الرئيس التنفيذي لشركة DRS للتكنولوجيا، وهي شركة مقاولات دفاعية تقليدية، لكنه لا يزال قلقًا من أن الجيش الامريكي سيفقد تفوقه التكنولوجي ما لم يستغل الابتكار الجاري في وادي السليكون.

في مقال نُشر في فورين آفيرز في نوفمبر بعنوان "نهاية المجمع العسكري الصناعي"، وصف لين كيف أن وادي السليكون لا يحتاج مال البنتاجون، وهو الدرس الذي تعلمه بيتر نيويل خلال اجتماعه مع جوجل.

وأشار لين إلى أن القيمة السوقية لجوجل التي تساوي تقريبا 400 مليار دولار توازي أكثر من ضعف القيمة السوقية لشركات جنرال دايناميكس، ونورثروب جرومان، ولوكهيد مارتن، ورايثيون، مجتمعين. "قد لا تحتاج جوجل إلى عقود وزارة الدفاع، ولكن البنتاجون يحتاج علاقات أكثر وأفضل مع شركات مثل جوجل. فقط القطاع الخاص يمكنه أن يوفر هذا النوع من التكنولوجيا المتطورة التي أعطت القوات الامريكية تفوق واضح على مدى السنوات السبعين الماضية ".

تجنيد وادي السيليكون للمساعدة في القتال في حروب المستقبل لن يكون سهلا، ومن أسباب ذلك المناخ التنظيمي الذي يخيف الشركات الجديدة وثقافة خفض التكاليف داخل وزارة الدفاع والتي أدت إلى عدم السماح للضباط بالسفر عبر البلاد للقاء مخترعي التكنولوجيات الجديدة.

وقال بن فيتزجيرالد، مدير برنامج التكنولوجيا والأمن القومي في مركز الأمن الأميركي الجديد: "هناك فرصة نظرية لشركات الساحل الغربي المبتدئة لمساعدة وزارة الدفاع في تحديات الابتكار التي تواجهها، وستحب الوزارة ذلك، إلا أن هناك عدد قليل جدا من الحوافز التي تدفع تلك الشركات الناشئة للمشاركة".

وأشار فيتزجيرالد إلى أن الطريقة التي تستخدمها وزارة الدفاع الأمريكية لتطوير التكنولوجيا الجديدة "تتميز بالكثير من الحرص والسيطرة على مدى فترة طويلة من الزمن، مع جعل تخفيف المخاطر أولوية قصوى". أما الشركات الجديدة، وأصحاب رؤوس الأموال الذين يقفون وراءها، فهي على النقيض من ذلك، "تترك مجالا كبيرا للمخاطرة"، ويعرف المستثمرون الذين يدعمون شركات التكنولوجيا الفائقة أنهم قد يفشلون عدة مرات قبل أن ينجحوا نجاحا كبيرا.

قال فيتزجيرالد "لن تكون وزارة الدفاع أبدا قادرة على القول لدافع الضرائب أنه ’من بين ميزانية البحث والتطوير الخاصة بنا والتي تبلغ 60 مليار دولار، هناك 50 مليار لم تفلح، لكن العشر مليارات الباقية حققت نجاحا كبيرا".

بالإضافة إلى تلك الفجوة الثقافية، لا تسيطر على شركات وادي السيليكون الجديدة نفس القوانين واللوائح التي تنظم لمن يمكنهم بيع وكيفية إدارة الملكية الفكرية الخاصة بهم كما هو الحال بالنسبة لمقاولي الدفاع التقليديين.

تقول شاك: "إذا كنت تعمل على هندسة الروبوتات ولا يمكنك بيعها إلى السوق الصينية، على سبيل المثال، سيكون ذلك تثبيطا كبيرا لكثير من شركات الروبوتات".

بسبب هذه الأسباب فشركة مثل أبل توافق على أن تشتري وزارة الدفاع منتجاتها من السوق، لكنها ليست مهتمة ببناء شيء حصري للجيش. يقول فيتزجيرالد: "انها ليست سوقا يستحق العناء بالنسبة لهم".

ثم هناك ما يدعوه سيليكون فالي "وادي الموت"، وهو الوقت بين الإتيان بفكرة قابلة للتطبيق ونقلها إلى السوق.

يضيف فيتزجيرالد "في وزارة الدفاع، فهذا الوادي كالأخدود العظيم."

تلك المشكلة مألوفة جدا بالنسبة لنيويل. فمنذ تقاعده من الجيش، أصبح شريكا إداريا في BMNT بارتنرز، وهي شركة استشارية تحاول توصيل مشاكل الحكومة إلى شركات التكنولوجيا المناسبة التي يمكنها حلها.

قال نيويل أنه كان قد تلقى للتو رسالة عبر البريد الالكتروني من شخص ما في الجيش يشعر بالاحباط بسبب الرد الذي تلقاه على طلبٍ للحصول على معلومات  نشره على FedBizOpps.gov.

"سيكون علي أن أقول له أن الشركات التي تبحث في هذا الشيء ستقول: ’لماذا علينا أن نهتم.’ انهم لا يكترثون بمناقشة مفهومة للمختصين فقط حول ما يمكن أن يحدث بعد ثلاث سنوات. هذه مجرد مضيعة للوقت". حسبما قال ليونيل.

ويضيف إنهم في البنتاجون "يصنعون قواعد مصممة لتوفير عشرة سنتات، فينتهي بهم الأمر وهم يهدرون مليون دولار خلال تلك العملية".

وهذا هو ما يحبط شركات مثل بالانتير وسبيس اكس، وهي شركات تكنولجية تعمل في كاليفورنيا، وتحاول كسر حواجز ممارسة الأعمال التجارية مع وزارة الدفاع.

كلا الشركتين تصوران أنفسهمها على أنهما الشركة الصغيرة التي تأتي من الخارج لتقف أمام الشركات الكبيرة الراسخة في مجال الدفاع وفي البنتاجون. ليس من المستغرب أن الأمور قد أخذت منحنى سيء بعد فترة.

تقول شاك: "تميل شركات وادي السيليكون إلى أن تكون أكثر حدة في المنافسة. إن معظم شركات الدفاع لا تلعب المباراة بقوة لأنه ستكون هناك جولات مقبلة".

في الشهر الماضيوافقت (سبيس اكس)، التي أسسها الملياردير إيلون ماسك، على إسقاط دعواها لنقض تخصيص القوة الجوية عقد وحيد المصدر إلى يونايتد لاونش ألايانس، وهي مشروع مشترك بين شركة بوينج وشركة لوكهيد مارتن.

قال "ماسك" انه كان راضيا عن الخطوات التي نفذها سلاح الجو لتحسين المنافسة في سوق اطلاق الاقمار الصناعية العسكرية. ولكن قبل الوصول إلى هذا الاتفاق، شكك ماسك في نزاهة مسؤولي الاستحواذ في سلاح الجو، قائلا أن قراراتهم قد شكلتها رغبتهم في الحصول على وظيفة في المستقبل مع بوينج أو لوكهيد، وهو الأمر الذي لم يلق استقبالا حسنا من قبل سكريتيرة سلاح الجو ديبورا لي جيمس.

وقالت في مؤتمر صحفي عُقد في يناير: "اعتقد ان هذه تصريحات مؤسفة إلى حد ما. لا أعرف من الذي يعينيه بحديثه".

وتواكب "بالانتير" أيضا نظام مخابرات الجيش الذي يقدر بمليارات الدولارات ويسمى نظام الأرضية الموزعة المشتركة (DCGS)، الذي بنته مجموعة من المقاولين الكبار، بما في ذلك رايثيون، نورثروب جرومان، لوكهيد مارتن، وجنرال ديناميكس.

تشن الشركة، التي أُنشئت من خلال مزيج من تمويل وكالة الاستخبارات المركزية ومن استثمارات أصحاب رؤوس الأموال بوادي السيليكون، حملات قوية على الكونجرس وفي وسائل الإعلام للاطاحة بنظام الأرضية الموزعة المشتركة التي تقول بالانتير أنه أقل شأنًا من البرامج الخاصة بها.

كلا الشركتين "تريدان زعزعة الأمور وجعلها أفضل وأكثر فاعلية من حيث التكلفة بحسب قول فيتزجيرالد، ولكن لا يمكن تجاهل المليارات من الدولارات التي استثمرتها الولايات المتحدة بالفعل في التقنيات الأخرى.

يقول فيتزجيرالد:"ليس لدينا حل واضح لهذه المشكلة حتى الآن، ولكن المحصلة هو أن وزارة الدفاع عليها أن تعرف كيفية خلق بيئة مناسبة لتلبية احتياجاتها، لأنها لن تحصل على ما تحتاج إليه بطريقة خلاف ذلك".

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب