استراتيجية الأمن الأمريكية تعكس عالما متغيرا

أخبار

للمرة الأولى منذ خمس سنوات تقريبا، أصدر البيت الأبيض استراتيجية الأمن القومي الجديدة التي تشرح وجهة نظر القيادة الأميركية في عالم تتقاسم فيه التهديدات الإرهابية وسياسات القوة العظمى بالتساوي التهديدات أمام الأمن الوطني.

وتأتي الاستراتيجية الجديدة بينما تدخل إدارة أوباما السنتين الأخيرتين لحكمها وتستعد لتسليم إرث السياسة الخارجية للمرشح الديمقراطي المقبل لمنصب الرئيس.

وتلك الاستراتيجية التي صدّق عليها الكونجرس لم تكن لتختبئ وراء نسخة مايو 2010 التي انتهى زمنها بشكل بائس، والتي صدرت قبل أشهر فقط من سلسلة من الأحداث المزلزلة التي غيرت التفكير في الأمن القومي الأميركي.

في أوائل عام 2010، لم يكن الربيع العربي قد اشتعل بعد في عواصم الدول الكبرى في الشرق الأوسط، وكانت روسيا لا تزال على بُعد سنوات من ضم شبه جزيرة القرم وبداية حربها بالوكالة في شرق أوكرانيا، كما أن الهجوم الدموي على القنصلية الامريكية في بنغازي كان لا يزال على بُعد عامين، وما أصبحت الآن قيادة شبكة الدولة الإسلامية الإرهابية، لم تكن سوى عصابات صغيرة متباينة من الإسلاميين والبعثيين العراقيين دون هدف مشترك، ولم  يعرف من هو كان كيم جونغ أون سوى عدد قليل، ناهيك عن أن يكونوا مستعدين لوصوله إلى السلطة في كوريا الشمالية في عام 2011 .

يقول جوليان سميث، مدير برنامج الاستراتيجية وفن الحكم في مركز الأمن الأميركي الجديد (CNAS) "من الواضح تماما أن عليهم أن يعترفوا بأن الوضع الأمني قد تغير كثيرا" منذ عام 2010.

وقال سميث "لقد عادت سياسات القوة العظمى" مشيرا إلى أن واشنطن تكافح لتلبية المطالب الجيوسياسية لسياسة خارجية روسية وصينية تتميز بفرد العضلات ، كما أنها تعد لدور قيادي قوي للولايات المتحدة في تجميع مجموعات من الدول للعمل بشكل جماعي في المجالات الدبلوماسية والاقتصادية والعسكرية من أجل تخفيف العبء عن واشنطن لتبذل دمائها وثرواتها  في حراسة الاهتمامات المشترك للعالم.

وفي حين إن الادارة الأمريكية بالغت في وثيقة عام 2010 في يقينها بالانسحاب القادم من العراق، وتزايد القوات المؤقت في أفغانستان، فقد تغيرت الأحداث إلى حد كبير في السنوات الخمس التي تلت ذلك.

هناك حوالي 3100 جندي أمريكي أُرسِل مؤخرا إلى العراق للمساعدة في تدريب وتجهيز قوات الأمن المحلية، في حين أن الالتزام الأميركي بالانسحاب من أفغانستان تم تعطيله مؤخرا عند مستوى 10600 جندي، في طريقهم إلى أن يصبحوا حوالي 5000 بحلول نهاية هذا العام.

وعلى الرغم من نشر الجنود الذي لا يزال عالقا هناك،  والضربات الجوية للولايات المتحدة وحلفائها التي بلغت 2200 ضربة في العراق وسوريا منذ أغسطس الماضي – قامت الطائرات الأمريكية بـ 1800 منها- يكتب الرئيس باراك أوباما في وثيقته الاستراتيجيته الجديدة "اننا تجاوزنا الحروب البرية الكبيرة في العراق وأفغانستان التي شكلت الكثير من السياسة الخارجية الأمريكية على مدى العقد الماضي."

وقال سميث عن إدارة أوباما: "ليس هذا هو المشهد الأمني الذي كانوا يعتقدون أنه سيتوفر أمامهم في خلال ست سنوات ." فالاعتراف بأن العراق وأفغانستان لا تزالا مناطق متنازع عليها "هو اعتراف صعب بالنسبة لهم، لكنهم يجب أن يعترفوا أنهم لا يزالون متورطين" في إيجاد حل لكلا المشكلتين.

هناك فارق كبير عن وثيقة عام 2010، وهو اللهجة التي تنتهجها الإدارة في تعليقاتها حول روسيا. في عام 2010، كان البيت الأبيض ما زال يعمل ويبني نوعا من الشراكة مع موسكو، أما الوثيقة الجديدة فقد اشارت إلى الجدية التي ينظر بها البيت الابيض لأفعال روسيا خلال العام الماضي.

فكتبت الادارة: "إن انتهاك روسيا لسيادة وسلامة أراضي أوكرانيا - وكذلك موقفها العدائي تجاه الدول المجاورة الأخرى- يهدد المعايير الدولية التي كانت قد أصبحت أمرا مفروغا منه منذ نهاية الحرب الباردة."

ولكن الشيء الوحيد الذي نجا – بل وتم تضخيمه- من الوثيقة السابقة هي قوة التحالفات والدور الذي يجب أن تلعبه الولايات المتحدة في تجميع تحالفات لمواجهة الإرهابيين، والمعتدين من غير الدول، والامتداد الكبير للقوة والجهود الإنسانية في جميع أنحاء العالم.

بعبارةٍ أخرى، إن سعي إدارة أوباما لمدة ست سنوات للتأكد من أن حلفاءها يبرزون لتقاسم عبء حماية احتياجات الأمن الإقليمي الخاص بهم لن يضيع هباء.

وأضاف سميث: "سيظل هذا محورا رئيسيا بالنسبة لهم، بسبب التركيز الزائد حول كيف أن قيادة الولايات المتحدة لا غنى عنها في العالم."

ولكن هناك بعض الأسئلة الحقيقية حول مدى إمكانية وثيقة - أو أي استراتيجية أمن قومي- أن تعبر في الواقع عن بعض الشواغل الأمنية الوطنية. كما قال أنتوني كوردسمان من مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، تصدر الوثيقة بعد أربعة أيام فقط من إصدار الإدارة "للتو لوثيقة حقيقية حول الدفاع الوطني تسمى ميزانية FY16 ... كيف تتناسب هذه مع تلك أو العكس؟"

قالت مستشارة الأمن القومي سوزان رايس في حديثها في معهد بروكينجز يوم 6 فبراير لتقديم الاستراتيجية، إن وثيقة الاستراتيجية أكبر من ذلك. "إنها استراتيجية لتعزيز أسس قوة أميركا في الأساس – سواء كانت قوة سياسية أواقتصادية أوعسكرية- وللحفاظ على القيادة الأمريكية في هذا القرن الجديد."

وأضافت أن الوثيقة هي "خطة لما نعتزم القيام به" خلال العامين الأخيرين للإدارة. "من إضعاف [الدولة الإسلامية] ومعارضة العدوان الروسي، إلى ترك عالما يمكنه مواجهة مخاطر تغير المناخ والمرض وراءنا، والتهديدات السيبرانية والفقر المدقع، بشكل أكثر فاعلية."

وحيث أن معارك الدفاع واستحقاق الإنفاق تقعان على رأس جدول الأعمال في الأشهر المقبلة للكونجرس الذي يسيطر عليه الجمهوريون، المعاديون بشكل علني لحدس الرئيس الخاص بالسياسة الخارجية، فمن المرجح أن تحتاج إدارة أوباما إلى الاعتماد على تلك التحالفات الدولية التي أثنت عليها للغاية من اجل دفع أجندتها العالمية للأمام.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب