الحرب العالمية داخل الإسلام

مقال رأي

في أعقاب الغزو الأمريكي للعراق كتب نورمان بودهورتز، وهو مناظر من المحافظين الجدد ومحرر مجلة كومنتري، مقالة مطوّلة يقول فيها إن المعركة ضد التطرف الإسلامي ترقى إلى أن تكون "الحرب العالمية الرابعة". لدى بودهورتز ميل لصك الألفاظ الأبوكلبتية، لكن العديد من المعلقين - على اليمين واليسار معًا - استوعبوا أن الهجمة الصادمة للقاعدة على الأراضي الأمريكية كانت افتتاحًا لدورة من الحرب بين الغرب و"الفاشية الإسلامية" كما أسماها كريستوفر هتشينز. انحسر هذا المزاج عندما فشل الإرهابيون في شن هجمات مذهلة مماثلة (على الأقل في الولايات المتحدة) ومع الفشل القبيح للحرب في العراق ضاعت حماسة الكثير من المقاتلين من على الأريكة لمعركة حتى الموت بين الإسلام الراديكالي والغرب.

لكن فجأة بدأ تشبيه الحرب العالمية لا يبدو بهذا القدر من المبالغة. إنشاء ما سُمي "خلافة" في قلب العالم العربي وقتل مجموعة من رسّامي الكاريكاتير في قلب أوروبا جعل الإسلام الراديكالي يبدو أكثر فاعلية وأكثر قوة وتهديدًا عن ما كان عليه عندما كانت الحركة تحت قيادة حفنة من رجال الكهوف. حتى بعض الواقعيين الذين كان من الممكن أن يهزأوا من دعوة بودهورتز لحمل السلاح - والذين كان من الممكن أن ينفروا من فرضية أن الحرب الباردة هي الحرب العالمية الثالثة - يعتقدون الآن أن الغرب في خطر. مؤخرًا، كتب جورج فريدمان، المحلل الكسنجري الذي يدير شركة للاستخبارات الدولية تدعى سترتفور، أن "حربًا بين عالمين" - الإسلام والمسيحية - قد بدأت. ووصف أرون ديفيد ميلر من فورين بوليسي، وهو متشكك في المغامرات الخارجية الكبرى، الصراع مع التطرف الإسلامي بأنه "صراع أجيال" و"حرب طويلة".

لا أجد هذه اللغة مثيرة للتهكم. إن نفي الإسلام المتطرف لأولوية بالنسبة إلى الاختيار الحر في المجال العام المعلمن، بالإضافة إلى أن استعداد عدد كبير من الناس لقتل آخرين ولتقل أنفسهم من أجل تدمير هذه الطريقة من الوجود يشكل تحديدًا أساسيًا للغرب. مع ذلك فإن مجاز صراع الحضارات يقودنا خطأ إلى الاعتقاد بأننا نستطيع أن نفعل ويجب أن نفعل ما لا نستطيع أن نفعله وبالتالي ما لا يجب أن نفعله.

ما هو نوع "الحرب العالمية" التي نجد أنفسنا بداخلها الآن؟ إن الحرب العالمية الوحيدة في القرن التاسع عشر، والتي دارت بين فرنسا وإنجلترا في العقود التالية على الثورة الفرنسية، كانت - بالرغم من ادعاءات فرنسا الجمهورية - صراعًا كلاسيكيًا على السيادة بين القوى العظمى. وقد كانت الحرب العالمية الأولى آخر تلك الصراعات الجيوسياسية وليست الأيديولوجية. وقد عجلت الأيديولوجيات الشمولية التي تسعى إلى التمدد في أنحاء الكوكب بالصراع العالمي. وبالرغم من أن كل من الصراع ضد الفاشية والصراع ضد الشيوعية  كانا عالميين في انتشارهما الجغرافي إلا أنها كانت حروبًا بين مفاهيم ليبرالية وأخرى مضادة لليبرالية بقوة حول كيفية ترتيب المجتمع الغربي.

يمثل التطرف الإسلامي الموقف المعاكس تمامًا - حرب داخل حضارة غير غربية استولت على الغرب واستهلكته. لم يظهر أن هذا هو الحال في بداية الأمر. قبل القاعدة بوقت طويل استهدف متطرفون إسلاميون قوات المرينز الأمريكية في لبنان وشركات الطيران الأوروبية والأمريكية والمعابد والمؤسسات اليهودية. لكن هجمات 11 سبتمبر وخطاب أسامة بن لادن نفسه أعطوا لبودهورتز أسبابًا كثيرة جيّدة للاعتقاد بأن الإسلام الراديكالي قد أعلن الحرب على الغرب. استمر هذا الخطاب وتلك الأساليب إلى اليوم في صورة الهجمات على تشارلي إيبدو والمخططات المضادة للولايات المتحدة التي ظهرت في اليمن والفوضى التي أطلقها الإرهابيون في لندن ومدريد ومدن أخرى. تشكل العواصم الغربية قلاع النظام العلماني الذي أقسم الجهاديون لأنفسهم على تدميره، وبالنسبة للإرهابيين الذين يعيشون في الغرب فإن هذه المدن ومواطنيها هم أهداف جاهزة.

لكن حتى إذا قلنا إننا قد دخلنا في حرب بين المتطرفين الإسلاميين والحداثة فإن مركز هذا الصراع ينتقل من الغرب للعالم الإسلامي نفسه، وهنا تكمن أهمية صعود وانتشار الدولة الإسلامية.

تشكل "الخلافة" في إيران وسوريا تهديدًا جادًا جدًا للغرب وتحديًا وجوديًا للأنظمة الإسلامية في المنطقة. ترى الدولة الإسلامية كما القاعدة أن الدولة الحديثة غزوًا غربيًا غريبًا على الإسلام، لكن على عكس القاعدة خلقت الدولة الإسلامية بالفعل نموذجًا مغايرًا يعكس تقاليدًا إسلامية سابقة على الحداثة. لقد امتدت "ماركة" الدولة الإسلامية بسرعة مدهشة - إلى ليبيا ونجيريا وأفغانستان، وحتى إذا لم تمثل تلك المجموعات الجديدة غير بضعة إرهابيين وعلمًا أسود إلا أن الرغبة في تغطية النفس بهذا العلم تشهد على القوة الكبيرة لفكرة إنشاء دولة إسلامية "صرف" داخل ما يدعي بالعالم الإسلامي الفاسد.

لذا فقد أعطت هجمات 11 سبتمبر الانطباع الخادع بأن صعود التطرف الإسلامي كان "يدور حول" الغرب، الامر الذي يستدعي أن يخوض الغرب حربًا أخرى كي يهزمه. لكن التطرف الإسلامي يدور حول الإسلام وحول الأنظمة التي تحكم باسم هذا الدين. من الصعب تصور أن يفقد السرد المتطرف جاذبيته ما لم تكتسب الأنظمة العربية شرعية حقيقية في أعين مواطنيها. على النقيض فإن فعل إنشاء دول انتقالية، مثلما فعلت الدولة الإسلامية، قد يعرض الأيديولوجيا الجهادية لتوقعات عن فاعليتها لا يمكنها أن توفيها فتنهار الرؤية الراديكالية بتناقضاتها كما حدث مع الشيوعية.

هناك الكثير جدًا يمكن ويجب وسيفعله الغرب للدفاع عن نفسه من التبعات الرهيبة لهذا الصراع داخل حضارة أخرى. الكثير من هذا سيأتي تحت عنوان "حماية الوطن" – أعمال شرطية واستخباراتية وأمن أوسع وما شابه. البعض سيتضمن إعادة التفكير في السياسات الوطنية بخصوص معاملة المهاجرين المسلمين، والبعض - ولكن ليس الكثير - سيتضمن استخدام القوة في الخارج. لا تستطيع الولايات المتحدة ولا أوروبا السماح للدولة الإسلامية بتقوية سيطرتها على الأراضي كما لا تستطيع ذلك الدول المجاورة. سيكون من العبثي المراهنة على أن دولة ما، تضم متطرفين من الغرب البعيد، لن تسعى لتمدير الأنظمة الإسلامية الأخرى وقتل من تعتقد أنهم زنادقة. القتال الفعلي لن يقوم به عراقيون وسوريون وقوات محلية أخرى.

الغرب قادر على الدفاع عن نفسه ولكن ليس هناك الكثير الذي من الممكن أن يفعله لتغيير شروط القتال. إن كنا بالفعل نواجه حربًا حضارية داخل حضارة آخرين فإن العديد من الأدوات التي استخدمناها خلال الحرب الباردة سيثبُت أنها غير ذات جدوى. في السنوات الأولى للصراع الطويل ضد السوفيت، اشتبكت الولايات المتحدة بحملة دبلوماسية جماهيرية ضخمة وسرية وعلنية تم تصميمها لتبين تفوق الرأسمالية الديمقراطية على الشيوعية. سعى الرئيس جورج دبليو بوش لإحياء هذه المجهودات بعد 11 سبتمبر مباشرة وعيّن شارلوت بيرز، الشخصية الشهيرة في ماديسون افنيو، كي تطوّر "رسائل" للعالم الإسلامي. كانت مقاطع بيرز التلفزيونية التي تهلل فيها لمعاملة أمريكا للمسلمين باحترام تلقى سخرية في العالم العربي وسرعان ما توقفت. وقد اعترفت لاحقًا أن أمريكا يجب ألا تتوقع أن تكسب قلوب وعقول العرب. لم يقم خليفته بوظيفة أفضل. يعمل مكتب الرئيس باراك أوباما للدبلوماسية العامة بشكل جاد على إدارة تغريدات مضادة للدولة الإسلامية لتكون مقابلة للتغريدات غير المنسقة وواسعة المدى المؤيّدة للدولة الإسلامية - ليس لأن الولايات المتحدة ليست ماهرة في الدبلوماسية العامة، لكن لأن عددًا قليلًا من الجمهور المستهدف سيستمع إلى الأمر.

أحد الانتقادات الشائعة للدبلوماسية العامة هي أن العمل هو ما يهم وليس الكلمات. الحديث المرح حول السماحة الأمريكية لا يعني شيئًا بينما الولايات المتحدة تعذّب المعتقلين المسلمين وتحتجزهم في غوانتنامو. أعلن أوباما، في أول يوم له في مكتبه، أن الولايات المتحدة ستبتعد عن التعذيب. وقد ألقى خطبة كبرى في القاهرة وعد فيها "ببداية جديدة" في العلاقات بين الولايات المتحدة والعالم العربي مبنية على "المصالح المشتركة والاحترام المتبادل". وكتدريب على التأثير على الرأي العام العربي لا يبدو أن ذلك كان أكثر فاعلية من إعلان مرح. من الجيد ممارسة التجربة الإضافية بإغلاق غونتنامو، أحد الأشياء الأخرى التي يقال إنها تثير الضيق، لكني لا أعتقد أن ذلك سيهم. الاختبار الأكبر سيكون رعاية حل الدولتين بين إسرائيل والفلسطينين - أحدى خلفاء بيرز، كارن هيوز، اعترفت أنها قالت لبوش إنها لن تنجح في الوصول لأي شيء مع الرأي العام العربي حتى تدفع واشنطن إسرائيل لصنع السلام -، لكن ذلك في الأغلب لن يفعل الكثير لتجفيف مستنقع الجهاديين.

كانت الاستراتيجية الأمريكية الأكثر راديكالية خلال الحرب الباردة هي إيصال المساندة العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية إلى الحلفاء الذين تهددهم الشيوعية. بالرغم من الفكرة المتكررة للرئيس هاري ترومان، ومن بعده، حول أن الولايات المتحدة ستساعد الديمقراطيات التي تتعرض للخطر فإن جميع المستفيدين تقريبًا كانوا دولًا شمولية - إيران ومصر وباكستان وتشيلي والمغرب.. إلخ. فقط مع خفوت الحرب الباردة خلال عهدي جيمي كارتر ورونالد ريغن كانت الولايات المتحدة مستعدة لانتقاد أنظمة استبدادية حليفة مثل تشيلي والفيلبين. في أعقاب 11 سبتمبر، وصل بوش لنتيجة هي أن مساندة الأنظمة الإستبدادية في الشرق الأوسط قد أصبح استراتيجية مهزومة ذاتيًا. وقد علمت الولايات المتحدة كما قال في خطبة استلام المنصب عام 2005 أنها ستبقى عرضة للإرهاب "طالما كانت هناك مناطق بأكملها تغلي بالكراهية والاستبداد". هذا هو أساس سياسة بوش في الدعوة للديمقراطية في الشرق الأوسط.

إن أجندة الحرية التي روّجتها الدبلوماسية العامة لم تحدث غير تأثير متواضع في أهدافها؛ العراق التي رأى بوش فيها فرصة لإثبات أن الديمقراطية يمكنها أن تتجذر في العالم العربي، أثبتت أنها مقاومة بشكل واضح للمجهودات الأمريكية لتحسين الحوكمة وأكثر مقاومة للمبادئ الديمقراطية الأساسية. الأكثر أن إدارة بوش وجدت أنها ما تزال تحتاج إلى عملاء مستبدين مثل مصر وبالطبع السعودية.

لقد تعلم أوباما خطواته من هذه الهزيمة فعمل على تسويق وجهة أكثر نعومة حول الديمقراطية، مؤكدًا على عقيدة "الاشتباك" مع الأنظمة الاستبدادية على أمل أن يكسب تعاونهم في أهداف دولية مثل منع الانتشار النووي-  في الحقيقة إعادة الوضع السابق. أشعل الربيع العربي لفترة وجيزة الآمال بأن الجماهير العربية ستطلب صوتًا في شؤونها الخاصة، مما أدى بالرئيس لتكرار ادعاء بوش - في خطبة أقل حجمًا - أن لأمريكا مصلحة ملحّة في الإصلاح الديمقراطي في الشرق الأوسط. لكن انهيار الحركات الشعبية في جميع الأمكان ما عدا تونس وضع حدًا لهذا الخطاب. قرار أوباما مؤخرًا بتغيير خططه لزيارة السعودية فور وفاة الملك عبد الله، أوضح كم تستمر واشنطن في الاعتماد بشدة على المصادر التقليدية للاستقرار العربي. السعوديون مستعدون للانضمام إلى الغرب في حملته ضد الدولة الإسلامية كما كانت إيران تحت حكم الشاه مستعدة للوقوف بحزم ضد الشيوعية.

بالطبع فإن هذه المقاربة في حد ذاتها توضح هشاشة استقرار الاسبتداد. أشك أن الوقت سيأتي لتشعر الولايات المتحدة بالندم على مساندتها للعائلة المالكة السعودية كما فعلت يومًا ما مع الشاه؛ لأن هذه الحرب من أجل الشرعية في الدول الإسلامية مسألة أكثر مركزية عن ما كانت عليه شرعية الدول الرأسمالية منذ نصف قرن. المتطرفون الإسلاميون تحركهم بعض المظالم التي حركت غير المتطرفين للاحتجاج ضد الأنظمة المتوحشة والفاسدة والمشلولة. (إن كنت تشك في ذلك اقرأ تقرير محرر فورين بوليسي للشرق الأوسط، ديفيد كنير، مؤخرًا من الأردن). إن الفنتازيا الرجعية بالخلافة وحتى الحكم الطائفي الذي يحتضنه السنة والشيعة لا يمكن أن يقيم إلا دولة تحكم باسم مبادئ أكثر شمولية. من هذا المنظور المركزي بوش على حق حتى عندما أخطأ فيما يخص سعة الولايات المتحدة لمواجهة المشكلة.

من المفهوم أن دارة أوباما تسعى جاهدة لتهدئة الريش السعودي المنثور - لقد فعلت كل الإدارات السابقة نفس الشئ. لكن الفوائد المباشرة التي يوفّرها السعوديون في صورة نفط وأمن والخطاب المهدئ الذي يوازن بشدة التأثير الشرير للعقيدة الوهابية القاسية وغير المتسامحة والتي يحكم ملوك آل سعود باسمها والقمع القاسي الذي يكون الادعاء الضمني بأن الإسلام  معاد للديمقراطية وحقوق الإنسان وحرية التعبير. دعونا نكون واضحين: السعودية هي نافورة للتطرف وليست سدًا ضده.

الشكل الآخر للحكم الإسلامي الأكثر جاذبية وشرعية ضمنيًا هو الشكل الذي يظهر في جزر الاستقرار مثل الإمارات العربية المتحدة حيث تتم خصحصة الممارسة الدينية كما هو الحال في الغرب – عبر أخلاقيات عامة في شؤون الملبوسات واستهلاك الكحول وما شابه من السلوك المتفق مع التعاليم الإسلامية الشائعة. كشخص يسافر دوريًا للإمارات المتحدة (حيث أدرّس في جامعة نيو يورك) أستطيع أن أشهد أن هذا النظام – على الأقل عند تأمينه بمليارات الدولارات من عائدات النفظ - يعمل جيدًا من أجل الذين يعيشون داخله مع أن لا أحد يمكن أن يخطئ الظن بأنها ديمقراطية. ربما كان يمكن لهذا النظام أن يعمل في دول مزدهرة نسبيًا ومعتدلة نسبيًا مثل سوريا إن كانت قد حكمت بإحسان. لن نعرف ذلك أبدًا. لكنه لن يعمل في أماكن أكبر وأكثر فقرًا وتدينًا مثل مصر. وكما يشير شادي حميد في إغراء السلطة، كتابه عن الإسلام السياسي، فإن المصريين شعبًا شديد التدين لا يقبل فكرة أن الدين مكانه في الأماكن الخاصة، إنهم يريدون العيش تحت حكم الشريعة مع أنهم مختلفون داخليًا في ما الذي يعنيه هذا. وكذلك الأمر بالنسبة لمئات الملايين من الناس في العالمين العربي والإسلامي.

في حوار حديث قال حميد إن الحركة الإسلامية الوحيدة التي حاولت بشكل جاد أن تحتوي الدولة الحديثة هي الإخوان المسلمين والتي ظهرت عام 1920 بينما تختفي الخلافة العثمانية. ويوضح حميد في كتابه أن الإخوان ليست منظمة ليبرالية بأي حال من الأحوال - ولكنها تصالحت إلى حد كبير مع الديمقراطية بل إنها قبلت نتائج الديمقراطية غير الإسلامية كما يفعل الإسلاميون بلاد مثل المغرب وتونس اللتان تسمحان بشرب الكحول وما شابه. انتخاب حكومة الإخوان المسلمين في مصر عام 2012 أعطى العالم العربي أكبر فرصه كي يظهر أن الإسلام والديمقراطية غير متعارضين. لكن بفضل انعدام الكفاءة وضيق الأفق في حكومة الرئيس محمد مرسي والتآمر النشط للعسكريين والقضاة تم إقصاء حكومة مرسي بعد سنة في المنصب – أحد الجروح الذاتية الكبرى في الربيع العربي. مصر الآن كما كانت لزمن طويل أوتوقراطية علمانية تسيطر عليها القوات المسلحة. السؤال هو كم سيتحمل المصريون القمع العنيف والركود الاقتصادي، وما إن كان نظام الرئيس عبد الفتاح السيسي سيستمر أم لا، إذ أظهرت الأحداث في السنوات الأخيرة للإسلاميين أنه لا يوجد مكان لهم في النظام السياسي العربي.

يتم التعامل مع تدمير الإخوان المسلمين كنجاح باهر في مصر وعبر الخليج الفارسي (ما عدا قطر التي هي حصن للإخوان). مع ذلك من الصعب التفكير في أي شئ يقوي الشرعية طويلة الأمد للحوكمة العربية أكثر من دور ديمقراطي أصيل للإسلاميين المعتدلين. من مصلحة الولايات المتحدة تشجيع حلفائها العرب من أجل العثور على مكان لهذه المجموعات لتشجيع الديمقراطية نفسها، لكن ذلك لن يحدث. سألت أحد كبار المسؤولين في الإدارة ما إن كانت تعتقد أن واشنطن سلتكز أنظمة كي تنقض الحظر على الإخوان المسلمين كمنظمة إرهابية عبر أنحاء كبيرة من الشرق الأوسط فردت بشكل مباشر "لا".

على الأقل حتى هذه اللحظة فتلك مسألة وجودية: الشكل الوحيد المقبول من الإسلام السياسي هو ما تمارسه الأنظمة نفسها. في هذه الحرب الحضارية الحاصلة بجوارنا لا يوجد الكثير الذي يستطيع الغرب فعله لتقوية شريعة الأنظمة العربية – حتى لو بدا أن هذه الأنظمة تؤذي آفاقها طويلة الأمد.

لكن فعل القليل ليس كعدم فعل شئ. أي شئ يفعله لاعبون خارجيون لتقوية شرعية الأنظمة العربية - في عيون مواطنيها - سيساعد في قلب الموازين في الحرب داخل الإسلام. يتضمن ذلك المساعدة الاقتصادية التي تستهدف تحسين التعليم أو الصحة العامة أو زيادة ريادة الأعمال أو الوظائف للشباب. من الحقائق البسيطة أن الشباب والشابات من أصحاب الوظائف سيكونون أقل غضبًا عن مما كانوا عليه عندما كانوا بلا وظائف. إنها تتضمن نوعًا من التدريب وبرامج التعليم التي تنظمها مجموعات مثل المعهد الديمقراطي الوطني. وفوق كل ذلك فهي تتضمن نوعًا من الدبلوماسية القاسية التي أدت بالعراقيين إلى التخلص من رئيس الوزراء الطائفي، نوري المالكي، لصالح حيدر العبادي.

تحدث مثل هذه الأشياء فرقًا. الولايات المتحدة ليست على وشك فصل نفسها عن السعودية وإدارة أوباما ليست حتى مستعدة لعقاب البحرين، حليف صغير سحق أي تلميح باحتجاج سياسي. في نهاية الأمر: البحرين هي بالفعل دولة تابعة للسعودية التي أرسلت قواتها للمساعدة في خنق المعارضة السياسية. لقد بدأت الإدارة في النقد الحاد للمحاكمات الجماعية التي يتم الحكم فيها على المحتجين السلميين في مصر بأحكام سجن لا نهائية ولكن القاهرة تبقى حليفًا أساسيًا في وجه الفوضى المنتشرة في المنطقة.

إن كانت الولايات المتحدة واللاعبين الخارجيين الآخرين يستطيعون فعل القليل جدًا لتغيير السرد الإسلامي وتحسين شرعية الأنظمة العربية فإن ما تبقى هو استخدام القوة. سيثير هذا أيضًا سلسلة من الأسئلة الأساسية. في بداية الحرب الباردة قام العديد من مستشاري ترومان العسكريين مع كبار مسؤولي السياسة والحكومة بالدعوة إلى تحريك كامل للقوات لدفع المكاسب السوفيتية في أوروبا الشرقية للخلف. بالرغم من هذا الخطاب المتراجع إلا أن ترومان والرئيس أيزنهاور اتخذا السياسة المحسوبة التي عرفت باسم الاحتواء. لقد أعطى الإعدام العلني للرهائن الأمريكيين شهية لحرب أوباما الجوية في العراق وسوريا بين الجمهور الأمريكي المرهق واللا مبالي. أي هجوم متواضع على الأراضي الأمريكية يمكنه أن يجعل الجماهير تصيح طلبًا للانتقام. أحد مشاكل خطاب الحرب الحضارية هو أنها تحضرنا لحرب فعلية وليست مجازية.

لقد حاول أوباما أن يعدل من تنظيم العداوات بحرص شديد. وافق على قصف الدولة الإسلامية في العراق والشام فقط بعد أن حل العبادي محل المالكي- أي أن ذلك حدث فقط بعد أن قامت العراق بمحاولة جادة لإنشاء سلطة سياسية شرعية. أظن أنه فعل الشئ الصحيح هنا. لا أستطيع أن أفهم هذه السياسة في سوريا حيث تجاوز فرصة دعم المتمردين الوطنين، وإن كانوا إسلاميين بشكل عام، منذ سنتين أو ثلاث في وجه النظام القاتل لبشار الأسد، وهو يأمل الآن في تدريب هؤلاء المتمردين المدمرين حاليًا للقتال ضد الدولة الإسلامية بدلًا من الأسد. في نفس الوقت،  يأمل في احتواء وحل الدولة الإسلامية في سوريا عبر حملة منفصلة من القصف حتى تستعد القوة المتمردة. أو هكذا يخبروننا. ربما تكون الحقيقة أنه يتوقع ألا يأتي التدريب بالكثير. قد تكون سياسته الحقيقية هي صنع السلام مع الأسد على أمل كسبه ضد المتطرفين. ولكن الأسد واقعي ماكر. قد يكون مستعدًا للعيش مع الدولة الإسلامية طالما أنها تظل داخل حدودها الحالية في شمال شرق سوريا، وقد يكون على اعتقاد بالفعل أن هذا هو أفضل الخيارات في سلسلة من الخيارات السيئة.

إذن فنعم، ستكون حربًا طويلة – ليست "بيننا" و "بينهم" ولكن داخل العالم الإسلامي. الرئيس الأمريكي التالي قد يثبت أنه مولع بالقتال أكثر من باراك أوباما. قد ترهق الأمة من دعوات الصبر في وجه المزيد من الهجمات من القاعدة أو من الدولة الإسلامية التي تسعى للتوسع، وقد يبدو الاحتواء على أنه إرضاء. لكن في هذا السياق على الأقل فإن مجاز الحرب الباردة صحيح: سيتعلم الأمريكيين أن احتواء العدو الذي لا يستطيعون تدميره أو تحويله، وسيكون ذلك اختبارًا وطنيًا كبيرًا.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب