الحلم بروسيا في أنقرة

مقال رأي

 

تتعرض الديمقراطية التركية لهجوم. فالخطاب المحافظ بشكل متزايد الذي ينتهجه حزب العدالة والتنمية، الحزب السياسي المهيمن في البلاد، يثير قلقا واسع النطاق بأن الجمهورية التركية العلمانية سيحل محلها قريبا نظام إسلامي. والنتيجة النهائية، التي يقلق الكثيرون من احتمالية حدوثها، هي بزوغ دولة قمعية تهيمن عليها الشريعة، مماثلة لإيران.

ولكن قد يكون هناك قياسا جغرافية مختلفا أكثر ملاءمة. على الرغم من ميول حزب العدالة والتنمية المحافظة، فتركيا ليست على وشك أن تصبح اسلامية. في الواقع، فحملة الحزب الممنهجة للقضاء على الخصوم السياسيين لا تستمد أصولها من الحماسة الدينية، ولكن من التطلع العلماني للاحتفاظ بالسلطة وتوطيدها. وبإلقاء نظرة أعمق على المسار السياسي في تركيا في عهد الرئيس رجب طيب أردوغان، سنجد أنه يوجه تركيا في اتجاه سلطوي ولكنه علماني، نحو اقامة دولة لا تختلف عن روسيا في عهد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

نقطة التحول

ولعل السبب في أن الكثير من المراقبين يشكون في أن حزب العدالة والتنمية يدفع تركيا نحو مستقبل إسلامي هو الإرث التاريخي للحزب: حزب العدالة والتنمية هو سليل سلسلة طويلة من الحركات الإسلامية التركية. فقد سبق حزب العدالة والتنمية حزب الرفاه، الذي نشط بين عامي 1983-1998، وحزب الفضيلة، من عام 1998 حتى عام 2001. وقد اُعتبر كليهما إلى حد كبير حزبين إسلاميين - وهي السمعة التي أدت إلى حلهما في نهاية المطاف- ولا يزالان يتذكرهم الناس بنفس السمعة حتى اليوم.

ولكن ظهرت الميول الإسلامية للحزبين بشكل اكبر في نظرتهما لخصومهما السياسيين العلمانيين أكثر من مواقفهما السياسية والأيديولوجية الفعلية. فأكثر مرة اقترب فيها حزب الرفاه من اتباع سياسات اسلامية كانت مقترحاته الرامية إلى القضاء على النظام المصرفي القائم على الفائدة، وتعزيز العلاقات الاقتصادية بالدول ذات الأغلبية المسلمة الأخرى. وقد حافظ الفضيلة على أجندة أكثر علمانية. إلا أن العديد من النخب السياسية، ولاسيما في الجيش والقضاء، اشتبهوا في أن الحزب يضمر رغبة سرية في قلب النظام العلماني القائم. وقد أغلقت المحكمة الدستورية في تركيا في نهاية المطاف كلا الحزبين بسبب مخالفتهما لمبدأ علمانية الدولة .

ومع إنشاء حزب العدالة والتنمية، في عام 2001، كان تاريخ الإسلام السياسي في تركيا قد تلاشى لعدة أجيال. وبشكل أكبر من سابقيه، عمل حزب العدالة والتنمية لخلق منصة تؤكد على حقوق المواطنين، وحدّ  من الإشارة إلى الدين، وهي الاستراتيجية التي ساعدت على دفعه الى السلطة. في وقت إنشائه، كان حزب العدالة والتنمية، على الأكثر، حزب ما بعد إسلامي، وفي سياق بلد علماني تقليدي، ربما يمكن تصنيفه على أنه يمين وسط. على الرغم من أن العديد من قادته كانوا متدينين فعلا، كانت أجندتهم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية المعلنة تركز على الرأسمالية، والحكم الرشيد، وتوسيع الحريات الفردية.

ولكن بعد أكثر من 12 عاما في السلطة، لم يعد حزب العدالة والتنمية كما كان. فقد أصبح أداة شخصية لأردوغان بعد أن شرع في حملة منظمة للقضاء على الخصوم السياسيين وتوطيد السلطة. وقد ثبتت عدم جدوى الآمال السابقة في أن قادة حزب العدالة والتنمية الأخرين، مثل الرئيس التركي السابق عبد الله غول، قد يتمكنوا من الوقوف أمام تحول أردوغان الاستبدادي. وبعد أن هيمنت أهواء أردوغان على حزب العدالة والتنمية بصورة متزايدة، أصبح الحزب تجسيدا لعيوب السياسة التركية التي كان قد تعهد في السابق بالقضاء عليها: المحسوبية وقمع الحريات، وعدم احترام سيادة القانون.

 كان لبعض السياسات والمشاريع الأخيرة لحزب العدالة والتنمية صبغة إسلامية واضحة على نحو لا يمكن إنكاره. فقد تضمنت، على سبيل المثال، قيودا أكبر على الاستهلاك والإعلان عن الكحول، وبناء مسجد عملاق على واحدة من أعلى تلال اسطنبول. واكتسب خطاب أردوغان نفسه طابعا دينيا ومحافظا اجتماعيا أكثر وضوحا. فقد تحدث بقوة ضد تحديد النسل والإجهاض، وفكرة المساواة بين الجنسين.

تسببت هذه التطورات، وخاصة التركيز على المزيد من التعليم الديني وأدوار الإناث التقليدية، في تكهن بعض المراقبين بأن العلمانية في تركيا ستصبح قريبا شيئا من الماضي. إنهم يخشون من أن رغبة اردوغان في تربية "جيل تقي" جديد يمكن أن تسفر عن حجاب إلزامي على للنساء وفرض حظر كامل على الكحول والإجهاض. وقد أعرب أحد الأعضاء المؤسسين لحزب العدالة والتنمية والذي أصبح ناقدا له فيما بعد، دنجير مير محمد فرات، مؤخرا عن الرأي السائد بين العلمانيين الأتراك. ففي خلال حديثه عن صعود المدارس الدينية، توقع أن "تركيا الجديدة ... ستكون مكانا يهيمن عليه الفكر الإسلامي".

التعطش للسلطة

ولكن مثل تلك التوقعات المتشائمة يغيب عنها حقيقة اساسية: إن ما يحرك تصرفات أردوغان هو جوع شائع للسلطة. في الواقع، ليس من الصعب مقارنة تركيا اليوم إلى روسيا في أوائل إلى منتصف تسعينيات القرن العشرين، عندما وقعت مبادئها الديمقراطية الوليدة تحت الهجوم. كان رد فعل حكومة روسيا ما بعد الشيوعية المضطربة لمحاولة الانقلاب في 1991 (التي نظمها أعضاء المكتب السياسي القديم) هي سحب بعض الحريات السياسية الجديدة. في هذه العملية، جهز الكرملين الأجواء لإضعاف المعارضة السياسية، وفي نهاية المطاف، لسياسات بوتين القمعية.

بطريقة مماثلة، استخدم أردوغان حجة مكافحة العناصر المعادية للديمقراطية داخل الدولة التركية للقضاء على الخصوم السياسيين. بدأت حكومته من خلال استهداف حركة جولن، الحليف السابق لحزب العدالة والتنمية الذي أصبح يتحدى الحزب، والذي على الأرجح قد ساعد بتعجيل تحقيق الأخير حول الفساد (والذي تورط فيه العديد من حلفاء اردوغان المقربين، بما في ذلك ابنه). وكان رد حزب العدالة والتنمية هو إطلاق حرب شاملة على الحركة وزعيمها رجل الدين التركي الذي يعيش في الولايات المتحدة فتح الله جولن، والاستيلاء على بنك الحركة والدعوة لتسليم جولن إلى تركيا. ومع تلاشي تأثير الحركة، شرع حزب العدالة والتنمية بتوزيع الاتهامات بالنشاط المناهض للحكومة على الجهات السياسية الفاعلة الأخرى التي تهدد هيمنته، مثل السلطة القضائية التي لا تزال مستقلة نسبيا.

في هذا السياق، يمثل تحول حزب العدالة والتنمية إلى أجندة أكثر قربا للاسلامية ما هو أكثر قليلا من وسيلة نحو غاية سياسية: أي تعزيز قاعدة دعم الحزب. معظم الأتراك يحملون وجهات نظر محافظة ويعتبرون أنفسهم مسلمين أتقياء (على الرغم من أن الغالبية العظمى ترفض فكرة الشريعة). وكمثال واحد فقط، معظمهم يعتقدون أن شرب الكحول من الخطأ أخلاقيا. ومع استخدام خطاب إسلامي، يلعب حزب العدالة والتنمية على مشاعر مؤيديه بينما يحاول صرف الانتباه عن العديد من المشاكل الملحة التي يعاني منها حكمه، بما في ذلك تفشي الفساد والضغط على الكثير من الشرطة والقضاء ليتركوا مناصبهم. بالمثل استخدم بوتين الكنيسة الأرثوذكسية كأداة سياسية تلبي الأعراف الاجتماعية الشعبية، مثل المشاعر المعادية لمثلي الجنس.

وتماما كما عمل بوتين بلا كلل لتكسير المؤسسات الليبرالية في روسيا، لا يترك أردوغان وحزب العدالة والتنمية أي شيء للمصادفة عندما يتعلق الأمر بالمنافسين المحتملين. فقد قامت المحكمة الدستورية – غالبا تحت ضغط من حزب العدالة والتنمية- مؤخرا بتأييد قرار وضع عتبة انتخابية تبلغ 10 بالمائة من الأصوات (حد أدنى يجب أن تحصل عليه الأحزاب السياسية في الانتخابات حتى تتمكن من الحصول على تمثيل برلماني). جاء هذا القرار بمثابة ضربة لحزب الشعوب الديمقراطي الكردي ذو الشعبية المتزايدة، وهو منظمة ليبرالية تؤكد على المساواة بين الجنسين ويفرض حصة 50 في المائة للنواب الإناث. وقد اتخذ حزب العدالة والتنمية أيضا خطوات لوأد الحركات السياسية الجديدة في مهدها. فقد وجد أنصار احتجاجات جيزي في 2013، على وجه الخصوص، أنفسهم بين النيران؛ وواجه قادة الاحتجاجات - وحتى بعض الجماعات غير السياسية التي شاركت في المظاهرات، مثل مشجعي نوادي كرة القدم- اتهامات بالتآمر لقلب نظام الحكم.

وفي خلال جيل واحد، يمكن لهذه من السياسات وغيرها أن تحول تركيا إلى دولة حزب واحد – أي دولة تشبه روسيا لكن بأغلبية مسلمة. في تركيا الجديدة هذه، سوف تقمع الصحافة الحرة المتبقية، وسينتهي أي مظهر من مظاهر المناقشة البرلمانية والمنافسة السياسية. إلا أنه سيتم تشجيع التقوى، وسيكون للاقتداء بشخصية أردوغان أهمية أكبر. ستصبح السلطة والربح، وليس الإسلام، هما دين هذه الدولة.

دعوة للمحاسبة

لا يزال بالإمكان وقف تحول تركيا إلى روسيا، ولكن نافذة الفرص آخذة في التقلص. على الرغم من أن أردوغان ليس لديه خطط لاعتزال السياسة في أي وقت قريب، فقد بدأ بالفعل باستمالة كادر من الحلفاء السياسيين، ولا سيما رئيس الوزراء أحمد داود أوغلو، الذي يدعم طموحاته غير الليبرالية.

ينبغي للبلدان الغربية أن تفعل ما في وسعها لدفع تركيا في الاتجاه الديمقراطي. كخطوة أولى، يجب على الاتحاد الأوروبي، بعد سنوات من الجمود، التحرك لفتح فصول جديدة لانضمام تركيا. حتى لو كان احتمال انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي منخفض في نهاية المطاف، فإن فتح فصول جديدة من شأنه أن يساعد على تسليط الضوء على إخفاقات الإدارة الحالية في مجالات حقوق الإنسان وسيادة القانون. يجب على المجتمع الدولي أيضا مراقبة الانتخابات العامة التركية في يونيو القادم بعناية والاعتراض على أي خطط لتغيير الدستور من أجل توطيد السلطة في يد الرئيس.

قبل كل شيء، وعلى الرغم من إحباطهم المتزايد والمفهوم ضد الحكومة التركية، فإن كل من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة يجب أن يظلا على اتصال بهذا البلد. فالعزلة السياسية ستسرع من سقوط تركيا في دائرة الاستبداد.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب