السخط الشعبي يوجه دفة الحرب الأردنية ضد داعش

مقال رأي

سبّب مقطع الفيديو المروع الذي أصدره تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) لمقاتليه وهم يحرقون الرهينة الأردني الطيار معاذ الكساسبة صدمة للعالم. وتعهد العاهل الأردني الملك عبدالله، والذي كان في زيارة إلي واشنطن بالتزامن مع إصدار الفيديو، بالثأر لموت الكساسبة وعاد إلي الأردن علي وجه السرعة. بل وقبل حتي أن يصل، أعدمت الأردن سجينين بارزين منتمين إلي تنظيم القاعدة وعلي علاقة بتنظيم الدولة الإسلامية كانا في انتظار تنفيذ حكم سابق بالإعدام.

ابتهج الأردنيون لعودة الملك السريعة، ولتنفيذ حكمي الإعدام. إلا أن خطوات المملكة القادمة ضد داعش تظل غير واضحة. فالشعب يريد الانتقام، لكن حتي الآن لا تحظي المشاركة الأردنية في الحملة الدولية لمواجهة التنظيم بشعبية كبيرة في الأردن. فحتي موت الكساسبة كان عنوان الوسم (هاشتاج) الأكثر نشاطًا علي موقع "تويتر" في الأردن "ليست حربنا"، في إشارة إلي رفض مشاركة الأردن في التحالف.

يشير موت الكساسبة علي يد داعش إلي تغير في الرأي العام الشعبي الأردني تجاه الحرب، وإن كان التغير مؤقتا، وينبؤ بدور أكثر قوة للمملكة في العمليات العسكرية.

كانت المعارضة للحرب واسعة النطاق خلال الأشهر الستة الأخيرة، وتضمنت مواطنين ذوي توجهات علمانية وإسلامية. وأدانت حركة الإخوان المسلمون في الأردن المشاركة في التحالف واعتبرته انتهاكًا للدستور ووصفت الحملة بأنها "مناهضة للإسلام". بينما قلق بعض العلمانيون من أن تثير المشاركة الأردنية رغبة داعش في الانتقام. إلا أن آخرون – مثل كاتبة العمود البارزة لميس أندوني– يرون أن الولايات المتحدة، وهي أكثر الدول تقديمًا للمساعدات للأردن، قد ابتزت المملكة للمشاركة في الحملة. حيث علقت في 30 ديسمبر قائلة أن الحملة مثلت "تبعية كاملة لسياسات ورغبات واشنطن".

رغم أن معارضة المشاركة في التحالف بدت بالنسبة لمعظم الأردنيين مدفوعة بالتطورات علي الساحة السورية، حيث قتل نظام بشار الأسد العلوي الشيعي 200 ألف شخص منذ العام 2011، معظمهم سُنة. لذلك رأي العديد من الأردنيين داعش السنية كقوة مضادة وفعالة لمواجهة الأسد. لذا لم تكن مفاجأةً عندنا أفاد استطلاع للرأي نُشر في سبتمبر عن مركز الدراسات الاستراتيجية في جامعة الأردن، أن 62 بالمائة فقط من الأردنيين يعتبرون داعش تنظيما إرهابيا.

حتي قبل أسر الطيار الكساسبة في سوريا العام الماضي، مثلت المعارضة المتصاعدة للمشاركة الأردنية في الحرب إزعاجا متزايدا للقصر الملكي، بل وزادت حدته بعد ذلك. ورغم الشعبية الكبيرة التي يحظي بها الجيش الأردني في بلده – حيث يلقب بالجيش العربي– إلا أن القيادة الأردنية تعرضت لانتقاد شديد للسماح باستغلال الأردن كقاعدة للعمليات الجوية للتحالف. أما والد الطيار، صافي يوسف الكساسبة، فقد ظهر كناقد بارز للحرب ولجهود القصر الغير فعالة للتفاوض أو لتأمين إطلاق سراح ابنه.

يمكن لإعدام الكساسبة أن يحقق تحولا في الرأي العام، حسبما تشير تفجيرات 2005 في عمّان، وهي الأسوء في تاريخ الأردن. حيث أعرب 61 بالمائة من الأردنيين قبل هجمات نوفمبر 2005، والتي استهدفت ثلاثة فنادق في وسط عمان وأدت إلي مقتل 60 شخصا وإصابة 115 شخص ونفذها الفرع العراقي لتنظيم القاعدة ، عن تأييدهم لبن لادن. انخفض بعدها التأييد الشعبي لبن لادن إلي 24 بالمائة، وبعد ذلك بخمس سنوات، هبط مستوي الثقة في زعيم القاعدة إلي 13 بالمائة فقط.

لقد تغير الكثير منذ عام 2005. فقبل عقد، لم تكن المنطقة غارقة في صراع بين السنة والشيعة ولم تكن الأردن تشهد نموا متسارعا للسلفية.للمفارقة فإنه حتي بعد مقتل الكساسبة، مازال بعض القادة الإسلاميين الأردنيين غير قادرين علي إدانة داعش. مازاد الأمور تعقيدا هو المقاتلون الأردنيون في سوريا والذين يقدر عددهم بـ2,500 أردني، وهو أمر شائع جدا، فقد قُتل الأسبوع الماضي ابن أحد البرلمانيين الأردنيين أثناء قتاله لصالح جبهة النصرة في حلب وبالكاد تصدر الخبر الصحف المحلية.

ومع ذلك كان للغضب لإعدام الكساسبة ولتفجيرات عمّان في 2005 آثارًا مشابهة علي السياسة الأردنية. سيقنع إعدام الكساسبة، على أقل تقدير، الكثير من الأردنيين بأن المملكة في محور تطلعات داعش، وهو ما سيحد ولو بشكل مؤقت من المعارضة الداخلية لمشاركة الأردن في التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة. وبالتالي سيكون الأردنيون أكثر تقبلًا لتنفيذ ضربات استباقية ضد التنظيم. ليس من المدهش، في ضوء المشاعر الشعبية الحالية، أن دعوات الملك عبد الله الأخيرة لحرب "قاسية" و"بلا هوادة" ضد تنظيم الدولة قد لاقت قبولا جيدا. ويبدو مرجحا خلال الأيام والأسابيع القادمة أن الأردن ستزيد من وتيرة وشراسة عملياتها الجوية، بل وربما قد تنشر قواتًا خاصة، تستهدف مواقع داعش في سوريا.

رغم أن الاستجابة العسكرية الأردنية القوية تعتبر مناسبة، إلا أنه ليس مؤكدًا أن المملكة سوف تستمر علي نفس الوتيرة من العمليات بعد أن يخبو السخط الشعبي لإعدام الكساسبة. وفق المعايير الإقليمية، يعتبر الجيش الأردني مثيرًا للإعجاب ودائم الإظهار لمستوى عالٍ من الالتزام والشجاعة. إلا أنه بالنسبة للأردن - وبالنسبة لأي جيش في الواقع- فإن تصعيد العمليات يعني بالضرورة تقريبًا زيادة في عدد الضحايا.

بعد ستة أشهر علي الحرب، خسرت الأردن طائرتي "إف-16" وطيار واحد، بالإضافة إلي مقتل وإصابة العشرات من القوات البرية علي طول الجبهة السورية. الأردن بالفعل هي رأس حربة الحملة، لكن احتمالية زيادة الضحايا علي الجبهة الأردنية لن تلقي قبولا كبيرا لدي الملك، فهؤلاء الضحايا المتوقعون منتمون بلا شك إلي أحد العشائر الأردنية، والتي تكون العمود الفقري للجيش والداعمين الأساسيين للملكية.

ربما ستخفف فكرة الثأر الأصيلة لدي القبائل ردة الفعل المستقبلية ضد القصر للخسائر المستمرة في الحرب ضد داعش. ورغم أن الأردن ليست ديمقراطية، إلا أن الشعور العام مهم، خصوصًا في تلك الأوقات العصيبة. والدرس المستفاد من محنة أسر الكساسبة هو أن المملكة حساسة للغاية تجاه الخسائر العسكرية. يفيد التاريخ في فهم ذلك، فقد استمر الغضب في المملكة عامًا بعد تفجيرات 2005، وتزامن مع تعاون عسكري واستخباراتي بين الولايات المتحدة والأردن بصدد القاعدة، بالإضافة إلي إجراءات أمنية صارمة علي الجبهة الداخلية. ولم تلق الخطوتين معارضة شعبية كبيرة.

أما بالنسبة للآن، ومع الدعم الشعبي الغامر، سيثأر عبد الله من تنظيم داعش في سوريا. كما سيتحلي بحرية أكبر في تبني حملة أمنية شاملة علي داعمي داعش في بلاده. إلا أنه ومع مرور الوقت، قد تجبر مخاوف بشأن الحفاظ علي القوة المملكة علي تقليص جهودها العسكرية الموسعة في سوريا. ستظل الأردن، كجزء من التزامها تجاه التحالف، ستظل الأردن قاعدةً للعمليات المناهضة لداعش ومنشأة تدريب للثوار السوريين المعارضين للأسد بالنسبة للمستقبل القريب. لكن من غير المرجح أن تصبح الأردن سبارتا أقليمية - كما وصفت الواشنطن بوست الامارات العربية المتحدة في مقالٍ حديث-في أي وقتٍ قريب. فكما تمثل داعش خطرًا واضحًا على الاستقرار الأردني، يمثل السخط الشعبي خطرًا مماثلًا.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب