الطريقة الذكية للتدخل في ليبيا

مقال رأي

اليوم هو الذكرى الرابعة للثورة الليبية. يوم 17 فبراير 2011 احتفل الليبيون بإسقاط معمر القذافي الذي تسيّد البلد لأكثر من 42 عامًا. وقد أتت الانتفاضة الشعبية بثمن باهظ: الآلاف ماتوا في القتال الذي أسقط الديكتاتور. ومع ذلك فإن الأغلبية العظمى من الشعب قد رحّبت بحريتها الجديدة بفرح. كان هناك شعور بالامتنان لقوات الناتو التي تدخلت في صف الثورة.

 لا يوجد اليوم الكثير من الفرح كي تراه. المزاج يائس والإحساس العام بالتفائل الذي صاحب نهاية عهد القذافي قد تبخر. في السنوات الأربع الماضية وقف العالم يتفرج بلا اهتمام بينما تقع ليبيا في الفوضى. والآن فهي لا تشبه بلدًا ألهمها وعد بالديمقراطية بقدر ما تشبه مثالًا دراسيًا للدولة الفاشلة. قدرة الدولة الإسلامية، بلا مجهود يذكر، على الحصول على موضع قدم في البلاد دال على كيف سقطت ليبيا.

يوم الأحد أصدرت قوات الدولة الإسلامية مقطعًا وحشيًا يُظهر إعدام 21 مصريًا قبطيًا تم احتجازهم من قِبل المجموعة. تلك الوحشية دفعت الحكومة المصرية إلى القيام بضربات جوية أمس على المدينة الليبية درنا، معقل الدولة الإسلامية. نتيجة لذلك، وبعد أربع سنوات من الثورة تقريبًا، تجد ليبيا نفسها اليوم في مواجهة نوع جديد من التدخل – نوع يحدث في وسط فوضى ما بعد الثورة وعدم استقرار يحيط بالبلاد بما يدفع لاعبين إقليميين إلى اتخاذ عمل موحد.

حسبما ورد في التقارير الأخير فإن الضربة الجوية المصرية استهدفت بيوت قيادات لداعش مع مباني إدارية ومواقع تدريب ومخازن أسلحة وذخائر. كان من الصعب تصور أن مصر ستقف جانبًا بينما يتم تهديد أمنها القومي بالفوضى الحاصلة بالجوار. كان الضغط للقيام بأي تصرف يتصاعد منذ شهور وكان قتل المواطنين المصريين هو القشة الأخيرة. وقد تسببت الضربة المصرية في ردود أفعال مختلطة من الصحافة الشعبية الليبية. رحّب البعض بالهجمات داعين لدعم مصري ودولي ضد الدولة الإسلامية، بينما عبّر آخرون عن تحفّزهم حيال دوافع القاهرة، ويخشى المتشككون من أن حملة مصر على الإرهاب قد تكون في نهاية الأمر تمهيدًا لأشكال غير مرغوب فيها من التدخل في شؤون ليبيا.

يقول برلمان وحكومة ليبيا المعترف بهما دوليًا والمتمركزين في مدن طبرق والبيضا الشرقيتتين، على التوالي، إنهما سيتعاونان بشكل كامل مع مصر في حربها ضد الإرهاب. بالفعل لطالما قام مسؤولون من هاتين الجهتين بالدعوة لمساعدة دولية لقواتهم المسلحة التي تحارب حربًا دموية منذ أشهر ضد المجموعات الإسلامية المتطرفة في شرق ووسط ليبيا. من بين أشياء أخرى، إنهم يرجون رفع الحظر الدولي على شحنات الأسلحة إلى القوات المسلحة الليبية. في الوقت نفسه، قال رئيس القوات الجوية الليبية لمن قاموا بإجراء أحاديث معه إن قواته تنسّق مجهوداتها مع نظرائها المصريين وستستمر في فعل ذلك. وبالرغم من عدم وجود طائرات مقاتلة حديثة فإن القوات الجوية الليبية ساعدت على منع المجموعات الإسلامية من الاستيلاء على بني غازي، ثاني أكبر مدينة في البلاد، ووقفت الهجمات على محطات الوقود الليبية الأساسية في الشرق.

لكن الموقف ليس محددًا بدقة. هل الهجمة الجوية المصرية العفوية وغير المخطط لها ضد الدولة الإسلامية فكرة جيّدة حقًا؟ إن تهديد الدولة الإسلامية في ليبيا كان موجودًا لشهور كثيرة ومن يريد تسديد ضربة قاسمة لها يستطيع أن يفعل ذلك فقط بناء على استراتيجية شاملة. يمكن للضربة الجوية أن تنال تصفيق الشارع في ليبيا ومصر لعدة أيام، لكن على المدى المتوسط فإن أفعال القاهرة قد يثبُت أن لها تأثير عكسي. إن حملة عسكرية منظّمة يجب أن يتم بنائها على خطة شاملة تتضمن (من ضمن أشياء أخرى) إجراءات قويّة لتأمين الحدود لتفادي تدفق الأسلحة والمقاتلين الجهاديين. يمكن للمتعاطفين مع الدولة الإسلامية بالقطع اعتبار التدخل المصري عملًا عدوانيًا ضد "خلافتهم"، وبالتالي تحفيز العديد من الليبين والأجانب على الانضمام إلى قوات داعش.

إذا أراد من يخططون في مصر وأماكن أخرى تفادي هذه الأخطاء فعليهم الشروع في تحليل أوجه القصور في تدخل الناتو عام 2011 والذي يقدّم حالة للدراسة في أخطار القيام بعمل عسكري خلال انتقال سياسي بدون وضع استراتيجية سياسية للتعامل مع التبعات. إن مصر وإيطاليا وفرنسا حاليًا يقودون مجهودات لإقناع مجلس الأمن بالاحتياج لتدخل عسكري في ليبيا لدعم الحكومة المعترف بها ضد الدولة الإسلامية. لكن القيام بمثل هذا العمل الذي لم يتم التفكير فيه جيّدًا من المتوقع بشدة أن يأتي بنتائج غير مستحبة خاصة وأن الدولة الإسلامية في موقع جيّد يسمح لها باستغلال عدم وجود حكومة موحّدة ومؤسسات دولة قوية.

من الجدير بالملاحظة أن هذه ليست بأي حال الهجمة الأولى التي تقوم بها الدولة الإسلامية في ليبيا. في الشهر الأخير، قام مسلحون من أتباع الدولة الإسلامية بإطلاق النار على فندق فخم في طرابلس تسكن فيه الحكومة الإسلامية التي هي المنافس الرئيسي للحكومة في الشرق. بالإضافة إلى ذلك، فإن من يطلقون على أنفسهم "مقاتلو الدولة الأسلامية" قاموا باعتداءات على منشآت النفط في الصحراء الليبية. وقد تواجدت مجموعات إرهابية مثل أنصار الشريعة والدولة الإسلامية منذ سقوط نظام القذافي في 2011، لكن التهديد الذي مثلوه وجد القليل من الاهتمام من الحكومات الليبية المتعاقبة والدول الغربية - على الأقل حتى مقتل السفير الأمريكي، جي. كريستوفر ستيفنس، في 2012. يقع اللوم في عدم حماسة المجتمع الدولي للعب دور أكثر نشاطًا في ليبيا ما بعد القذافي على سقوط البلاد في الفوضى.

بالإضافة إلى تأمين حدود البلاد فإن أي تدخل في ليبيا يجب أن يركّز على حماية البنية التحتية النفطية الحيوية. إعادة بناء قطاعات الأمن والدفاع يجب أيضًا أن يكون أولوية قصوى - لكن بدون مجهودات غير حكيمة لإرضاء المليشيات أو قياداتها عن طريق محاولة ضمهم بدون فرز أو تدريب أو انظباط. نتج عن مجهودات بريطانية لتدريب أعضاء في مليشيات ليبية سلسلة من الأعمال الإجرامية في مدينة بالقرب من مركز التدريب البريطاني وقد كانت مثالًا ممتازًا لنوع الكوارث التي من الممكن أن تحدث. يجب أن تكون تلك التجربة درسًا ثمينًا للشركاء الليبين الذين يسعون إلى تدريب أعضاء في قوات الأمن لاحقًا. من ناحيتهم يجب على الليبين أن يضمنوا أن فرص الاقتصاد والحوكمة موزّعة بشكل عادل وأن يقاوموا السياسات التالية على الثورة والتي تؤسس للإقصاء والظلم وانعدام المحاسبة. فقط من خلال الوحدة يمكن لليبيين أن يواجهوا تحديات المستقبل (الصورة بالأعلى لأشخاص يحتفلون بذكرى الثورة في طرابلس في وقت سابق من اليوم) .

إن الأزمة في ليبيا تتحول إلى مشكلة إقليمية ودولية أكثر من كونها مشكلة محلية، ويجب على قيادات ليبيا والمجتمع الدولي الاعتراف بهذه الحقيقة. مع أن الحل الأفضل للأزمة سيكون محليًا إلا أن الليبيين الآن يفتقدون لإمكانية مواجهة مشاكلهم بمفردهم. بلادهم تحتاج إلى مساعدة العالم الخارجي. من الأساسي أن يتم تنسيق أي حل مع شركاء ليبيين جديرين بالثقة وعلى مقدرة للانضمام إلى المجتمع الدولي في كفاحه ضد صعود الدولة الإسلامية وأن يقفوا في صف الديمقراطية وحكم القانون. مثل تلك الأصوات الليبية لا يمكن الاستغناء عنها في أي حل دولي أو إقليمي.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب