الطريق إلي هزيمة داعش يمر بطهران

مقال رأي

وضع الرئيس الأمريكي باراك أوباما هدفا صعبا للحرب ضد الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش). فقد صرح في منتصف ديسمبر الماضي أن: "لن يضعف تحالفنا ذلك التنظيم الإرهابي الهمجي فقط، سوف ندمره." وأكد أوباما علي هذا الهدف بعد إعدام الطيار الأردني معاذ الكساسبة. ولكن لتحقيق هذا الهدف، عليه أن يشرك إيران، بالأخص في محادثات السلام السورية.

أزمة داعش تحديدا معقدة للغاية، لأنها تربط عدة صراعات فكرية وجيوسياسية في أنحاء المنطقة. التنظيم الإرهابي - وهو لاعب علي الساحة الإقليمية لا يمثل دولة ولكنه يسعي لإقامة الخلافة الإسلامية- مناهض للقوميات، ولمفهوم الدولة الحديثة ورافض بالفعل لأي حدود سياسية معروفة. ويتغذي التنظيم علي التوترات القائمة في العراق وسوريا بين الشيعة والسنة والأكراد، وبشكل أوسع بين إيران وتركيا والسعودية. سمحت تلك الاستراتيجية ببقاء داعش ونموها حتي الآن. وسيؤدي التحالف ذو القيادة الأمريكية لمواجهة التنظيم إلي زيادة الخلافات، خاصة بين إيران والسعودية، أكبر لاعبين في المنطقة. وبالتالي بالنظر للواقع في المنطقة، لا يمكن أن يأتي حفظ الأمن الدولي - وهو هدف الحملة الدولية- علي حساب أمن أو مصالح أي دولة.

لقد أضعف التحالف الدولي بلا شك التنظيم الإرهابي. لكن مع تحول تركيز التحالف بين التكتيكات العسكرية والحل السياسي، سيقف دور الولايات المتحدة كقائدة لتلك الجهود في طريق إحراز تقدم. وعبر استيعاب ذلك ندرك أن كل لاعب إقليمي طور استراتيجيته الخاصة لاحتواء تهديد داعش. إيران متشككة في العمليات الجوية للتحالف، والتي يشارك فيها بعض خصومها العرب الذين ينفذون عمليات علي الأراضي العراقية وأبعد منها. أما تركيا فهي متخوفة من تقليص الصراع لدورها الاقليمي اقتصاديا وسياسيا وأن يتقوي الأكراد علي حسابها. بينما تهدف السعودية بشكل رئيسي إلي إعاقة داعش، حيث تمثل تحديا أيدولوجيًا للحكومة السعودية، وإضعاف نظام بشار الأسد وتقييد دور إيران الإقليمي.

في ظل هذه الظروف، ستضطر الدول الإقليمية إلي التفاوض حول مواقفها المتطرفة من أجل تحقيق الأمن الإقليمي الشامل، بل حدث ذلك بالفعل من قبل. فقد عملت الدول الإقليمية معًا للتوصل إلي حل لمشكلة نزع السلاح الكيميائي السوري بل واجتمعت في مؤتمرات السلام بجنيف من أجل الحرب السورية. لكن عند هذه المرحلة يجب إشراك إيران، والتي تم إقصاءها من جميع تلك الجهود، وخصوصا في مؤتمر جنيف. وتثبت جميع التجارب السابقة لما بعد النزاعات في المنطقة - مثل، طاجكستان في التسعينيات، وأفغانستان عام 2001، والعراق بعد 2003- أنه لن تتحقق أي تسوية إقليمية ناجحة دون مشاركة جميع الأطراف، وتحقيق التوازن بين المصالح الفردية للدول والأمن الإقليمي.

تتمتع إيران بخبرة كبيرة في إدارة ما بعد النزاعات في أفغانستان ولبنان والعراق. كما ساعدت في تكوين ائتلافات، ومثال على ذلك دور إيران في التسوية السياسية الأخيرة في العراق والتي أدت لتغيير رئيس الوزراء نوري المالكي. علاوة علي ذلك فإن لإيران تأثير فريد علي الأطراف الرئيسية الأخري في الصراع مثل روسيا. بل والأهم من ذلك أن حكومة الرئيس روحاني تسعي لانتهاج سياسة خارجية أكثر اعتدالًا، ولديها الحوافر السياسية لحل الأزمة السورية. جميع تلك العوامل تتيح لها لعب دور بناء في المنطقة.

لكن حتي تُدمج إيران بنجاح في محادثات السلام السورية، يجب أن يدرك المفاوضون أن سياستهم التي تشترط رحيل الأسد قبل التفاوض لن تؤدي إلي تحقيق أي تسوية. فالإطاحة بالأسد ستزيد من خسائر إيران الجيوستراتيجية بالمقارنة بخصومها ما سيجعلها أقل رغبة في تقديم تنازلات من تلقاء نفسها. إن أمكن تجهيز الوضع لانضمام إيران، ستكون إيران أكثر مرونة في التعامل مع الأطراف الأخري من أجل التوصل لحل للأزمة السورية.

من الواضح أن سوريا لن تعود إلي وضعها قبل النزاع. الإشكالية الآن هي كيفية إقناع النخبة الأمنية والسياسية في إيران بفائدة التحول السياسي في سوريا، علي الأرجح سيحدث ذلك فقط خلال مباحثات سلام. أيدت إيران مؤخرًا خطة مبعوث الأمم المتحدة في سوريا، ستيفان دي ميستورا، الهادفة إلي "تجميد القتال"، حيث تدعو الخطة لخطوات بناء ثقة في البيئة السياسية السورية المتقلبة. وتهدف خطة السلام الأخيرة لإحلال السلام تدريجيا علي المستوي المحلي (بِدءًا بمدينة حلب) وصولا إلي المستوي الدولي، وبالتالي رفع احتمالات توصل القوي السياسية المختلفة إلي حل سياسي.

عبر الجهود الدبلوماسية البناءة، هناك فرصة أن تحدث أزمة داعش - كتحدٍ مشترك- تقدمًا في التعاون بين إيران والولايات المتحدة. بل قد تعود الاجراءات الأولية لبناء الثقة في سوريا بالنفع علي المحادثات النووية، في ضوء أنه حتي في أعقاب التوصل لاتفاق شامل ومحتمل، يحتاج الطرفان للعمل معا بشكل وثيق. وهو ما سيوفر بدوره مجالًا لتطوير استراتيجية إقليمية لمكافحة الإرهاب.

يتطلب تدمير داعش، حسبما تعهد أوباما، التوصل إلي استراتيجية إقليمية لمكافحة الإرهاب تتضمن تعاونا بين الدول الأطراف في الأزمة. يجب أن يكون هذا التعاون مدعومًا ومضمونًا عبر جهود الوساطة الأمريكية. لقد ظهرت داعش وانتشرت في المناطق غير المحكومة في سوريا والعراق، ولذلك فإن حربها ستتطلب تقوية الدول المشاركة. بينما أدي التحالف الدولي إلي اتباع كل دولة لسياساتها الخاصة، وهو ما سيوفر لداعش المزيد من المساحة لتمارس نشاطها. فقط استراتيجية متعددة الأطراف ومبنية علي الجهود المشتركة والأمن الشامل، وليس علي توازن القوي، ستكون قادرة علي القضاء علي داعش.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب