المقاتلون الأجانب يتسببون بما لم يكن بالحسبان

مقال رأي

يجب أن يشكّل الخوف من فيروس "الإيبولا" الذي ظهر مؤخراً في المناطق التي يسيطر عليها تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» («داعش») دعوة لليقظة بالنسبة إلى دول الشرق الأوسط من المخاطر غير المتوقعة الناتجة عن التراخي في أمن الحدود وفي التدقيق في المهاجرين. ولكن بالنسبة إلى تنظيم «الدولة الإسلامية» نفسه، ينبغي أن يشكّل ذلك تحذيراً صارماً من "البجعات السوداء" - الأحداث غير المتوقعة التي تؤدي في كثير من الأحيان إلى تغيير قواعد اللعبة - التي تصاحب اللجوء المستمر إلى المقاتلين الأجانب.

وفي الوقت الذي واصلت فيه طائرات التحالف الدولي قصف مواقع «داعش» عشية رأس السنة، وردت تقارير غير مؤكدة من الموصل تشير إلى أن مسلحين من تنظيم «الدولة الإسلامية» ظهروا في المستشفيات وهم يعانون من مظاهر مرض تشبه أعراض مرض "الإيبولا"، مما صدم أوساط الصحة العامة ودوائر السياسة الخارجية. إن تفشي مرض "الإيبولا" في غرب أفريقيا، والذي أصاب حوالي 22 ألف وقتل ما يقارب من 8600 شخص في غرب أفريقيا، أثبت أنه من الصعب احتواءه مع بلوغ متوسط معدلات الوفيات منه حوالي 50 في المائة ووصول الحالات المرضية إلى مناطق بعيدة مثل الولايات المتحدة وأوروبا. ومن خلال العمل بشكل وثيق مع السلطات الحكومية المعنية بالسيطرة على الأمراض و"منظمة الصحة العالمية"، فإن البلدان التي كان فيها أفراد سافروا إلى المناطق التي تفشى فيها الفيروس وأُصيبوا بالمرض في وقت لاحق كانت قادرة، حتى الآن على الأقل، على احتواء انتشار فيروس "الإيبولا".

ومنذ ذلك الحين استنتجت "منظمة الصحة العالمية" ووزارة الصحة العراقية أن الحالات التي تم التبليغ عنها لم تكن إصابات بمرض "الإيبولا". بيد أن مثل هذه التقارير الصادرة من المناطق التي يسيطر عليها «داعش» ليست سوى أحدث حلقة في سلسلة من التهديدات غير المتوقعة الناجمة عن الخلافة التي أعلنها تنظيم «الدولة الإسلامية» بنفسه. أما بالنسبة إلى المجتمع الدولي، فإن غياب الاتصال مع تنظيم «داعش» يعني أنه لم تكن هناك أي وسيلة للتبادل الفعّال لبروتوكولات وإجراءات احتواء الفيروس، غير نشر هذه التدابير عبر شبكة الإنترنت ووسائل الإعلام. كما لم تكن هناك طريقة لمراقبة الأشخاص المصابين والجهود المبذولة لاحتواء المرض. وبالنسبة إلى السلطات المختلفة في العراق وسوريا، وفي الدول التي تقع على حدود المناطق التي يسيطر عليها تنظيم «الدولة الإسلامية»، فقد كانت الحالات الشبيهة بمرض "الإيبولا" المُبلغ عنها تشكل مؤشراً على المخاطر الصحية والأمنية غير المتوقعة التي يطرحها تنظيم «داعش» فضلاً عن النمو الذي تشكله المناطق غير المحكومة في الشرق الأوسط على المواطنين العاديين، حتى في المناطق الخاضعة لسيطرة قوية من قبل الدولة. ولا بد من الإشارة إلى أن هذا ليس أول خطر على الصحة العامة يحتمل أن يكون متصلاً بتدفق الأجانب إلى سوريا والعراق، إذ إن تفشي شلل الأطفال في وادي الفرات كان يُعزى إلى ذريّة منشؤها باكستان، مما يطرح السؤال حول كيفية سفر المرض الموهن آلاف الكيلومترات ليصل إلى سوريا ويصيب الأطفال فيها.

خط الدفاع الأفضل

بينما تنفّذ سلطات الصحة العامة في الشرق الأوسط تدابير لحماية سكانها من المرض، فإن أفضل خط للدفاع بالنسبة إلى دول المنطقة القلقة من التهديد الذي يطرحه تنظيم «داعش» يشمل زيادة أمن الحدود والموانئ وتعزيزه. إلا أن هذا الأمر لن يتحقق ببساطة من خلال زيادة الدوريات وبناء السواتر الرملية لردع الشاحنات التي تعبر الحدود، تماماً كما حاول نظام الأسد أن يفعل في عام 2005 - ولكن ليس بحماس كبير - في حدوده مع العراق الذي كان تحت الاحتلال الأمريكي، علماً أنه فشل في ذلك (مما أثار استياء الأسد). وبدلاً من ذلك، يتوجب على الدول الإقليمية اتخاذ إجراءات صارمة ضد الاتجار غير المشروع والذي لا يستفيد منه المهربون فقط، بل المسؤولون الذين غالباً ما يتلقون الرشاوى للسماح بما يعتقدون أنه ببساطة عبارة عن تخطي البضائع للرقابة الأمنية والجمركية. بالإضافة إلى ذلك فإن زيادة التدقيق في المهاجرين القادمين من شمال أفريقيا إلى إيطاليا واليونان ولبنان وموانئ البحر الأبيض المتوسط الأخرى يشكّل أيضاً سبيلاً أساسياً لوقف تدفق الأشخاص الذين من المحتمل أنهم يحملون فيروس "الإيبولا".

وبالنسبة إلى تنظيم «الدولة الإسلامية»، فإن الخوف من مرض "الإيبولا" يسلط الضوء على الأحداث غير المتوقعة التي تصاحب اللجوء المستمر إلى المقاتلين الأجانب الذين قد يكونوا حريصين على شن حرب جهادية، ولكنهم إما لم يتلقوا التطعيمات اللازمة في طفولتهم أو أتوا من مناطق مثل غرب أفريقيا حيث يقتل فيروس "الإيبولا" الآلاف. وفي الحالتين، فإن مشاركتهم في القتال في سوريا والعراق لا تهدد فقط بإضعاف قضية الجهاديين مثل مقاتلي «داعش»، بل ستؤدي أيضاً إلى إلحاق ضرر لا رجعة فيه بالمدنيين في ظل الخلافة الناشئة التي أقامها تنظيم «الدولة الإسلامية» بنفسه وستهدد جاذبية التنظيم على المدى القصير والطويل.

إن كل من ينظر إلى "الإيبولا" أو أي مرض آخر على أنه سلاح بيولوجي محتمل يلعب أيضاً بالنار، إذ ليس فقط من الصعب السيطرة على المرض في داخل البلاد، بل بإمكانه أن يؤدي إلى عواقب غير متوقعة، بما في ذلك زيادة العمليات العسكرية ضد تنظيم «الدولة الإسلامية» التي من شأنها أن تسرّع من نهاية "الخلافة". إن استخدام شبح الجهاديين المصابين بمرض "الإيبولا" كسلاح سيجعل قاعدة «داعش» السنيّة تنظر إلى هذه الفكرة السيئة على أنها تهديد للأمن الإقليمي والشخصي، الأمر الذي لن يؤدي سوى إلى تعزيز، إن لم يكن ترسيخ، الدعم الإقليمي للتحالف الدولي لمكافحة تنظيم «الدولة الإسلامية».

مصدر الترجمة: 
Washington Institute for Near East Policy