تونس وحكومة الأكثرية غير المستقرة

مقال رأي

بعد أشهر من التساؤلات حول ماإذا كانت الحكومة التونسية الجديدة ستضم إسلاميين، فوجئ عدد كبير من الناخبين التونسيين بأن رئيس الوزراء المكلف حبيب الصيد قرّر إشراك حركة النهضة في حكومته. فقد حلت حركة النهضة الإسلامية، التي تُعتبَر الخصم الأساسي لحزب نداء تونس، في المرتبة الثانية في الانتخابات البرلمانية في تشرين الأول/أكتوبر الماضي. على الرغم من أن حركة النهضة لم تحصل سوى على وزير واحد وثلاثة مساعدي وزراء في الحكومة الجديدة، إلا أن حضورها يزعج الناخبين الذين خابت آمالهم وأعضاء حزب نداء تونس الذي قدّم نفسه كمشروع سياسي مناهض للإسلاميين منذ إنشائه في العام 2012.

كلّف الرئيس المنتخب الباجي قائد السبسي الشخصية السياسية المستقلة حبيب الصيد تشكيل حكومة في مطلع كانون الثاني/يناير الماضي. اقترح الصيد في البداية أن تتألّف الحكومة حصراً من حزب نداء تونس والاتحاد الوطني الحر الشعبوي، لكن اقتراحه هذا لقي معارضةً من جميع الفرقاء الذين اعتبروا أنه من شأن مثل هذه الحكومة أن تفتقر إلى التماسك والخبرة. وإذ أدرك الصيد أن هذه التشكيلة الحكومية لاتملك أية حظوظ بالحصول على موافقة مجلس النواب، تقدّم في مطلع شباط/فبراير الجاري باقتراح ثانٍ بتشكيل حكومة تضم وزراء من حزب آفاق تونس الليبرالي (الممثّل بثمانية نواب في البرلمان) والنهضة (69 نائباً).

بيد أن الاقتراح الأول كان مجرد مناورة تكتيكية. فقد بنى حزب نداء تونس حملاته الانتخابية البرلمانية والرئاسية حول معارضته للنهضة. لكن الحزب حصد 86 مقعداً من أصل 217 في مجلس النواب، أي إنه ظل بعيداً عن امتلاك العدد المطلوب من المقاعد - 109 مقاعد - لضمان الأكثرية في البرلمان التونسي. حتى إذا شكّل الحزب ائتلافاً مع الاتحاد الوطني الحر (16 مقعداً) وآفاق تونس (8 مقاعد) والمستقلين، فسوف يحشد 110 مقاعد فقط - أي أكثر بمقعد واحد من العدد المطلوب للحصول على الأكثرية، ناهيك عن أنه لن يضمن تصويت الحزبَين وجميع أعضائهما إلى جانبه دائماً. وعلى الأرجح أن مثل هذا الائتلاف لن يصمد في المدى الطويل، أي حتى موعد الانتخابات المقبلة المقرّرة في العام 2019. وكذلك رفضت الجبهة الشعبية اليسارية (15 مقعداً) الانضمام إلى الائتلاف لأنه يضم وجوهاً من النظام القديم. وأدرك حزب نداء تونس أنه ليس أمامه من خيار سوى تشكيل ائتلاف مع النهضة، لكن كثراً اعتبروا أنها كأس مرّة يصعب تجرّعها. ولذلك بهدف استرضاء أعضاء الحزب، كان على الصيد أن يحاول على الأقل تشكيل حكومة من دون النهضة، مع العلم بأنه كان يعرف أن اقتراحه الأول سيُجابَه على الأكثر بالرفض.

وقد أقرّ البرلمان التونسي النسخة الثانية من حكومة الصيد في الخامس من شباط/فبراير بأكثرية 166 صوتاً، أي أكثر من 75 في المئة من النواب. لكن المراقبين سارعوا إلى التوقّف عند جوانب أساسية في ترتيبات الحكم الجديدة. فقد علّق النقّاد: "لن تدوم الحكومة أكثر من عام أو عامين". قد تؤدّي الخلافات الأيديولوجية بين نداء تونس والنهضة، لاسيما في المسائل الاجتماعية، إلى الإلقاء بضغوط شديدة على الائتلاف الجديد - هذا فضلاً عن افتقار الكثيرين في نداء تونس وآفاق تونس والاتحاد الوطني الحر إلى الخبرة في الحكم. على الأرجح أن التحالف بين النهضة ونداء تونس سيكلّفهما غالياً لناحية التململ في قواعدهما الشعبية.

لقد دفعت النهضة الثمن في الانتخابات البرلمانية على خلفية إدارتها للحكومة، إذ خسرت 20 في المئة من الأصوات التي حصلت عليها في العام 2011. وقد وافقت على المشاركة في الائتلاف الجديد، ولو بتمثيل محدود جداً، بدلاً من الانتقال إلى المعارضة في خطوةٍ كانت لتلقى استحساناً أكبر لدى القاعدة الناخبة. أصبح زياد العذاري، المتحدث السابق باسم النهضة، وزير التشغيل والتكوين المهني في الحكومة الجديدة، وتُعتبَر هذه الحقيبة الوزارية مهمة في تونس بعد الثورة، حيث تشكّل البطالة واحداً من أكبر التحديات التي تعترض الحكومة الجديدة. لكن بما أن البلاد تتخبط في ظروف اقتصادية صعبة، على الأرجح أن العذاري سيكون موضع انتقاد من الرأي العام مهما فعل.

أما في مايتعلق بنداء تونس، فقد يؤدّي قراره إشراك النهضة في الحكومة إلى ابتعاد بعض أنصاره عنه، الأمر الذي قد يؤثّر في الحزب في الانتخابات المقبلة إذا اعتبر هؤلاء الأنصار أنه يتخلّف عن الوفاء بوعوده الانتخابية. كما أن هذا قرار يعزّز الانقسامات الداخلية في صفوف نداء تونس الذي يرزح أصلاً تحت وطأة التجاذبات بين رموز النظام القديم والنقابيين والديمقراطيين الاجتماعيين الذين ينتمون إلى العديد من الأحزاب الأصغر ويشعرون بخيبة الأمل. من أصل 86 نائباً يمثّلون حزب نداء تونس، حجَب نائب واحد الثقة عن الحكومة الجديدة وامتنع أربعة نواب آخرين عن التصويت. لكن وزير الخارجية الجديد، أمين عام حزب نداء تونس الطيب البكوش ندّد في بيان صحافي بعبارات شديدة اللهجة بالنواب الذين لم يصوّتوا للحكومة الجديدة قائلاً إنهم سيُعاقَبون بسبب عدم اتّباعهم الخط الحزبي. وقد أثارت هذه الحادثة نقاشات جديدة عن الخلافات داخل الحزب.

ولفت نقّاد آخرون إلى النقص في العنصرَين النسائي والشبابي في الحكومة الجديدة التي تضم ثلاث وزيرات فقط من أصل 24 وزيراً، كما أن غالبية الوزراء هم فوق الخمسين من العمر، هذا مع العلم بأن نصف التونسيين هم دون سن الثلاثين، وغالباً مايتحدّث السياسيون في تونس عن تحرير المرأة ويصنّفونه في خانة الإنجازات الوطنية. علاوةً على ذلك، أثار قيام السبسي بتعيين حبيب الصيد رئيساً للحكومة وناجم الغرسالي وزيراً للداخلية، مخاوف في أوساط المجتمع المدني. كما أن وجود شخصيات على ارتباط قوي بالنظام القديم في هذه المناصب الأساسية أثار خشية المعارضة التي وجّهت انتقادات حادة لهذه التعيينات. ففي رصيد رئيس الوزراء الجديد مسيرة سياسية طويلة تعود إلى مطلع التسعينيات وحكم زين العابدين بن علي الذي تولّى في عهده منصب مساعد وزير الزراعة والبيئة والموارد المائية. أما ناجم الغرسالي الذي كان قاضياً خلال رئاسة بن علي، فيشغل منصب الحاكم على محافظة المهدية منذ العام 2011.

وفوجئ التونسيون أيضاً بتعيين الأزهر القروي الشابي البالغ من العمر 87 عاماً، "ممثلاً شخصياً لرئيس الجمهورية"، وهو منصب استُحدِث مؤخراً برتبة وزير. وتعليقاً على تعيينه، انتشرت دعابات بأن السياسيَّين المتقدمين في السن سوف يتناوبان على رئاسة البلاد، في مايعكس قلق التونسيين من أن السبسي البالغ من العمر 88 عاماً قد لايتمكّن من قيادة البلاد لمدّة خمس سنوات. وعلى صعيد أكثر جدّيةً، برزت مخاوف من أن استحداث هذا المنصب ربما ينطوي على محاولة للالتفاف على آلية انتقال الحكم المنصوص عنها في الدستور.

على ضوء التحديات المختلفة التي تواجهها الحكومة الجديدة - ومنها الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية، والتهديدات الأمنية، والانتخابات البلدية - من الضروري وضع خطة واضحة للعمل والتنسيق بين الحقائب الوزارية المختلفة كي تسلك تونس المسار الصحيح من جديد. ففي حين أن المؤسسات التونسية تسير على قدم وساق نحو الديمقراطية، تستمر المشاكل الاقتصادية والاجتماعية التي كانت في أساس انتفاضة 2011. قد تؤدّي الاختلافات الأيديولوجية، فضلاً عن الحاجة إلى تنسيق مواقف الأحزاب الأربعة المختلفة، إلى تبطيء عملية صنع القرارات، الأمر الذي من شأنه أن يلقي بضغوط إضافية على المواطنين الذين لايزالون يترقبون تحقيق نتائج ملموسة من انتفاضتهم أكثر مما تحقّق حتى الآن.

 

مصدر الترجمة: 
Carnegie Middle East Center