حماس المحاصرة: انفجار يلوح في الأفق

مقال رأي

في مسيرة لحماس في غزة، حذر المتحدث باسم الحركة سامي أبو زهري من أن الحصار المستمر للقطاع "سوف يدفع حماس الى ارتكاب أفعال قد يمكن وصفها بالمجنونة". عندما يتعلق الأمر بحماس، فذلك النوع من الخطاب هو أمر معتاد، باستثناء شيئا واحدا: هدف التهديد لم يكن اسرائيل. لقد كانت المسيرة للاحتجاج على السياسات المصرية.

منذ نهاية حرب غزة في صيف عام 2014، قامت مصر بتصعيد الضغط السياسي والاقتصادي على حماس. أتت تلك التحركات متماشيةً مع حملة الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي ضد المعارضة الاسلامية بداخل مصر. فبعد كل شيء، نشأت حماس في الاصل من فرع غزة للاخوان المسلمين، وتدعي الحكومة المصرية أن الجماعة ككل هي جزء من مؤامرة دولية ضد مصر وتدميرها هو ضرورة وجودية. يجب أن ننظر الى سياسة مصر تجاه غزة من هذا المنظور: تحييد الجماعة بالداخل، انها تهدف الى اضعاف حلفاء الجماعة في أي مكان آخر، بما في ذلك التخلص من سيطرة حماس على غزة.

لكن بالتعامل مع قطاع غزة على أنه تهديد للأمن القومي ودفع حماس مع باقي سكان القطاع إلى اليأس، يزيد السيسي فقط من احتمالية هجوم حماس. فبعد كل شيء، كانت حرب الصيف الماضي التي استمرت لمدة 50 يوما بين حماس واسرائيل نتيجة لسياسة الكماشة المصرية الاسرائيلية ضد القطاع. بالنسبة للقاهرة، كانت تلك الحرب هي أفضل نتيجة ممكنة لسياستها تجاه غزة. اندفعت حماس للحرب مع اسرائيل وليس مصر، وتولى جيش الدفاع الاسرائيلي مسؤولية القضاء على الحركة (متحملا عبء الانتقادات الدولية بسبب الاضرار بالوضع الانساني في غزة المتضرر بشدة بالفعل).

منذ ذلك الوقت، قيدت الحكومة المصرية دخول الاشخاص والبضائع من خلال معبر رفح، والذي كان من قبل المنفذ الرئيسي الذي يستطيع من خلاله سكان غزة الخروج من القطاع. على طول الحدود المصرية مع قطاع غزة، حاولت الحكومة المصرية التكيف مع الاضطراب الامني عبر ابقاء المعبر مغلقًا معظم الوقت وإنشاء منطقة عازلة جديدة، مجبرة السكان على الخروج لتدمير المنازل، المباني، والاراضي الزراعية التي تقع في نطاق 1 كيلومتر من الحدود. كلا الأمرين زاد من عزلة غزة وعقد اي محاولات لدخول أو خروج الأشخاص او البضائع إلى أو من القطاع.

تزامن عزل غزة مع الحملة ضد الانفاق على الحدود مع القطاع. في عهد الحاكم المصري حسني مبارك، وفرت مصر لغزة حبل انقاذ مخفيًا: المئات من الأنفاق الممتدة أسفل الحدود بين مصر والقطاع، وغضت القوات المصرية الطرف بينما تدفقت السلع الاستهلاكية ومواد البناء عبر شبه جزيرة سيناء إلى غزة. بدأت العمليات ضد الانفاق خلال فترة حكم محمد مرسي بعد المذبحة التي أدت إلى مقتل 16 جنديا مصريا في رفح؛ لكن بعد الاطاحة بمرسي، توسعت الحملة بشدة مع تصاعد العنف في سيناء. ثم، في مارس 2014، منعت محكمة مصرية أنشطة حماس السياسية في القاهرة. مؤخرا، صنفت مصر رسميا كتائب عز الدين القسام الجناح العسكري لحركة حماس كـ "منظمة إرهابية".

باختصار، بعد حوالي ستة أشهر من بداية الحرب، لم ينتهي خنق غزة. على طول الحدود مع مصر، تزايد احباط الوضع. داخل القطاع، تسير عملية النقاهة واعادة الاعمار بعد الحرب ببطأٍ شديد، بينما يتدهور الوضع الانساني يوميا، مع وجود 100 الف نازح داخل القطاع مع نقص شديد في المنازل، البنية الصحية، المياه، وأيضا البنية التحتية الاساسية ، فبعد دمارٍ واسع خلفته الحرب، تحتاج غزة بشدة إلى عملية إعادة إعمار وبناء ضخمة. لكنها تفتقد كلا من الادوات والاموال اللازمة لذلك. بينما تصاعد التوترات الاجتماعية، والضربات الجوية المستمرة طويلا، والاحتجاجات ضد منشآت الأونروا بعد تعليق المساعدات، كلها مؤشرات لتزايد الاحباط بين سكان القطاع.

المشكلة، بالطبع، أكبر من مصر. لا يمكن انكار أن الوضع في غزة ناتج عن مزيج تعيس من عدم قدرة حماس والسلطة الفلسطينية على العمل معًا، والمعدل البطيء لفتح اسرائيل للحدود، والتردد العام من قِبَل المانحين الدوليين لارسال المساعدات. رغم ذلك، تظل مصر طرف رئيسي في ذلك الموقف المعقد، وتناقض تصرفاتها الحالية الانفتاح السياسي والاقتصادي الذي وافقت عليه حماس واسرائيل - بوساطة مصرية- بعد الاشتباك القصير في عام 2012. بالفعل، فعدم رغبة مصر واسرائيل في الوفاء بالتزامات هدنة 2012 كان أحد الدوافع الرئيسية وراء حرب 2014.

بالاضافة إلى زيادة احتمالية معركة جديدة في القطاع، فالسياسات الحالية تجاه غزة تزرع الانقسامات داخل حماس حول الموقف من المصالحة مع فتح والحفاظ على الهدنة المؤقتة. في سياستها الخارجية، تناقش حماس أيضًا جدوى التقارب المعلن بشدة (ولكن البطيء أيضا) مع إيران. ومما يضيف إلى تعقيد الوضع، فحماس تدرس تحسين محتمل للعلاقات مع محمد دحلان، خصمها السابق من حركة فتح. من الواضح أن حركة حماس بدأت بالسماح لمؤيدي دحلان بتنظيم مسيرات ضد خصمهما المشترك: الرئيس الفلسطيني محمود عباس. من الواضح أن هذه النقاشات الجارية تثير توترات داخل حماس بين من يدعمون الحفاظ على العلاقة مع فتح والهدوء مع إسرائيل وبين هؤلاء الذين قارب صبرهم على النفاذ.

وجود انقسام في حماس قد يبدو كأخبار جيدة من منظور مصر، لكن الأمر قد يكون له تبعاته السلبية الخطيرة. ان الاحباط الداخلي المتصاعد من الممكن أن يعيق أكثر أي مباحثات مع عباس والسلطة الفلسطينية - وبخاصة إذا فقدت مصر دورها كوسيط. بدوره، قد يسوء الوضع على الأرض أكثر في غزة.  والأكثر من ذلك، قد يؤدي الحصار الخانق والضغط السياسي والاقتصادي الى دفع حماس الى تصعيد عسكري آخر. يراهن القادة المصريون على أن القطاع اذا انفجر مرة أخرى فسوف ينفجر باتجاه اسرائيل. لكن، مع علاقات مضطربة مع حكومة السيسي ورفع حماس للتوترات على معبر رفح، يجب ألا تكون مصر متأكدة للغاية.

 
مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب