داعش في طريقها للتلاشي

مقال رأي

بدأت الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) في التلاشي. صحيح أنها نجحت في القيام بإعدام الطيار الأردني، معاذ الكساسبة، بشكل بشع، وصحيح أيضًا أنها جذبت جهاديين من أنحاء العالم، وصحيح أنها ما تزال تحتفظ بمساحات في سوريا والعراق، لكن الشقوق بدأت تظهر في الخلافة التي نصَّبوها لأنفسهم.

أحد الأسباب أنه بداية من الصيف الماضي ساعد التدخل الأمريكي في العراق على تعطيل تقدم داعش؛ من حينه استطاعت القوات الهجوم وبدأت في طرد المجموعة الإرهابية من المناطق التي تستولي عليها. لقد فقدت داعش كوباني، المدنية الحدودية السورية التي يتمركز فيها أغلب العنف ونالت هزائم في بوجاي وجرف الصخر وديالا وسد الموصل. في الصورة الكبيرة للأمور لا يرقى ذلك إلى الكثير: لقد خسرت داعش 700 كيلومتر فقط من مساحة 55000 من الأراضي التي تسير عليها، أي حوالي 1 بالمئة. لكن على الأقل تم إيقاف التدافع.

توجد الآن هجمة مخطط لها أن تتم في الربيع بمجهودات أمريكية عراقية مشتركة لاستعادة العاصمة السُنيّة، الموصل، ما يمكن أن يمثل لحظة انطلاق. قوات الأمن العراقي وقوات البشمرجة والقبائل السنية - المسنودة من قِبل العون الجوي الأمريكي والمستشارين العسكرين - ستسعى جميعها لإنهاء حكم داعش في شمال وغرب العراق ولإعادة قيادة الحكومة في البلدات والمدن المحلية.

هناك مخاطر في هذه الاستراتيجية؛ تجد داعش أنه من الأسهل الاستيلاء على مناطق سُنيّة حيث توجد مخاطرة في تورط قوات شيعية أو قوات البشمرجة. لإعادة الاستيلاء على الموصل يجب على التحالف أن يتفادى إرسال البشمرجة أو المليشيات الشيعية إلى المعركة. كلما دخلت تلك القوات إلى مكان أعمق داخل المقاطعة السُنيّة كلما كان من المرجح أن يدفعوا السُنّة إلى المقاومة المسلحة. في غياب أي تهديد من الشيعة أو البشمرجة قد تستغله داعش فإنها سريعًا ما ستخسر حلفاء تكتيكيين مثل أنصار السُنّة وجيش رجال الطريقة النقشبندية والكتبية الثورية 1920. وعندما تحارب وحدها فإنها تخسر. على سبيل المثال، لم يكن لداعش حلفاء ليساعدوها في تأمين كوباني وسد الموصل. هزمتها في الحالتين قوات برية عراقية مصممة تدعمها أسلحة أمريكية وضربات جوية. وهي ضربة لمركزها كجيش إرهابي له هيبته.

ليست تلك هي حالة التراجع الوحيدة التي عانت منها داعش مؤخرًا، فحسبما قال متحدثون باسم المجموعة وتقارير إخبارية كان هناك على الأقل محاولتي انقلاب ضد قيادة داعش. في نوفمبر الماضي، أعلنت داعش أنها تفادت خطة من قِبل خلية من الأزاربيجانيين الذين كانوا يخططوا لقتل أعضاء في داعش ولتشجيع آخرين على الانضمام لفرع مضاد للتنظيم. وظهرت مؤخرًا تفاصيل عن محاولة انقلاب ضد قيادة داعش في شرق سوريا يقودها أبو أيوب الأنصاري، حاكم الرّقة الداعشي. تم قتل الأنصاري وعشرات آخرين كرد على الأمر ويُعتقد أن بعض المتآمرين مع الأنصاري قد فرّوا من الرّقة.

بالإضافة إلى ذلك، يبدو أن إحساسًا متزايدًا بخيبة الأمل يسري بين المجندين. مستوى العنف عال بشكل فائق حتى بالنسبة إلى مجموعة جهادية. وبعيدًا عن قطع الرؤوس والحرق يتم رمي السجناء من فوق المباني وصلبهم وحرقهم أحياء وخوزقتهم. يتم إجبار المجندات من النساء على الدخول إلى معسكرات جنس حيث يتم اغتصابهم. حسبما قالت لجنة تابعة للأمم المتحدة فإن المجموعة تعذّب وتصلب وتقوم بوأد الأطفال.

في الوقت نفسه، تم الزج بالمحاربين الأجانب الذين يأتون لمحاربة نظام بشار الأسد في صراع ضد الفصائل الأخرى في سوريا. ويتم إعطاء آخرين مهمات وضيعة مثل تنظيف الأسلحة ونقل الجثث من الخطوط الأمامية. من يرفضون مهامهم يتم اتهامهم بأنهم زنادقة ويعدمون. ومن يحاولون الهرب لهم نفس الفرصة في الموت، فكما صرّح المرصد السوري لحقوق الإنسان فإن ما يزيد عن 100 شخص ممن كانوا يرغبون في ترك داعش تم إعدامهم بين أكتوبر وديسمبر 2014. يشير هذا إلى أن داعش تنقلب على نفسها بشكل متزايد.

شيء أخر يبطئ داعش: تم إجبار المجموعة على حكم أراض تسيطر عليها حاليًا، والأمر لا يسير بشكل جيد فقد انهار إنتاج القمح والكهرباء غير منتظمة، وهرب موظفو المستشفيات ومخزون المواد الصيدلانية متناقص. خدمات المياه كانت أفضل تحت الأسد ورئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي. يمكن لداعش أن تسيطر على مناطق وتفرض القانون والنظام، لكنها بوضوح لا تستطيع أن تحكم.

تحت هذه الظروف كان إعدام الكساسبة خطأ استراتيجيًا. لقد غضب الأردن - على الأقل حتى الآن. المرّة الأخيرة التي تعرض فيها البلد لمثل هذا الهجوم الكبير كانت في نوفمبر 2005 عندما قتلت القاعدة 60 شخصًا في ثلاث هجمات منسقة على فنادق في عمان. هذه الهجمات لم تفقد المجموعة فقط تأييدًا واسعًا عبر المنطقة، لكنّها أدّت أيضًا إلى أن ترفع الأردن من جمعها للمعلومات الاستخباراتية. خلال شهور تم قتل زعيم القاعدة الأردني في العراق، أبو مصعب الزرقاوي، في مهمة ساهمت فيها بشكل أساسي الاستخبارات الأردنية. لو فعلت الأردن نفس الشيء هذه المرّة فإنه سيأتي في وقت لا تستطيع داعش احتماله.

على الجانب الآخر فإن المكاسب التي حصلت عليها العراق والغرب ضد داعش يمكن خسارتها لو لم تكن هناك إرادة دولية كافية للضغط للحفاظ عليها. بقاء الولايات المتحدة مشتبكة عسكريًا هو أمر حرج، والدول الشريكة مثل المملكة المتحدة يجب أن تزيد من تأييدها كي تحمل نصيبًا في هذا الحمل.

من المركزي أن ندرك أن السُنّة فقط يمكنهم في آخر الأمر إخلاء مناطقهم من أي تواجد لداعش. أحد الأسباب الأساسية التي دفعت قوات الأمن العراقية للهرب من الموصل، في يونيو 2014، كان أنهم لم يكن لهم أي ارتباطات سياسية أو اقتصادية هناك، وبالتالي لم يكونوا مهتمين بالمحاربة والموت من أجلها. يستطع السُنّة فعل الأمر، ما لم تستطع داعش أن تجادل بإقناعهم أنها الحامي الوحيد ضد الشيعة.

لهذا فعمل الولايات المتحدة مع المليشيات المدعومة من إيران ضد داعش سيأتي بنتائج عكسية. لا يستطيع الغرب دفع السُنّة إلى مأزق بأن يعرض عليهم الاختيار بين صراع مع المليشيات الشيعية – مع إراقة الدماء الطائفية التي ستتلوا ذلك بدون شك - أو تحالف مع داعش. إن استراتيجية شاملة تقودها الولايات المتحدة يجب أن تتضمن شراكة مع السُنّة في محاربة داعش وطمأنة السُنّة أنه لن يعقب هزيمة داعش أي كتائب إعدام شيعية.

داعش تتلاشى حاليًا، لكن سياسة الولايات المتحدة لا تستغل ذلك بشكل كامل. نحن في الوقت المناسب. في حال تعامل الغرب مع أوجه القصور في استراتيجيته سيتسبب الضعف الذي ينخر في داعش في سقوطها.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب