داعش ليست منظمة إرهابية

مقال رأي

خشي الكثيرون داخل مؤسسة الأمن القومي الأمريكية، بعد 11 سبتمبر، من أن واشنطن - بعد عقود من التحضير لمواجهة مع الأعداء التقليديين - غير مستعدة للتحديّات التي يشكلها عدو غير تقليدي مثل القاعدة. لهذا قامت الولايات المتحدة، عبر العِقد التالي، ببناء هيكل بيرقراطي منفصل لمحاربة المنظمات الجهادية تقوم قواتها المسلحة واستخباراتها ووكلات حفظ الأمن بها بتطويعه من أجل القيام بمهام مكافحة الإرهاب ومكافحة التمرد.

لكن الآن هناك مجموعة مختلفة، الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) والتي تسمي نفسها الدولة الإسلامية، قد حلّت محل القاعدة بصفتها التهديد الأكثر إثارة للقلق. تتشابه أيديولوجيا داعش وخطابها وأهدافها على المدى الطويل مع القاعدة، وقد كانت المجموعتان حليفتين في السابق. لهذا يتصور كثير من المراقبين أن التحدي الحالي بسيط ويحاولون إعادة تصويب آلة مكافحة الإرهاب الخاصة بواشنطن، والتي أصبحت مهولة، على الهدف الجديد.

لكن داعش ليست القاعدة. هي ليست فرع أو جزء من منظّمة إسلامية راديكالية أقدم. وهي أيضًا لا تمثل الخطوة التالية في تطورها. ومع أن القاعدة تبقى خطيرة - خاصة التابعين لها في شمال أفريقيا واليمن - إلا أن داعش هي خليفتها. داعش تمثّل التهديد الجهادي لـ "ما بعد القاعدة".

في خطاب أذيع تلفزيونيًا على جيمع أنحاء البلاد، في سبتمبر الماضي، شرح أوباما خطته "لإذلال ومن ثم تدمير" داعش. وقد رسم الرئيس باراك أوباما خطًا مستقيمًا بين المجموعة المذكورة والقاعدة وادّعى أن "داعش منظمة إرهابية ببساطة ووضوح". هذا خطأ: داعش بالكاد تتفق مع ذلك التوصيف، وعلى الرغم من أنها تستخدم أساليب إرهابية إلا أنها ليست في الحقيقة منظمة إرهابية إطلاقًا. إن الشبكات الإرهابية من قبيل القاعدة عادة ما تحوي عشرات أو مئات الأعضاء، وتهاجم المدنيين، وهي لا تستولي على أراضي، ولا تستطيع على نحو مباشر مواجهة القوات المسلحة. داعش على الجانب الآخر تفخر بما يقارب 30000 مقاتل وتستولي على أراضي في العراق وسوريا ولها قدرات عسكرية واسعة وتسيطر على خطوط اتصال وبنية تحتية للقيادة وتموّل نفسها وتشتبك في عمليات عسكرية معقدة. إذا كانت داعش أي شيء، ببساطة ووضوح، فهي شِبه دولة يقودها جيش اعتيادي. لهذا فإن استراتيجيات مكافحة الإرهاب ومكافحة التمرد التي تقلل كثيرًا من خطر القاعدة لا تفلح ضد داعش.

كانت واشنطن بطيئة في تطويع سياساتها في العراق وسوريا للطبيعة الحقيقية لتهديد داعش. في سوريا أعطت مكافحة الإرهاب الأمريكية أولوية لقصف المتصلين بالقاعدة مما أعطى أفضلية لداعش ووفّرت لنظام الأسد فرصة لسحق الثوار السوريين المعتدلين المواليين للولايات المتحدة. وفي العراق تستمر واشنطن في الاعتماد على نوع من مناهضة التمرد تعتمد فيه على استعادة الحكومة المركزية في بغداد لشرعيتها المفقودة وتوحيد البلاد وبناء قوة أصيلة لهزيمة داعش. هذه الطرق في التعامل طوّرت نوعًا مختلفًا من التهديد وتجاوزتها الأحداث. ما نحتاجه الآن هو استراتيجية "احتواء الهجوم": مزيج من التكتيكات العسكرية المحدودة والاستراتيجية الدبلوماسية الواسعة لإيقاف توسع داعش وعزل المجموعة والتقليل من قدراتها.

ضربات مختلفة

الفرق بين القاعدة وداعش يضرب بجذوره في تاريخهما. أتت القاعدة في أعقاب الغزو السوفيتي لأفغانستان عام 1979. تشكلت آراء قيادتها فيما يخص العالم والتفكير الاستراتيجي عبر عشر سنوات من الحرب ضد الاحتلال السوفيتي عندما تدفق الآلاف من المقاتلين المسلمين، بما فيهم أسامة بن لادن، إلى البلاد. ومع تكتل تلك المنظمات أخذت شكل شبكة دولية تركز على القيام بهجمات كبرى ضد أهداف في الغرب أو بين حلفاء الغرب بهدف حث المسلمين على الانضمام إلى المواجهة الدولية للقوى العلمانية القريبة والبعيدة.

أتت داعش إلى الوجود بفضل غزو الولايات المتحدة للعراق عام 2003. في أبكر تجلياتها لم تكن أكثر من عدد من المنظمات السنية المتطرفة التي تحارب القوات الأمريكية وتهاجم المواطنين الشيعة في محاولة إشعال حرب أهلية. في ذلك الوقت، كانت تسمّى بـ "تنظيم القاعدة في العراق" وكان قائدها، أبو مصعب الزرقاوي، قد أقسم بالولاء لبن لادن. قُتل الزرقاوي بهجمة جوية أمريكية، في عام 2006، وسريعًا ما انمحت القاعدة في العراق أو كادت عندما قررت القبائل السنية أن تتحالف مع الأمريكيين لمواجهة الجهاديين. لكن الهزيمة كانت مؤقتة. جددت القاعدة في العراق نفسها داخل السجون التي تديرها الولايات المتحدة في العراق، حيث اتصل المتمردون والإرهابيون ببعضهم البعض وقاموا بتكوين شبكات - وكان ذلك هو المكان الذي ميّز فيه أبو بكر البغدادي، الزعيم الحالي الذي نصّب نفسه خليفة، نفسه كقائد.

في 2011، وبينما يتوسع التمرد ضد نظام الأسد في سوريا، استغلت المجموعة الفوضى واستولت على ممتلكات في شمال شرق سوريا مؤسسة قاعدة لعملياتها وحينها غيّرت اسمها إلى "داعش". في العراق، استمرت المجموعة في استغلال ضعف الدولة المركزية، كما استغلت الصراع الطائفي في البلاد والذي ازداد حدّة بعد انسحاب القوات الأمريكية. مع رحيل الأمريكيين قام رئيس الوزراء العراقي، نوري المالكي، باتخاذ أجندة حازمة مساندة للشيعة مما زاد من اغتراب السنة العرب عبر البلاد. تحتسب داعش الآن بين أعضائها قيادات قبلية سنية، ومتمردين سابقين ضد الولايات المتحدة، بل وضباط عراقيين سابقين علمانيين يسعون لاستعادة السلطة والأمن الذي تمتعوا به خلال حقبة صدام حسين.

مثّلت غزوات المجموعة للمناطق العراقية صدمة. عندما استولت داعش على الفلوجة والرمادي، في يناير 2014، وتوقع أغلب المحللين حينها أن القوات العراقية، المدرّبة من قِبل الأمريكيين، ستشكل تهديدًا. لكن في يونيو، ووسط هروب جماعي للجيش العراقي، تقدّمت داعش نحو بغداد مستولية على الموصل وتكريت والقائم وعدة بلدات عراقية أخرى. بنهاية الشهر، غيّرت داعش اسمها للدولة الإسلامية وأعلنت أن المناطق التي تقع تحت سيطرتها هي الخلافة الجديدة. في الوقت نفسه، وحسبما قدّرت الاستخبارات الأمريكية، توافد 15000 مقاتل أجنبي من 80 دولة على المنطقة للانضمام إلى داعش، أي بمعدّل 1000 شخص شهريًا. مع أن أغلب هؤلاء المجندين قد جاءوا من بلاد ذات أغلبية مسلمة، مثل تونس والسعودية، إلا أن بعضهم قد جاء من استراليا والصين وروسيا وأوروبا الغربية. وقد نجحت داعش في جذب بعض المراهقين الأمريكيين، من الأولاد والبنات على السواء، المنحدرين من عائلات عادية تنتمي إلى الطبقة الوسطى في دنفر ومنيابوليس وضواحي شيكاغو.

مع تنامي داعش أصبحت أهدافها ونواياها أكثر وضوحًا. ترى القاعدة نفسها كحامية للتمرد الدولي موظّفة المجتمعات المسلمة ضد الحكم العلماني. على عكس ذلك، فإن داعش تسعى للسيطرة على منطقة لخلق دولة إسلامية سنية "نقية" يحكمها تفسير وحشي للشريعة لتمحو فورًا الحدود السياسية للشرق الأوسط التي خلقتها القوى الغربية في القرن العشرين ولتضع نفسها في دور السلطة السياسية والدينية والعسكرية الوحيدة فوق جميع مسلمي العالم.

ليسوا إرهابيين تقليديين

بما أن أصول داعش وأهدفها تختلف بشكل ملحوظ عن القاعدة فإنها تعمل بأشكال مختلفة تمامًا.  ونتيجة لذلك، فإن الاستراتيجية الأمريكية لمكافحة الإرهاب التي تم تفصيلها لمحاربة القاعدة لا تناسب الكفاح ضد داعش.

في مرحلة ما بعد 11 سبتمبر، قامت الولايات المتحدة بتأسيس بنية تحتية استخباراتية وعمليات فرض للقانون وعمليات العسكرية موجهة ضد داعش والمرتبطين بها تصل تكلفتها إلى ترليون دولار. حسبما ورد في تحقيق في الواشنطن بوست عام 2010، فإن 263 منظمة حكومية أمريكية تم تأسيسها أو إعادة تنظيمها في رد فعل على هجمات 11 سبتمبر بما في ذلك وزارة الأمن الداخلي ومركز مكافحة الإرهاب وإدارة أمن المواصلات. تنتج وكالات الاستخبارات الأمريكية سنويًا حوالي 50000 تقرير عن الإرهاب. وتتعقب 51 منظمة فيدرالية أمريكية تدفق الأموال إلى ومن الشبكات الإرهابية. ساعد هذا الهيكل على جعل الهجمات الإرهابية على الأرضي الأمريكية نادرة جدًا. بهذا المعنى يكون النظام قد نجح، لكنه ليس مناسبًا للتعامل مع داعش التي تمثّل بدورها نوعًا مختلفًا من التحدي.

إن الخطاب الذي تسوق به داعش لنفسها أمام من تستهدفهم هو الغزو بكل أشكاله بما في ذلك الجنسي منه.

فكر في أول حملة عسكرية واستخباراتية أمريكية كبرى لأسر أو قتل القيادات المركزية للقاعدة عبر هجمات بالدرون (طائرة بدون طيار) وهجمات من قوات خاصة، حيثتم قتل 75 بالمئة من القيادات المركزية في مجموعة القاعدة بغارات ودرون وهي تكنولوجيا مناسبة بشدّة في مهمات ملاحقة الأهداف المختبئة في المناطق الريفية حيث ينخفض احتمال المخاطرة بقتل المدنيين خطأ. مثل تلك الأساليب لا تَعد كثيرًا بقتال داعش. يتجمع مقاتلو المجموعة وقياداتها في مناطق حضرية حيث يندمجون على نحو جيد جيدًا وسط السكان المدنيين وعادة ما تحاوطهم مباني مما يجعل غارات الدرون أصعب بكثير. ببساطة، إن قتل قيادات داعش لن يشل المنظمة. إنهم يحكمون شبه دولة تعمل جيدًا وفق هيكل إداري معقّد. في قمة القيادة العسكرية نجد الإمارة والتي تتكون من البغدادي ونائبين كلاهما خدم في وقت سابق كجنرالات في الجيش العراقي وقت صدام حسين: أبو علي الأنباري الذي يسيطر على عمليات داعش في سوريا، وأبو مسلم التركماني الذي يسيطر على عمليات داعش في العراق. يشرف على البيروقراطية المدنية داخل داعش 12 إداريًا يحكمون المناطق في العراق وسوريا ويشرفون على مجالس تتولى أمور مثل الأموال والإعلام والشؤون الدينية. ومع أنها ليست الحكومة المثالية التي تتحدث عنها فيديوهات الدعاية الخاصة بداعش إلا أن هذا الكياب "الشبه دولة" يستطيع العمل بجدارة بدون البغدادي أو أقرب ضباطه.

كما تشكل داعش تحديًا مرهقًا لأساليب مكافحة الإرهاب الأمريكية التقليدية التي تستهدف تمويل الجهادين والدعاية والتجنيد. قطع تمويل القاعدة كان أحد أكثر قصص النجاح في مجال مكافحة الإرهاب إبهارًا. سريعًا، بعد هجمات 11 سبتمبر، بدأت الإف بي آي والسي آي إيه في التعاون بشكل لصيق مع الاستخبارات المالية. سرعان ما انضمت لهم وزارة الدفاع. زرع عملاء الإف بي أي وسط الوحدات العسكرية الأمريكية، خلال غزو العراق عام 2003، والتقوا بأشخاص مشتبه في كونهم إرهابيين في المنشآت الأمريكية في خليج غوانتنامو بكوبا. في 2004، أنشأت وزارة المالية الأمريكية مكتب المعلومات الإرهابية والمالية والذي أصاب بعمق قدرة القاعدة على الاستفادة من غسيل الأموال وتلقي أي أموال تحت غطاء الأعمال الخيرية. ظهرت أيضًا شبكة دولية لمكافحة تمويل الإرهابيين تدعمها الأمم  المتحدة والاتحاد الأوروبي ومئات الحكومات المتعاونة. نتجية لذلك أصبح هناك حصار جاد على تمويل القاعدة. بحلول 2011، قالت وزارة المالية إن القاعدة "تكافح لتأمين خطة تمويل منتظمة كي تخطط وتنفذ هجمات إرهابية".

لكن مثل تلك الأدوات تساهم قليلًا في القتال ضد داعش؛ لأن داعش لا تحتاج إلى تمويل خارجي. الاستيلاء على الأراضي سمح للمجموعة بأن تبني لنفسها نموذجًا ماليًا مكتفيًا ذاتيًا لا تتصوره أغلب المجموعات الإرهابية. بداية من 2012، قامت داعش تدريجيًا بالاستيلاء على الأصول النفطية في شرق سوريا. وتسيطر الآن على 60 بالمئة من إمكانيات إنتاج البلاد للنفط. في الوقت نفسه، وخلال اندفاعها داخل العراق في الصيف الماضي، استولت داعش أيضًا على سبعة مواقع إنتاج نفط في البلاد. وتستطيع المجموعة بيع بعض هذا النفط في السوق السوداء في العراق وسوريا – بما في ذلك، كما قالت بعض التقارير لنظام الأسد نفسه. كما تهرّب داعش النفط خارج العراق وسوريا إلى الأردن وتركيا حيث تجد العديد من المشترين المستعدين لدفع أسعار أقل من سعر السوق للخام المهرّب. مع كل ذلك فإن موارد داعش من النفط تقدّر بما بين مليون وثلاثة ملايين دولار يوميًا.

النفط هو أحد عناصر الروزنامة المالية للمجموعة. في يونيو الماضي، عندما سيطرت داعش على مدينة الموصل الشمالية نهبت البنك المركزي وبنوك أخرى صغيرة ونهبت الآثار لتبيعها في السوق السوداء. كما سرقت مجوهرات وسيارات وآلات وبهائم من السكان الذين قامت بغزوهم. تسيطر المجموعة أيضًا على قنوات المواصلات الكبرى في غرب العراق بما يسمح لها بفرض الضرائب على حركة البضائع ورسوم المرور. كما أنها أيضًا تكسب من ريع القطن والقمح المزروع في الرقة، سلّة خبز سوريا.

بالطبع، كغيرها من الجماعات الإرهابية، تأسر داعش الرهائن وتطلب عشرات الملاين من الدولارات كفدية. لكن الأهم بالنسبة لماليات المجموعة هو الابتزاز الذي يستهدفون به الملاك والمنتجين فارضين ضرائب على كل شيء من المزارع العائلية الصغيرة إلى الأعمال الكبيرة مثل مقدمي خدمة الهاتف المحمول وشركات توصيل المياه والخدمات الكهربائية. الأعمال معقّدة لدرجة أن خزانة الولايات المتحدة قررت ألا تقدر إجمالي أصول وإيرادات داعش، بيد أن داعش بوضوح مشروع شديد التنوع يتقزّم أمام ثروته أي منظمة إرهابية. لا توجد أدلة على أن واشنطن نجحت في تخفيض خزائن المجموعة.

الجنس والجهادي الأعزب

الزاوية الأخرى في عملية مكافحة الإرهاب الأمريكية التي سعت بشكل جيد ضد القاعدة هي العمل على إزالة الشرعية عن المجموعة بنشر أخطائها في الاستهداف وإفراطها في العنف - أو بمساعدة حلفاء الولايات المتحدة في قيامهم بذلك. كثيرًا ما قتلت هجمات القاعدة مسلمين وقيادات المجموعة حساسة بشكل كبير للخطورة التي يشكلها ذلك على صورتهم كحراس للحركة الإسلامية الكبيرى. الهجمات التي حصلت في المغرب والسعودية وتركيا في 2003، وأسبانيا في 2004، والأردن والمملكة المتحدة في 2005، نتج عنها جميعًا ضحايا من المسلمين مما أثار غضب أعضاء المجتمعات الإسلامية في كل مكان، الامر الذي قلل من تأييد القاعدة عبر العالم الإسلامي. وقد فقدت المجموعة المساندة الشعبية بشكل تدريجي منذ 2007. القاعدة محتقرة بشكل واسع في العالم الإسلامي اليوم. قال استفتاء قام به مركز دراسات بيو إن حوالي 9000 مسلم في 11 بلدًا، عام 2013، لديهم في المتوسط رفضًا مرتفع المستوى للقاعدة: 57 بالمئة. في بلاد كثيرة كان الرقم أعلى بكثير: 96 بالمئة من المسلمين الذين استفتوا في لبنان، و81 بالمئة في الأردن، و73 بالمئة في تركيا، و69 بالمئة في مصر كان لديهم نظرة غير مرضية للقاعدة.

على الجانب الآخر، يبدو أن للقاعدة حصانة ضد مخاطر رد الفعل العنيف. في إعلان نفسه خليفة قام البغدادي بادعاء جريء (وإن كان عبثيًا) بالسلطة الدينية. لكن رسالة داعش الجوهرية هي القوة العارية والانتقام وليس الشرعية. إن وحشيتهم - فيديوهات قطع الرؤوس والإعدامات الجماعية - مصممة لإخافة الأعداء وقمع الاحتجاج. إن تقزز المسلمين من هذه القسوة قد يقوّض داعش في نهاية الأمر. لكن حتى الآن فإن تركيز واشنطن على وحشية داعش يساعد فقط في تعزيز المجموعة لهالة القوة التي تحيط بها.

لأسباب مشابهة ثبت أنه من الصعب على الولايات المتحدة وشركائها أن يهزموا مجهودات التجنيد التي تجذب كل هذا العدد من الشباب المسلم إلى صفوف داعش. جذبت المجموعة الأساسية للقاعدة أتباعا بجدل ديني ورسالة علمية مزيفة عن التضحية من أجل الأمة الأسلامية حول العالم. بنى بن لادن ورجله الثاني لوقت طويل أيمن الظواهري بحرص صورة للشرعية الدينية والتقوى. في الفيديو الدعائي الخاص بهم يظهر الرجال كمقاتلين زاهدين يجلسون على الأرض في كهوف ويدرسون في مكتبات أو يلجئون في معسكرات نائية. ومع أن بعض المرتبطين بالقاعدة لديهم طرح دعائي أفضل للتجنيد إلا أن المجموعة المركزية طرحت إنشاء الخلافة كهدف طويل الأمد ويوتوبي إلى حد ما: تعليم وحشد الأمة يأتي أولا. في القاعدة لا مكان للخمور أو النساء. بمعنى أن صرة القاعدة غير جذابة جنسيا على الإطلاق. بل أنه بالنسبة لمجندين القاعدة فالجنس يأتي فقط بعد الزواج أو الشهادة.

حتى بالنسبة لشاب المسلم الأكثر غضبا فإن هذه نوعا من التحجر. إن محاولات قيادات القاعدة أن تصور نفسها على أنها أخلاقية- وحتى فرض أخلاقيتها على الأخرين- لها جاذبية محدودة. برامج مكافحة التجذير الناجحة في أماكن مثل إندونيسيا وسينغافورة ركزت على إنعدام التوافق بين ما تطرحه القاعدة وما يهم أكثر الشباب في الحقيقة مشجعين المقاتلين على إعادة الإندماج داخل المجتمع حيث تتحقق أمالهم ورغباتهم المباشرة بشكل أكثر طبيعية.

على النقيض فإن داعش تعطي رسالة مختلفة للشباب وفي بعض الأحيان للنساء. تجذب المجموعة تابعين طواقين ليس فقط للإستقامة الدينية ولكن أيضا للمغامرة والقوة الشخصية والإحساس بالنفس والمجتمع. وبالطبع فإن بعض الناس لا يريدون أكثر من القتل- وداعش ترحب بهم أيضا. إن العنف الوحشي للمجموعة يلفط الأنظار ويوضح السيطرة ويجذب أشخاصا للعمل.

تعمل داعش في بيئة حضرية وتعطي المجندين فرصًا فوريّة للقتال، وهي تعلن عن نفسها بتسويق ملفت إعلاميًا وإلكترونيًا وبفيديوهات ينتجها المقاتلون الأفراد في الخطوط الأمامية. كما توفّر المجموعة شركاء جنسيين لمجنديها من الرجال. تتطوع بعض النساء بهذا الدور، لكن يفعل غالبيتهن ذلك بالإكراه. تكاد المجموعة لا تهتم بتبرير هذا السلوك دينيًا. إن تركيز الدعاية هو على الغزو بكل أشكاله بما في ذلك شكله الجنسي. وقد أقامت فعليًّا خلافة خاصة بها، فيها البغدادي خليفة، جاعلة من ما تحتفظ به القاعدة على أساس أنه  يشبه المستقبل اليوتوبي، حاضرًا (ولو فقط بشكل محدود).

باختصار، إن داعش توفر إشباعًا قصير الأمد وبدائي. إنها لا تجذّر الناس بطرق يمكن مجابهتها بالمنطق. ينجذب المراهقون للمجموعة بدون أن يفهموا حتى ما هي والمقاتلين الأكبر سنًا يريدون الارتباط بنجاح داعش. بالمقارنة بمحاربة رسالة القاعدة الصارمة نسبيًا، فإن واشنطن وجدت أن مجابهة جاذبية داعش الأكثر غرائزية أصعب لسبب بسيط ربما: لقد سيطر على الثقافة الأمريكية اشتهاء القوة والحراك والنتائج الفورية.

2015 ≠ 2006

مكافحة الإرهاب ليست العامل الوحيد من ممارسات الأمن القومي الذي أعادت واشنطن اكتشافه وإحيائه بعد 11 سبتمبر. تمتعت مكافحة التمرّد أيضًا بنهضة. مع انفجار الفوضى في العراق بعد الغزو الأمريكي والاحتلال في 2003، بدأت القوات المسلحة الأمريكية على مضض في التفكير في مكافحة التمرد وهو موضوع لم يعد مفضلًا في مؤسسة الأمن القومي بعد حرب فيتنام. أكثر تطبيقات عقيدة مكافحة التمرد كانت "موجة" 2007 في العراق التي أشرف عليها الجنرال ديفيد بتريوس. في 2006 وصل العنف في منطقة الأنبار، التي يسيطر عليها السنة، إلى قمته ووصل المسؤولون الأمريكيون إلى نتيجة أن الولايات المتحدة تخسر الحرب. كرد فعل قرر الرئيس جورج دبليو بوش إرسال 20000 جندي أمريكي إضافي إلى العراق. أقام الجنرال جون ألين، الذي كان في ذلك الوقت نائب قائد القوات متعددة الجنسيات في الأنبار، علاقات مع القبائل السنية المحلية ورعى ما أسماه الصحوة السنية والتي بدّلت خلالها 40 قبيلة وفرعًا من القبائل والأفرع السنية الجانب الذي تقف عليه وحاربت مع القوات الأمريكية ضد القاعدة في العراق. بحلول صيف 2008 كان عدد الهجمات من قِبل المتمردين قد انخفض بأكثر من 80 بالمئة.

نظرًا لحجم مكاسب داعش الأخيرة في المناطق السنية من العراق والتي ألغت الكثير من التقدم الذي تم تحقيقه في "الموجة"، يقول البعض إنه على واشنطن الرد بإصدار جديد لاستراتيجية مكافحة التمرد في حرب العراق. يبدو أن البيت الأبيض قد اقتنع أخيرًا وبشكل جزئي بهذا التفكير: في العام الماضي، طلب أوباما من ألين أن يكون مبعوثًا خاصًا لبناء تحالف مضاد لداعش في المنطقة. هناك منطق معين في هذا التوجه؛ بما أن داعش تحصل على تأييد العديد من نفس الفصائل المتمردة التي حيدتها الموجة والصحوة السنية - مجموعات عادت للظهور كتهديد بفضل الفراغ الذي خلقه انسحاب القوات الأمريكية في 2011 وحكم المالكي الطائفي في بغداد.

لكن هناك اختلافات واسعة بين الوضع اليوم وما واجهته واشنطن في 2006، والمنطق الأمريكي لمكافحة الإرهاب لا يناسب الصراع ضد داعش. لا تستطيع الولايات المتحدة أن تكسب قلوب وعقول العرب السنة العراقيين؛ لأن حكومة المالكي قد خسرتهم بالفعل. لقد خسرت الحكومة العراقية، التي يسيطر عليها الشيعة، شرعيتها السياسية بقوة لدرجة أنه قد يكون من المستحيل إعادتها. لكن الولايات المتحدة لا تحتل العراق الآن. يمكن لواشنطن أن ترسل المزيد من القوات، لكنها لا تستطيع أن تعطي الشرعية لحكومة لم تعد تسيطر عليها. داعش هي طرف يحارب ضمن حرب أهلية تقليدية بين منطقة تنفصل ودولة مركزية ضعيفة أكثر من كونها مجموعة متمردة تحارب ضد حكومة مستقرة.

فرّق تسد؟

اعتمدت الولايات المتحدة على استراتيجية مضادة للتمرد ليس فقط كي تعكس انزلاق العراق إلى دولة فاشلة، لكن أيضًا كي تصبح نموذجًا لكيفية قتل حركة جهادية أوسع. لقد توسعت القاعدة بإقناع المجموعات المقاتلة المسلمة حول العالم بأن تدير حملاتهم الوطنية محدودة الهدف إلى نقاط التقاء في جهاد القاعدة الدولي - وأحيانًا تحويل أنفسهم إلى فروع للقاعدة. لكن هناك قليل جدًا من المشتركات بين المقاتلين الشيشان والفلبينيين والإندونيسيين والكشميريين والفلسطينيين والأويغور الذين حاول بن لادن ضمهم جميعًا تحت مظلّة القاعدة وكثيرًا ما كانت القاعدة تقابل مشاكل في التوفيق الكامل بين أهدافها ومصالح المرتبطين بها في أماكن بعيدة.

وقد خلق ذلك نقطة ضعف ويجب على الولايات المتحدة وحلفائها استغلالها. أحرزت الحكومات في إندونيسيا والفليبين مكاسب درامية ضد المرتبطين بالقاعدة في بلادهم بمزج عمليات مكافحة الإرهاب مع بناء علاقات في المجتمعات المحلية وتأسيس برامج مجابهة الراديكالية وتوفير تدريب ديني في السجون باستخدام إرهابين سابقين تمت إعادة تأهيلهم كمتحدثين باسم الحكومة والمفاوضة أحيانًا حول المظالم المحلية.

وقد دعى بعض المراقبين واشنطن لتطبيق نفس الاستراتيجة مع داعش بمحاولة فضح خطوط الضعف بين الضباط العراقيين السابقين العلمانيين الموجودين بالمجموعة والقيادات القبلية السنية والمقاتلين السنيين على جانب وبين قدامى الجهاديين على الجانب الآخر. لكن الوقت تأخر على أن تعمل تلك الطريقة. تقو داعش الآن قيادات عسكرية عراقية سابقة جيّدة التدريب يعرفون أساليب الولايات المتحدة وعاداتها؛ لأن واشنطن ساعدت في تدريبهم. وبعد اقتلاع وحدات الجيش العراقي والاستيلاء على آلااته التي وفّرتها أمريكا فإن داعش مسلحة حاليًا بدبابات أمريكية ومدفعية ومدرعات همفيز ومركبات مقاومة للألغام.

ربما يثبت أن تطرف داعش الديني أكبر من احتمال حلفائها من البعثيين السابقين، لكن حتى الآن فإن ضباط عهد صدام مقاتلون متحمسون في داعش: بل إنهم يقودون الهجوم. على أيديهم تحوّلت داعش إلى جيش خفيف التسليح يلوح بأسلحة أمريكية.

بالطبع هذا يفتح الباب لتوجه ثالث ممكن تجاه داعش بالإضافة إلى مكافحة الإرهاب ومكافحة التمرد: حرب شاملة تقليدية ضد المجموعة تشن بهدف تدميرها تمامًا. مثل هذه الحرب ستكون حماقة. بعد اختبار أكثر من عِقد من الحرب المستمرة لن يساند الجمهور الأمريكي الاحتلال طويل الأمد والقتال المكثّف الذي سيحتاجه محو داعش تمامًا. السعي إلى حملة عسكرية كاملة سترهق الموراد الأمريكية وتعطي القليل من الأمل في تحقيق الأهداف. إن الحروب التي يتم شنها بخلاف الواقع السياسي لا يمكن أن تربح.

احتواء التهديد

الحقيقة المبصرة هي أن الولايات المتحدة ليس لديها خيارات عسكرية جيّدة في صراعها ضد داعش. ليس من الممكن لمكافحة الإرهاب ومكافحة التمرد والحرب التقليدية أن تمنح واشنطن نصرًا واضحًا ضد المجموعة. السياسة التي تناسب الأهداف والوسائل والتي تحمل أفضل فرصة في تأمين مصالح الولايات المتحدة - على الأقل في الوقت الحالي - هي الاحتواء الهجومي: المزج بين حملة عسكرية محدودة مع مجهودات دبلوماسية واقتصادية لإضعاف داعش وتحقيق التناسب بين مصالح الدول الكثيرة التي يهددها تقدم المجموعة.

داعش ليست مشكلة أمريكية فقط. الحروب في العراق وسوريا لا تتضمن لاعبين إقليميين فقط، لكن لاعبيين دوليين كبار أيضًا مثل روسيا وتركيا وإيران والسعودية والدول الخليجية الأخرى. يجب على واشنطن أن تتوقف عن التصرّف على أساس أنها تسطيع أن تحل مشاكل المنطقة بالقوة العسكرية، فبدلًا عن ذلك عليها إعادة إحياء دورها كقوة دبلوماسية كبرى.

بالطبع ستكون القوات المسلحة الأمريكية جزءًا مهمًا من سياسة الاحتواء الهجومي. يمكن للهجمات الجوية أن تثبّت داعش على الأرض وأن تقطع إمدادها من التكنولوجيا والأسلحة والذخائر، فبخنق طرق التهريب يمكن أن تضعف المجموعة أكثر. في الوقت نفسه، يجب على الولايات المتحدة أن تستمر في نصح ودعم الجيش العراقي ومساعدة القوة الإقليمية مثل البشمرجة الكردية وتوفير مساعدات إنسانية للمدنيين الهاربين من مناطق داعش. يجب على واشنطن أن تتوسع في المساعدات للدول المجاورة مثل الأردن ولبنان اللتين تناضلان للتعامل مع التدفق الكبير للاجئيين من سوريا. لكن وضع قوات أمريكية أكثر على الأرض يمكن أن يأتي بنتيجة عكسية بتوريط الولايات المتحدة في حرب لا يمكن أن تربح وقد تستمر لعقود. لا تستطيع الولايات المتحدة أن تعيد بناء الدولة العراقية أو تقرر نتيجة الحرب الأهلية السورية. بالقدر الذي يكون فيه ذلك محبطًا فإنه عندما يأتي الأمر للعمليات العسكرية على واشنطن الالتزام بمسار واقعي يدرك حدود القوة العسكرية الأمريكية كحل طويل الأمد. "قمة مكافحة التطرف العنيف" الخاصة بإدارة أوباما والتي اجتمعت مؤخرًا - والتي أتت بقيادات العالم إلى واشنطن لمناقشة كيفية مجابهة الجهاد الراديكالي - كانت تمرينًا ثمينًا. لكن مع أنها أوضحت الخطر القائم الذي يمثّله المرتبطون بالقاعدة إقليميًا إلا أنها تدعم فكرة أن داعش تعتبر تحديًا أكبر في مجال مكافحة الإرهاب. بل إن داعش تمثل خطرًا أكبر. إنها تسعى إلى تحدي النظام العالمي الحالي  وعلى عكس قلب منظمة القاعدة المتضائل بشدة فإنها تقترب فعليًا من تحقيق هذا الهدف. الولايات المتحدة لا تستطيع وحدها أن تدافع عن المنطقة والعالم أمام دولة عنيفة رجعية وثيقراطية - ولا يجب عليها ذلك. يجب على القوى الكبرى أن تطور توجهًا دبلوماسيًا واقتصاديًا وعسكريًا للتأكد من أن هذه الدولة المصطنعة يتم احتوائها بحرص ومعاملتها كمنبوذ دولي. الأمر الجيّد هو أنه لا توجد حكومة تؤيد داعش. لقد استطاعت المجموعة أن تجعل من نفسها عدوًا لكل دول المنطقة - بل والعالم. باستغلال تلك المعلومة، يجب على واشنطن السعي إلى أجندة أكثر عدوانية وعلى أعلى مستوى من الدبلوماسية مع قوى كبرى ولاعبيين إقليميين بما في ذلك إيران والسعودية وفرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة وروسيا وحتى الصين بالإضافة إلى جيران العراق وسوريا كي يصمموا ردًا موحدًا على دعش.

يجب أن يتجاوز هذا الرد الالتزام المشترك بمنع الراديكالية وتجنيد الجهاديين ويتجاوز التحالف العسكري الإقليمي الذي بنته الولايات المتحدة. يجب على القوى الكبرى واللاعبيين الإقليميين أن يتفقوا على تشديد الحظر الدولي على الأسلحة المفروض على داعش حاليًا وتفعيل عقوبات أكبر ضد المجموعة والقيام بدوريات حدودية مشتركة وتوفير معونات أكثر للمهجرين واللاجئين وتقوية بعثات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في الدول المجاورة للعراق وسوريا. ومع أن بعض هذه الآليات يتقاطع مع مكافحة الإرهاب إلا أنه يجب أن يوظف في خدمة استراتيجية لمحاربة عدو أكثر شبهًا بدولة: داعش ليست قوة نووية، لكنها مجموعة تشكل تهديدًا للاستقرار الدولي توازي ما تمثّله كوريا الشمالية ويجب ألا تعامل بقدر أقل من الجدية.

أخذًا في الاعتبار أن الموقف من السياسة الخارجية للولايات المتحدة سيتكثّف بداية من 2016 مع اقتراب الانتخابات الرئاسية الأمريكية، فمن المتوقع أن يواجه البيت الأبيض هجوما كبيرًا على أسلوب الاحتواء الذي لن يرضي الصقور ولا معسكر المناهضين داخل مؤسسة الأمن القومي الأمريكي. في مواجهة هذا الانتقاد، يجب على الولايات المتحدة أن تبقى ملتزمة بمحاربة داعش على المدى الطويل بطريقة تصل الأهداف بالأساليب وتحافظ على المعايير وتحسن مجهودات الولايات المتحدة لاحتواء المجموعة بتجاوز الأشكال القديمة من مكافحة الإرهاب ومكافحة التمرد بينما تقاوم الضغط لتجاوز عتبة الحرب الكاملة. مع الوقت قد يفتح الاحتواء الناجح لداعش اختيارات أفضل في السياسة، لكن في المستقبل المرئي الاحتواء هو السياسة الأفضل التي يمكن للولايات المتحدة اتباعها.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب