دولة بوليسية قمعية فاسدة: علاقة الغرب البائسة بالطاغية المصري

مقال رأي

دارت مناقشات كثيرة في واشنطن ولندن حول الرغبة في الديمقراطية ومدى توافقها مع العالم العربي، لكن الشعب المصري أنهي تلك الأحاديث في ربيع 2011. فقد ألهمت ثورته التي استمرت 18 يومًا وفقد فيها 900 شخص حياتهم سعيًا وراء إسقاط الدكتاتور المدعوم من الغرب حسني مبارك الكثيرين من المطالبين بالديمقراطية حول العالم. حيث تشجع الملايين حول العالم علي المطالبة بحياة كريمة في بلادهم، والمطالبة بحقهم في تقرير مصيرهم ومحاسبة قادتهم في ظل مناخ ديمقراطي. وكأنهم قد تخلصوا أخيرا من عبء الإرتباط بنظام مستبد ومهترئ، فقد أشاد من كانوا سابقا داعمي مبارك الغربيين بثورة الشعب المصري.

إلا أنه بعد أربع سنوات، وفي موقف قد يوصف بفقدان الذاكرة، تشيد النخبة الغربية الآن بدكتاتور مصري جديد أطلق العنان لعنف الدولة المصرية بدرجة تفوق أي شيء فعله مبارك من قبل وبنفس الهدف وهو سحق المساعي الديمقراطية للشعب المصري.الآن، يبدو الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، آخر حلقات سلسلة العسكريين المصريين المهيمنين علي السلطة في مصر، محط الإعجاب في منتدي دافوس الاقتصادي، حيث الحكمة السائدة أن الربيع العربي قد مات وولّى. لكن إن غيرت النخبة الغربية رأيها بصدد الديمقراطية العربية، فإن المصريين مازالوا علي موقفهم - كما لم يقدم السيسي حلولا للمشكلات العميقة التي أدت إلى نزول ملايين المصريين إلى الشوارع للإطاحة بمبارك.

لاتزال مصر دولة بوليسية قمعية فاسدة، ولا تزال ممزقة بفعل البطالة الواسعة والعبء الطاحن للفقر واليأس. كان ذلك المزيج القاتل هو سبب نزول الشعب المصري للإطاحة بمبارك، واستُخدمت بعض تلك المشكلات في حث المعارضة المصرية على انتخاب محمد مرسي، أول رئيس منتخب ديمقراطيا. عدم تقديم السيسي حلولًا لتلك المشكلات الأساسية منذ إنهائه للعهد الديمقراطي الوجيز في 2013 سيشعل عاجلا أم آجلا موجة ثورية جديدة.

ومع عودة النظام القديم عبر وجوه جديدة، تظل التطلعات نحو ثورة جديدة معلقة، ملطخة بالدماء ولكنها ليست منهزمة ولا مستكينة. أخرج السيسي مبارك من السجن، الجنرال الذي تحول إلى سياسي مثله، وسجن أول رئيس منتخب ديمقراطيا بدلًا منه. بدأ السيسي حملة قمعية استهدفت المعارضة السياسية بكل شراسة لدرجة جعلت نظام مبارك يبدو وديعا في ممارسته للقمع.

تعرض حوالي 40 ألف شخص للاحتجاز في معسكرات اعتقال دون محاكمة (أو مع محاكمات هزلية)، وواجه المحتجزون التعذيب، والاغتصاب، والقتل. أما جماعة الإخوان المسلمين، والتي فازت في أول انتخابات ديمقراطية في تاريخ مصر، فقد حُظرت وصُنفت كجماعة إرهابية. تعرض جميع معارضي ومنتقدي النظام من أي انتماء، علماني أو إسلامي علي حد سواء، لقتل بعضهم وتعرض قادتهم للحبس أو أُجبِروا علي مغادرة البلاد. كذلك لم يسلم الصحافيون، ومُنع دخول مراقبي حقوق الإنسان إلي مصر، وحُظر التظاهر والاحتجاج وواجهوا قمعا عنيفا.

وصل السيسي إلي السلطة، مثل مبارك، بتأثير منصبه في الجيش، والذي يمثل العمود الفقري للنظام القديم والذي أطاح بالجديد.

أزاحت المؤسسة العسكرية مبارك عندما أصبح عائقا أمامها، لكنها لم تتخل أبدًا عن السلطة كليًا بعد ذلك. بدلًا من ذلك تلاعبت بالعناصر السياسية المتنافسة ووجهتهم ضد بعضهم البعض، بينما كانت تحمي امتيازاتها المؤسسية والاقتصادية. فمازالت فكرة تولي سلطة حكومية مدنية لإدارة الجيش الذي يكافأ بمنحة أمريكية سنوية غير واردة في القاهرة، وكذلك أي فكرة ربما تؤدي إلي تنازل الجنرالات عن الامبراطورية الاقتصادية التي تتحكم فيما يصل إلي 40 بالمائة من الاقتصاد المصري.

وعند مقارنة أوضاع المصريين اليوم بما كانت عليه في عهد مبارك، يبدو واضحا أن أيا من المشكلات التي أشعلت ثورتهم منذ أربع سنوات هي أسوء مما كانت عليه في عهد مبارك. الدولة غير قادرة علي توفير الغذاء لشعبها، ويهدد الجوع بدفع المصريين العاديين إلى الثورة. وهو ما يضطر دولة السيسي البوليسية إلي العمل بشكل أقوي حتي تقمع جميع مطالب التغيير. لكن هناك مؤشرات علي أن استراتيجية القمع التي ينتهجها النظام الجديد لن تفلح في إخضاع الشعب، بل يرجح أن الشعب سيثور مجددا بعد أن شهد الحرية من قبل، كما يعلق الناشط إياد البغدادي: "إن لم يتركونا نحلم فلن نتركهم يناموا".

لكن الخطر الأكبر، بالطبع، هو أن الدرس الذي سيستفيده البعض من القمع العنيف للديمقراطية هو أن مسار المشاركة السياسية السلمية ساذج، وأنه يجب مواجهة عنف الدولة بعنف الإرهاب، وهو ما يوفر دافعًا للدولة لانتهاج المزيد من العنف والقمع. سيؤدي إغلاق السيسي لجميع منافذ التعبير السياسي غير العنيف إلي جعل روايته نبوءة ذاتية التحقق لمصر يحاصرها الارهاب. وفي ضوء حقيقة أن المتشددين يستمدون دوافعهم من واقعهم قبل أن يستمدوه من النصوص الدينية، يبدو أن السيسي يغذي الجيل القادم من المتشددين.

أدرك صناع القرار الغربيون منذ أحداث 11 سبتمبر أن الاستبداد العربي يغذي التطرف العربي، إلا أن نفس النخبة الغربية التي تخلت عن مبارك تشيد الآن بالسيسي بوصفه دعامة للحرية والأمل.

تتضح المعايير الغربية المزدوجة في الترحيب بالسيسي في منتدي دافوس – أو بوزير خارجيته في مسيرة "شارلي إيبدو" في باريس– ودعم نظامه، بينما تنادي نفس الأنظمة الغربية بدعم حرية التعبير. وبينما أدان العالم أحداث شارلي إيبدو الصادمة، هرع جميع القادة لحضور جنازة الملك السعودي عبد الله الأسبوع الماضي. يتجاهل الغرب تلك المبادئ المقدسة ظاهريًا عندما ينتهكها المستبدون العرب المرضي عنهم. لم يجسد شيء تلك الخيانة كما جسّدها مقتل الناشطة الاشتراكية شيماء الصباغ، 32 عام، بالرصاص عندما حاولت وضع إكليل زهور في ميدان التحرير، بعد يوم واحد من خطاب السيسي في منتدي دافوس.

يطالب السيسي، مثل سابقه مبارك، بنيل التعاطف والدعم الغربي لأنه يواجه الإرهاب. إلا أن المفارقة هي أن السيسي أكثر قمعا مقارنةً بمرسي، الذي تخوف الجميع من أنه  سيكون قمعيًا. وبينما تتواجد التنظيمات الإرهابية علي أطراف مصر، بالتحديد في سيناء، يوسع السيسي تعريف "الإرهابيين" ليشمل أكبر الأحزاب السياسية شعبية في مصر. لقد حول السيسي حوالي نصف الشعب المصري إلي إرهابيين عبر هذا القرار، إنها استراتيجية خيطرة. وبينما يرفض الإخوان المسلمين بثبات أن ينتهجوا العنف، فقد تفقد القيادات القابعة في السجون تحكمها في تابعيها الشباب، الأكثر غضبا.

يبدو أن الاستقرار الذي وعد به السيسي ربما يكون قصير المدي، كما أنه رهان خاسر لأي قيادة غربية تدرك ذلك.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب