روسيا تراقب الهند، داسو تحتفل في مصر

مقال رأي

 عندما وقعت مصر اتفاقا لشراء 24 من طائرات رافال التي تصنعها داسو ، كان ذلك يمثل حدثا بارزا بالنسبة للبرنامج، فقد كان البيع الدولي الأول للطائرة، التي عانت لإيجاد سوق خارج وطنها الأم فرنسا.

ولكن ما كان ينبغي أن يصبح موقفا احتفاليا في مقر الشركة في باريس، تحول إلى كآبة، حيث أن جوهرة خططها التوسعية - صفقة بقيمة 12 مليار دولار مع الهند كان يُجرى الاتفاق عليها منذ عام 2012- تبدو الآن في خطر، حيث تحوم روسيا حولها آملة أن تسرق العقد.

إذا تمكنت داسو أخيرا من تدعيم صفقة الهند، فإنها ستضيف 126 طائرة مقاتلة لإنتاجها الذي يواجه تخفيضات الميزانية المحلية. أما إذا استطاعت روسيا أن تقف في طريق داسو، فإنها ستلحق ضررا بالغا بمستقبل الطائرة الفرنسية، التي ستواجه قدرا من الانتقام ردا على قرار فرنسا بعدم تسليم روسيا قطعة بحرية في أعقاب الأزمة في أوكرانيا.

في عام 2012، جعلت وزارة الدفاع الهندية من داسو موردها المفضل لشراء الطائرات الحربية المتوسطة متعددة المهام. وقد تغلبت رافال على خمسة منافسين آخرين - وهم بوينج إف\أيه-18إي\إف سوبر هورنت، لوكهيد مارتن إف-16، ميكويان ميج-35، ساب جاس-39 جربين ويوروفايتر تايفون، وجاءت هذه الأخيرة في المركز الثاني في المنافسة.

إلا أنه ما بدا وكأنه فوز كبير للرافال دخل بسرعة إلى طريق مسدود، وأحد أهم أسباب ذلك هو ضغط الهند على داسو لضمان العمل الذي تنتجه هندوستان للملاحة الجوية المحدودة، الشركة الهندية التي من شأنها أن تنتج النماذج المحلية للطائرة. (وبموجب هذا العقد، فإن داسو تنتج 18 فقط، قبل أن يتحول الانتاج لشركة هندوستان للملاحة الجوية).

مثل هذا الضمان يضع عبئا على شركة داسو التي تسيطر عليها عائلة، والتي رفضت حتى الآن قبول هذا الاتفاق.

تدخل مخاوف التكلفة أيضا في الاعتبار، حيث يقول الفرنسيين أن تكلفة الدمج (التجميع) في مرافق هندوستان للملاحة الجوية ستكون أعلى من تكلفة رافال الطبيعية، لأن الإنتاجية في هندوستان للملاحة الجوية منخفضة مقارنة مع المصنع في فرنسا. وبعد زيارة مرافق هندوستان للملاحة الجوية ، خلص مسؤولو داسو إلى أنه لا توجد اقتصاديات بحجم مناسب في هندوستان للملاحة الجوية للمساعدة في خفض تكلفة المنصة.

لا يبدو أن هناك أي حل في الأفق. يقدر ريتشارد أبو العافية، المحلل في تيل جروب، أن هناك فرصة 40 في المئة أن تتم الصفقة.

أما البديل الواضح لرافال فهو يوروفايتر تايفون، والتي كانت ضمن الاختيارين النهائيين للبرنامج. وقد حافظت يوروفايتر على وجودها في معرض إيرو إينديا (معرض الهند الجوي) في كل من عامي 2013 و 2015، وستحب أن تفوز بالعقد بدلا من منافستها الفرنسية. ولكن منافس آخر برز على الساحة، وهو منافس يتمتع بعلاقات قوية مع الهند ورغبة في مكيدة الفرنسيين.

 

الفجر الأحمر

بدأت روسيا حملة علنية تماما لإقناع المسؤولين الهنود أن موسكو لديها حل أفضل على الطاولة.

قال سيرجي جورسلافسكي، نائب مدير وكالة تصدير الاسلحة الروسية روسوبورون اكسبورت، لوكالة أنباء ريا نوفوستي يوم 16 فبراير أنه "إذا احتاجت [الهند] مزيدا من طائرات سو-30 إم كي آي، فنحن مستعدين للعمل على مثل هذا الاتفاق"، مؤكدا أن نيو دلهي ليس عليها سوى أن تطلب.

جورسلافسكي هو رئيس الوفد الروسي إلى معرض ايرو إنديا الجوي عام 2015، الذي عُقد الأسبوع الماضي في بنجالور.

تملك الهند بالفعل أسطولا كبيرا من طائرات سوخوي سو 30 ، البعض منها قد تم إنتاجه محليا من قبل هندوستان للملاحة الجوية. وقد قال تلك الحجة يوري سلايوسار، الرئيس المعين حديثا للشركة الطائرات المتحدة المملوكة للدولة، خلال ظهوره يوم 19 فبراير في بنجالور.

وقال سلايوسار: "أي طائرة تناسب احتياجات العميل بشكل أفضل؟ لدينا ميزة تنافسية واضحة هي أن الهند تنتج بالفعل هذه الطائرات هنا، الآن." وأضاف: "لقد تم بناء المصانع، وادخال التكنولوجيا ، ونقل الوثائق، كما تم تدريب الطيارين والمهندسين والفنيين."

أعلنت شركة ميج الروسية أيضا خططا للاشتراك في الأمر من خلال نسخة مطورة من طراز ميج-35 الذي لا يزال قيد التطوير، اذا رفضت الهند رافال وأعادت فتح المناقصة.

نقلت ريا نوفوستي عن رئيس ميج سيرجي كوروتكوف قوله في ايرو إنديا يوم 18 فبراير: "لدينا كل فرصة للتنافس [للحصول على العقد]. إننا لم نفقد الأمل في أن مناقصة أو منافسة سوف يعلن عنها في المستقبل."

رسلان باخوف، مدير مركز "ستراتيجيز آند تيكنولوجيز"، وهو مركز أبحاث دفاع مقره موسكو، قال إن روسيا كانت تضغط لبعض الوقت على الهند لتترك صفقة رافال.

وقال باخوف "لقد بذلت روسيا قصارى جهدها للشرح للهند، مثلما فعل مسئولو يوروفايتر، أن شراء منصة صممت في ثمانينيات القرن العشرين بمثل هذا المبلغ الكبير من المال هو شيء يجافي المنطق، خصوصا أن الأسطول الكامل لن تكون له قدرة تشغيلية قبل، لنقل، 10 أعوام."

وجادل باخوف أنه بنفس الأموال التي ستنفقها الهند على رافال، يمكن أن تشتري منتج ناضج يعرفون بالفعل كيفية صيانته وتشغيله، مشيرا الى أن قدرتها القتالية تفوق أي طائرة أخرى في سلاح الجو الهندي.

لم يستبعد باخوف، وهو أيضا عضو في المجلس الاستشاري العام في وزارة الدفاع، أن تكون روسيا تعمل من وراء الكواليس للتأثير على الوضع لصالح موسكو، لكنه شدد أن السبب هو قلة خبرة داسو في تصدير الرافال.

قال فرانسوا لورو من "يورو إف إل كونسالت" والرئيس السابق لمكتب المشتريات الفرنسي "هذا أمر روسي تماما." وأضاف أنه حتى يتم توقيع العقد سينظرون الى صفقة الهند على أنها متاحة للمنافسة، وسوف يمرر الروس رسالة تشير إلى عدم موثوقية فرنسا.

وأشار أبو العافية إلى أن الموقف الروسي قوي إلى حد ما، نظرا لوجودها الصناعي في الهند.

وقال عن داسو ووزارة الدفاع الهندية: "إنك تنظر إلى مجموعتين يمكن لكل منهما أن تقرر الابتعاد. تقول الهند انها تحب رافال، ولكن لديها خط إنتاج بالفعل في الهند لسوخوي الأرخص سعرا. وعلى الرغم من أن الصفقة قد تشكل نقطة تحول لداسو، فهم يخبرون الهند في الأساس إنها تطلب المستحيل."

تعتمد قوة موقف داسو على ما إذا كانت الصفقة المصرية تمثل تغييرا كبيرا في حظوظ الطائرة - يصف أبوالعافية تاريخها بأنه "25 عاما من المحاولات والهزائم المتعددة المنتزعة من بين فكي النصر" - أو ما إذا كانت تلك الصفقة حالة خاصة جدا.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

صورة: العمال الهنود في قاعة عرض الرافال يعدون نموذج الطائرة، في 5 فبراير 2013، قبل الدورة التاسعة من معرض ايرو إنديا الجوي عام 2013 في محطة يلاهانكا الجوية في بنجالور. (الصورة: جيتي)

 

إن تمويل الصفقة المصرية، والتي قد تنطوي على تقديم دول الخليج وفرنسا شروط مواتية جدا لمصر، يمكن أن يعني أن تلك الصفقة فريدة من نوعها، وليست بداية موجة شراء للطائرة.

من ناحية أخرى، فإن رافال لا تزال تعمل في ثلاث منافسات كبرى في منطقة الخليج. هناك اتفاق محتمل مع قطر، حيث يناقشون ما يصل إلى 36 طائرة، فضلا عن احتمال بيع 60 طائرة لدولة الإمارات العربية المتحدة ومنافسة أصغر في الكويت.

يمكن أن يعزز الحصول على أي من تلك الصفقات القوة التفاوضية لداسو أمام الهند، أو على الأقل يشجع الشركة على خفض خسائرها.

سقوط ميسترال؟

في الوقت نفسه، امتلأت وسائل الإعلام الروسية التي تديرها الدولة في الاسبوع الماضي بتصريحات مسؤولين من صناعة الدفاع الروسية يفخرون بسجل روسيا الحافل في نقل التكنولوجيا وتسليم المنتجات.

وتوضع تلك التعليقات في المقارنة مع رفض فرنسا تسليم أول حاملتي هجوم برمائيتين فرنسيتي الصنع من طراز ميسترال لسلاح البحرية الروسية العام الماضي.

تحت ضغط دولي، قررت فرنسا عدم تسليم السفينة نتيجة للدور الروسي في الأزمة في أوكرانيا. وأدت هذه الخطوة إلى غضب روسيا بشدة، واصمة فرنسا باعتبارها شريك تجاري لا يمكن الاعتماد عليه منذ ذلك الحين.

أما ديمتري شوجيف، نائب مدير الشؤون الدولية في شركة الدفاع روستك، فقد علق أيضا على مشاكل رافال على إحجام فرنسا عن ضمان الطائرات في تصريحات نقلتها وكالة انباء تاس التي تديرها الدولة يوم 16 فبراير.

وقال شوجيف أن فشل فرنسا في تسليم ميسترال قد يكون أيضا أحد أسباب إعراب الهند عن مخاوفها بشأن الصفقة.

والشعور العام في روسيا هو أن انتزاع العقد، أو على الأقل دفع الهند إلى أن تلتزم بشراء عدد أكثر من طائرات سو-30، بينما تحل مشاكلها مع داسو، من شأنه أن يوفر قدرا من العزاء في أعقاب مشكلة تسليم ميسترال.

وقد وصل المسؤولون والخبراء الروس في الأشهر الأخيرة إلى وصم فرنسا باعتبارها شريك تجاري لا يمكن الاعتماد عليه، مورد قد يلغي صفقات في اللحظة الأخيرة وفقا للأهواء السياسية لسادته الذين يحركونه في العاصمة الأمريكية، وقد وعدوا بمتابعة الأضرار القانونية إذا لم تكمل باريس التسليم.

حقيقة أن روسيا تدفع قضية ميسترال كأداة للتسويق ليس مفاجأة في باريس.

وقال لورو إن الرسالة الروسية بوجود خطر حظر فرنسي محتمل لا تصمد أمام التدقيق، لأنه سيكون هناك نقل للتكنولوجيا إلى الهند التي ستصل إلى "الاعتماد على النفس صناعيا" بخصوص رافال.

وقال عضو مجلس الشيوخ الفرنسي دانيال راينر، الذي يرأس لجنة الدفاع، إن روسيا تستخدم ميسترال على أنها "حجة تجارية من الظروف". وتلك الظروف هي تعليق سفينة حربية والمصلحة التجارية هي المنافسة حول الطائرات الهندية.

وأضاف أن داسو، ومكتب مشتريات المديرية العامة للدفاع في فرنسا، ووزارة الدفاع يدركون جيدا جهود الضغط الروسي في الهند.

وقال إن محادثات داسو مع الشريك الهندي المحتمل، لشركة هندوستان للملاحة الجوية "تسير على الطريق الصحيح".

في حين أن رسالة عدم موثوقية فرنسا قد لا تكون مصدر قلق كبير على المستوى السياسي، فالرأي العام حول تعليق صفقة الميسترال يظهر أمرا مختلفا.

أظهر استطلاع للرأي على موقع "لا تريبون" الاخباري التجاري أن 64 في المئة يؤيدون تسليم حاملتي الطائرات ميسترال، مع وجود 77 في المئة قلقون إزاء وجود ضربة للوظائف الفرنسية.

ويرى نحو 69 في المئة أن تعليق صفقة ميسترال يساعد المنافسين الأجانب، مثل المملكة المتحدة والولايات المتحدة وروسيا. ووجد الاستطلاع أن 56 في المئة يرون أن سمعة فرنسا قد تضررت من قرار التراجع عن التسليم، بحسب "لا تريبون". شمل الاستطلاع 1001 شخصا من 9 إلى 12 يناير.

في تصريحات أدلى بها قائد عمليات الشراء لوران كوليه بيون يوم 29 أكتوبر، قال للجنة الدفاع في مجلس الشيوخ الفرنسي إن الروس يقولون للهنود إن الفرنسيين غير موثوق بهم. وقال "والإنجليز، أيضا" يقولون الشيء نفسه.

لكن يبدو أن الرسالة لم تظهر بعد في نيودلهي - حتى الان.

حيث قال مسؤول في وزارة الدفاع الهندية إن الحكومة لديها ثقة كاملة في فرنسا كصديق، وضمانة نقل التكنولوجيا كما وعدت. ولكن دلهي لن تدير ظهرها لروسيا أيضا. تبقى الروابط الدفاعية والعلاقات الاستراتيجية بين الهند وروسيا سليمة مع الحكومة الحالية برئاسة ناريندرا مودي كذلك.

وقال مسؤول وزارة الدفاع الهندية: "لا تزال روسيا موردا موثوقا به ومجربا جيدا للسلاح إلى الهند."

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب