علاقات ما قبل هجمات ١١ سبتمبر تطارد السعوديين مع ظهور اتهامات جديدة

مقال رأي

 

مثل التحالف التاريخي بين الملكية السعودية الثرية والدعاة الإسلاميين ذوي التأثير في المملكة خلال فترة الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي، أكبر ممول لحركة الجهاد العالمي، حيث تم ضخ عشرات الملايين من الدولارات لدعم المقاتلين المسلمين في أفغانستان، البوسنة، وأماكن أخري حول العالم. وكان الأمير سلمان بن عبد العزيز آل سعود أحد أكبر رعاة ذلك المشروع، والذي أصبح ملكًا الشهر الماضي بعد وفاة سابقه الملك عبد الله.

شكّل بعض هؤلاء المقاتلين لاحقا تنظيم القاعدة، والذي أعلن الحرب علي الولايات المتحدة ونفذ هجمات كبيرة داخل السعودية أيضًا. إلا أنه خلال العقد الماضي، ووفق مسؤولي إدارتي بوش وأوباما، أصبحت الحكومة السعودية شريكا مهما في الحرب على الإرهاب، حيث تواجه الحكومة السعودية تنظيم القاعدة علي أراضيها، بالإضافة إلي انضمامها العام الماضي إلي التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة ضد متطرفي الدولة الإسلامية.

لكن الاتهامات لا تزال تطارد السعودية بسبب ما يشكك البعض في كونه تحالفا ضمنيا بين السعودية والقاعدة في السنوات التي سبقت هجمات 11 سبتمبر 2001. أُثيرت تلك الشكوك مجددا هذا الأسبوع مع الكشف عن اعترافات أحد مقاتلي القاعدة السابقين، وهو زكريا موسوي، والذي زعم أن عشرات الشخصيات السعودية البارزة كانت بين ممولي القاعدة، وأن دبلوماسي سعودي ناقش معه مخططًا لإسقاط الطائرة الرئاسية الأمريكية.

أنكر مسؤولون سعوديون تلك المزاعم بقوة، معلقين بأن موسوي إرهابي مدان ولديه سجل من الاضطرابات العقلية وليس لديه شيء يخسره من إطلاق تلك الأكاذيب. كما عبر خبراء بشؤون المملكة يوم الأربعاء عن تشككهم الشديد في تلك المزاعم. حيث ذكر برنارد هيكل، أستاذ دراسات الشرق الأدني بجامعة "برينستون"، أنه بحلول العام 1994 عندما سُحبت الجنسية السعودية من أسامة بن لادن وحُظر دخوله إلي المملكة، كان بن لادن "يكتب دون توقف عن عداوته للنظام السعودي وعن فكرة إسقاطه"، ويضيف هيكل: "لا تبدو فكرة أن السعوديين دعموا عن عمد حركة تسعي لإسقاطهم منطقية".

لكن مزاعم موسوي المثيرة جذبت الانتباه جزئيا بسبب اعتقاد بعض الشخصيات الأمريكية ذات المصداقية، وبينهم بعض أعضاء لجنة التحقيق في هجمات 11 سبتمبر، بأن الدور السعودي في الهجمات لم يخضع مطلقا للتحقيق الكافي. بينما جذبت تلك الحلقة الانتباه بشكل أوسع تجاه سياسة السعودية التي انتهجتها طويلا والمعتمدة علي استغلال ثرائها النفطي في محاولة تشكيل ساحات المعارك الخارجية، حاليا بدعم للميليشيات في سوريا وليبيا، والأيدولوجية الدينية الرجعية التي يقوم عليها المجتمع السعودي.

تشاركت السعودية والولايات المتحدة تمويل المجاهدين خلال الثمانينيات،كما أشاد بهم الرئيس الأمريكي رونالد ريجان بوصفهم "مقاتلي الحرية"، حيث كانوا يقاتلون الجيش السوفيتي في أفغانستان.

اتحد بعض هؤلاء المقاتلون تحت قيادة بن لادن عام 1988 ليكونوا تنظيم القاعدة، والذي وضع بعدها السعودية إلي جانب الولايات المتحدة علي قائمة أعدائه. وبينما استمر تدفق الدعم السري السعودي لتنظيم بن لادن، إلا أن الخبراء المتخصصين في شؤون المملكة يشككون في أن يكون ذلك الدعم من مسؤولين سعوديين كبار كالذين ذكرهم موسوي، أو علي الأقل بعد العام 1994.

وعلق جريجوري جوز، أستاذ الحكومة والخدمة العامة بجامعة "تكساس أيه أند إم" والمختص بشؤون المملكة، بأن التحقيقات في الهجمات، والتي كان 15 من مختطفي الطائرات المشاركين بها وعددهم 19 سعوديين، كانت ستكشف علي الأرجح عن ذلك الدعم عالي المستوي إن حدث.

وأضاف جوز أن الأمير ترك الفيصل، والذي كان حينها رئيس الاستخبارات السعودية، والأمير بندر بن سلطان، السفير السعودي في واشنطن، كانا من بين الممولين في قاعدة بيانات للتنظيم ساعد في عملها الموسوي وفق ما قاله. وقد شغل كلاهما مناصب بارزة في الحكومة التي سعت القاعدة إلي تدميرها بحلول أواخر التسعينيات.

وصرح شارلز فريمان جونيور، السفير الأمريكي في السعودية من عام 1988 حتي 1992، أنه قد حاول تحذير القيادة السعودية من خطر التطرف الديني، محققا نجاحا طفيفا في البداية. لكن ذلك تغير في التسعينات. وأضاف فريمان: "في الفترة التي يدعي الموسوي أنه سجل فيها تلك الشخصيات كداعمين، لم تكن تلك الشخصيات لتدعم القاعدة بالتأكيد".

كما ذكر السيد موسوي اسما آخر بارز، هو الأمير الوليد بن طلال، وهو مستثمر بالغ الثراء يمتلك قنوات تلفزيونية تبث مقاطع فيديو موسيقية مفعمة بالحياة، ويعمل الرجال والنساء في مكاتبه جنبًا الى جنب. ويعلق جوز: "أشكك في أن يكون الوليد بن طلال داعما طبيعيا للقاعدة".

وفي رد عبر البريد الإلكتروني، صرح مكتب الأمير الوليد بن طلال أن: "الاتهامات التي يلقيها المجرم المدان موسوي كاذبة بشكل سخيف وواضح"، واستطرد: "لم يتردد الأمير أبدا في إدانة القاعدة وحلفائها".

يترأس الأمير تركي حاليا مركزا بحثيا في الرياض ويسافر إلي الولايات المتحدة بشكل متكرر، حيث يلتقي مسؤولين أمريكيين. أما الأمير بندر فقد أُزيح مؤخرا من منصبه كرئيس لمجلس الأمن الوطني السعودي. وبينما لم يرد الأمير تركي علي طلبنا للتعليق، لم نتمكن من الوصول إلي الأمير بندر.

وأشار مسؤولون سعوديون إلي مزاعم محامي موسوي عام 2002 بأنه "يعاني من الذهان العقلي" والذي يتضمن الشعور بـ"أوهام العظمة". إلا أنه رغم تلك المزاعم، أعلن القاضي عام 2006 عن أهليته وأشاد بذكائه قبل الحكم عليه بالسجن المؤبد.

يكتب موسوي الكثير من الرسائل إلي القضاة، وعرض في إحدي تلك الرسائل في أكتوبر الماضي أن يدلي بشهادته في القضية التي استمرت طويلا الخاصة بالناجين من هجمات 11 سبتمبر ضد المملكة العربية السعودية، والتي أدلي فيها بالاعترافات السابق ذكرها. وأرسل موسوي بعد ذلك بأسبوعين رسالة إلي قاضي فيدرالي في ولاية أوكلاهوما متهما فيها الامير تركي بإصدار أوامر إلي مسؤول سعودي حتي يساعد منفذي هجمات 11 سبتمبر. كما زعم موسوي أيضا أن زوجة الأمير بندر، الأميرة هيفاء الفيصل، "قدمت لي أموالا" وأرسلت مبالغ مالية كبيرة إلي خاطفي الطائرات السعوديين.

لم يقدم موسوي المزيد من التفاصيل سوى أنه التقي الأمير تركي في مدينة نورمان بولاية أوكلاهوما عام 2001. إلا أن البحث في أنباء تلك الفترة لم يكشف عن أي زيارة لرئيس الاستخبارات السعودية إلي ولاية أوكلاهوما خلال ذلك العام. بينما أشار بعض المختصين بالشأن السعودي إلي أن موسوي وبعض الخاطفين كانوا دارسين بالولايات المتحدة، ما يضع احتمال تلقيهم لدعم مالي دراسي لا علاقة له بالهجمات.

شَهِد عام 2003 التحول النهائي في السياسة السعودية لمكافحة الإرهاب، عندما نفذ تنظيم القاعدة هجمات داخل السعودية. وعلق فريدمان: "لا أعتقد أن السعودية قد أدركت حجم التهديد الداخلي الذي مثلته القاعدة إلا في بدايات القرن الحالي، عندما حدثت تفجيرات ولقي العشرات مصرعهم".

أشاد مسؤولون أمريكيون منذ ذلك الوقت بجهود الحكومة السعودية للقضاء علي التنظيمات الإرهابية داخل المملكة ولجهودها الهادفة لوقف تمويل الإرهاب من قبل مواطنين سعوديين. لكن السعودية استمرت في دعم جماعات مسلحة أخري، وسلحت قبائل حسبما تطلبت مصالحها في ليبيا، وسوريا، ومواقع أخري. وداخل السعودية، استمرت المؤسسة الدينية السعودية المحافظة في ترويج تفسير للإسلام.

وقال توماس دبليو ليبمان، وهو مؤلف كتابين حول شؤون المملكة، إن الاختلافات الثقافية الكبيرة بين الولايات المتحدة والسعودية قد ساهمت بشدة في إثارة الشكوك بين الطرفين، رغم التعاون الاقتصادي والأمني الوثيق. حيث تبدو الكثير من القيم الاجتماعية الأمريكية شديدة الغرابة بالنسبة للشعب السعودي، مثل المساواة بين الجنسين والحرية الجنسية. ويضيف ليبمان: "علي المستوي الأيدولوجي، يتبادل البلدين علاقة نفور متبادل".

العلاقات الوثيقة بين الأمراء السعوديين والغرب
ثلاثة من الأمراء السعوديين الذين اتهمهم زكريا الموسوي، عضو القاعدة، لهم صلات دبلوماسية وتجارية قوية بالولايات المتحدة.

الأمير بندر بن سلطان، وعمره 65 عاما، كان يوصف بأنه "محط إعجاب واشنطن"، كما عرف عنه "الخبث الساحر" أثناء عمله سفيرا للسعودية في واشنطن من العام 1983 حتي عام 2005. وهو ابن أخ الملك سلمان والملك عبد الله. حظي الأمير بندر بعلاقة وثيقة مع الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش، وبابنه الرئيس السابق جورج دبليو بوش، وساهم في تقديم الدعم السعودي للمبادرات الأمريكية في الشرق الأوسط خلال الحروب الأمريكية الثلاث والحرب على الإرهاب.

عمِل رئيسا للاستخبارات السعودية منذ عام 2012 وحتي أبريل الماضي، وكان مهندس خطة الرياض للإطاحة بالرئيس السوري بشار الأسد ومارس ضغوطًا لمنع التوصل لاتفاق نووي مؤقت مع إيران.

الأمير تركي الفيصل، وعمره 69 عاما، هو ابن أخ آخر للملك السعودي سلمان. وحل محل الأمير بندر في منصب السفير السعودي في واشنطن عام 2005، وشغل ذلك المنصب لمدة عامين. وكان رئيس الاستخبارات السعودية من العام 1977 حتي 31 أغسطس 2001، وكان مسؤولا عن علاقات الرياض بأسامة بن لادن والملا محمد عمر زعيم حركة طالبان.

وصرح الأمير تركي في مقابلة عام 2005 بأن اتهامه قضائيا – والذي سقط لاحقا– بأنه أحد داعمي القاعدة كان مثل "صفعة علي الوجه".

الأمير الوليد بن طلال، وعمره 59 عاما، هو أحد أحفاد مؤسس المملكة العربية السعودية الملك عبد العزيز، ورئيس شركة المملكة القابضة، وأكثر أفراد العائلة الملكية ثراءً. ذكره مغني الراب الشهير "باستا رايمز،" في أغنيته "آراب ماني" عام 2008. ويمتلك الأمير روتانا، أكبر شركات الإنتاج الفني في العالم العربي، وله استثمارات هائلة في شركات "سيتي جروب، تايم وارنر، تويتر، وآبل" بالإضافة إلي شركات أخري. وكان له حصة كبيرة  من أسهم شركة "نيوز كوربوريشن" حتي يوم الثلاثاء الماضي، حين باعت شركته قد ما قيمته 188 مليون دولار من حصتها حسب صحيفة "فاينانشال تايمز" .

عرض الأمير الوليد بعد هجمات 11 سبتمبر علي عمدة نيويورك رودولف جولياني تبرعا بقيمة 10 ملايين دولار لصالح صندوق برجي مركز التجارة العالمي، لكن جولياني رفض ذلك التبرع بعد انتقاد الأمير للسياسات الأمريكية في الشرق الأوسط.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب