عودة إلى لعبة الشرق الأوسط

مقال رأي

عودة إلى لعبة الشرق الأوسط (الجزء الأول)

لا يوجد مكان في عالم اليوم تنتشر به الفوضى ويحتاج لإعادة تقعيد النظام بشكل أكثر حرجًا من الشرق الأوسط. إن "اللعبة الكبرى" بين القوى العظمى المتنافسة يمكن أن يكون أصلها في وسط آسيا، لكنها وجدت أكثر تجلياتها حدة في "تقاطع الإمبراطورية" في الشرق الأوسط. وطالما ما تزال المصالح الأمريكية مشتبكة لا تستطيع الولايات المتحدة أن تتوقف عن لعبها.

كان للولايات المتحدة استراتيجية للشرق الأوسط عرفت باستراتيجية "الأعمدة"، وأساسها العمل مع القوى الإقليمية الملتزمة بالحفاظ على الوضع القائم - إيران والسعودية وإسرائيل وتركيا. كان التحدي هو احتواء القوى التي لديها استعدادات للمراجعات السياسية - مصر والعراق وسوريا - والتي كان الاتحاد السوفيتي يساندها. مع الوقت فقدت الولايات المتحدة العمود الإيراني، لكنها كسبت المصري معززة النظام العربي السني، بيد أنها تواجه الآن قوة ثورية شيعية في الخليج.

في عام 1992، أصبحت الولايات المتحدة القوة المسيطرة عشية سقوط الاتحاد السوفيتي وإجلاء جيش صدام حسين من الكويت. فيما بعد تبنّى بوش، المولود عام 1941، وكلينتون المولود عام 1942، استراتيجية واضحة ومتوسّعة للحفاظ على الاستقرار تضمنت ثلاثة مكونات:

1. السلام الأمريكي - حل شامل تدعمه أمريكا للصراع العربي الإسرائيلي؛

2. الاحتواء الثنائي لاثنتين من قوى المراجعة - العراق تحت حكم صدام حسين وإيران تحت حكم آيات الله؛

3. الاستثنائية العربية - تم إعطاء المستبدين العرب شركاء أمريكا في الحفاظ على نظام الشرق الأوسط إشارة خضراء عندما يتعلق الأمر بمعاملة مواطنيهم.

في سياق الحفاظ على النظام فإن الاستراتيجية عملت بشكل جيد لمدة عقد، لكن كل شيء تساقط في أعقاب 11 سبتمبر؛ هجرت الولايات المتحدة الاحتواء في سياق تغير الأنظمة مسقطة صدام حسين بتهور فتح الأبواب من بغداد إلى إيران، كما توقفت عملية السلام العربية الإسرائيلية وقاومت بعناد المحاولات المتعددة لإعادتها للعمل. إن الاستثنائية العربية ساعدت على إنتاج الثورات العربية التي اجتاحت المنطقة.

خلال تلك العملية انهار النظام القائم وتم استبداله بأنظمة فاشلة ومناطق غير محكومة وصعود القاعدة وداعش. لا يجب أن يشعر المرء بحنين للنظام القديم: لقد كان استقراره كثيرًا ما يؤدي إلى صراعات وانقلابات، كما كان ثمنه هو القمع. وقد جلب انهيار النظام القديم ثلاثة صراعات إلى الصدارة، يغذي بعضها بعضًا، وتخلق الاضطراب الحاد في جميع أنحاء المنطقة:

1. الصراع الطائفي السني- الشيعي: بدأ في لبنان واشتعل نتيجة للحرب الأهلية في العراق وامتد إلى سوريا والبحرين واليمن. حرّكته إيران والسعودية مع سيطرة ثابتة لإيران الثورية في بيروت ودمشق وبغداد وأخيرًا صنعاء.

2. الصراع السني- السني عبر المشهد: بدأ هذا كمعركة بين القاعدة ثم داعش ضد المشايخ والملوك المدافعين عن النظام العربي السني. لكن الربيع العربي جاء بتهديد أكبر للمدافعين العرب عن الوضع القائم في صورة الإخوان المسلمين.

3. الصراع مع إسرائيل: منذ اتفاقيات السلام مع مصر والأردن تحول هذا الصراع إلى حالة مزمنة بطفرات دورية من العنف الحاد بين إسرائيل ولاعبين من غير الدول على حدودها مع غزة وجنوب لبنان والآن الجولان.

إعادة النظام من بين هذه الفوضى يمكن أن يكون مهمة معقدة لأي قوة خارجية. لكن الولايات المتحدة بالذات لديها صعوبة؛ لأن شعبها قد سأم المحاربة في حروب أرضية في الشرق الأوسط ويلتزم رئيسها التزامًا عميقًا بعدم الشروع في أي حروب جديدة. إن المخاطر بالنسبة للولايات المتحدة انخفضت أيضًا بما أنها الآن لا تعتمد على نفط الشرق الأوسط.

لكن الولايات المتحدة لا يمكنها أن تنسحب ببساطة وتترك "اللعبة العظمى". كما شهدنا في التجربة العراقية فإن الفراغ سيملأ من قِبل لاعبين سيئيين لديهم نية تهديد الأراضي الأمريكية. إن حلفاء أمريكا الإقليميين القدامى - إسرائيل والممالك العربية - يعتمدون على مساندة الولايات المتحدة لحياتهم ورفاهتهم. وبينما لا تعتمد الولايات المتحدة على نفط الشرق الأوسط حاليًا إلا أن شركائها الأساسيين في التجارة في أسيا و حلفائها في أوروبا يعتمدون عليه. إن تعطل واردات النفط من الخليج سيشكل ضربة للاقتصاد الدولي الذي يعاني وهو ما سيرتد على الاقتصاد الأمريكي الذي يتعافى مؤخرًا.

تواجه إدارة أوباما كل أزمة في المنطقة على مراحل صغيرة وهي غير قادرة على تجاوز ذلك: مفاوضات مكثفة لإيقاف البرنامج النووي الإيراني، عمليات حركية معدلة بحرص لـ "إذلال وهزيمة" داعش في العراق والقاعدة في اليمن، مجهود غير جاد لاحتواء داعش في سوريا، مجهود متروك للترويج للسلام الإسرائيلي الفلسطيني. إنها ترفض أن توصل النقاط خوفًا من أن تدخل مرة أخرى في دوامة.

ما تحتاجه بشكل واضح هو استراتيجية تأخذ في الاعتبار جميع تلك الحقائق. الخطوة الأولى هي إدراك ذلك، وبأخذ قيود استخدامها للعنف في الاعتبار، فإن الولايات المتحدة يجب أن تعمل مع بعض القوى الإقليمية لتعويض الفارق. خياران فقط لمثل هذا التحالف:

السيادة المشتركة مع إيران: جوهر هذا التوجه هو أن توافق الولايات المتحدة على سيطرة إيران على الخليج في مقابل موافقتها على كبح جماح برنامجها النووي وتخفيض دعمها لحزب الله في لبنان وحماس والجهاد الفلسطيني في غزة والحوثيين في اليمن وبشار الأسد في سوريا والمساهمة بدلًا من ذلك في بناء نظام إقليمي أمريكي – إيراني.

العودة إلى المستقبل: هذا التوجه يحتاج أن تعود الولايات المتحدة إلى اعتمادها على حلفائها التقليديين في المنطقة: السعودية ومصر وإسرائيل وتركيا. هدف هذه "الأعمدة" المتجددة الاستراتيجية سيكون استعادة النظام القديم بناء على احتواء إيران وتراجع تقدمها في لبنان وسوريا والعراق واليمن وتحجيم برنامجها النووي. هذا التحالف نفسه بين الحلفاء التقليديين سيؤدي إلى الشعور بالأمان للعمل بشكل أكثر فاعلية مع الولايات المتحدة ضد داعش والقاعدة.

سيشير القراء سريعًا إلى الصعوبات الكامنة في كل من التوجهين. أستطيع سماع صياحات الاستهجان من الآن: السعي إلى التوجه الأول سيكون سذاجة، والسعي إلى الثاني سيكون سخرية. لكن ليس لدينا الآن رفاهية الانتقاد من مقاعد المتفرجين أو التعامل مع الأمر على أنه لعبة. يجب علينا يتم الاختيار.

عودة إلى لعبة الشرق الأوسط (الجزء الثاني)

جادلت، بالأمس، أن الولايات المتحدة ليس لديها رفاهية التعامل مع صعود فوضى الشرق الأوسط بتدرج، إذ يجب على الاختيار أن يكون بين استراتيجيتين ليس لكلاهما أي جاذبية، بل جوانب سلبية. لكن إذا أرادت الولايات المتحدة أن لا تدفع ثمن فرض النظام بنفسها على هذه المنطقة المضطربة بعمق فعليها أن تختار شركائها الإقليميين وتعمل معهم سواء لإعادة بناء النظام القديم أو لبناء آخر جديد. هذا الأختيار سيكون بين "الاحتواء الثنائي"  مع إيران وتحالف "العودة إلى المستقبل" مع شركاء أمريكا التقليديين، السعودية ومصر وإسرائيل.

الاحتواء الثنائي ممكن فقط في حال تم إبرام اتفاقية لوضع حدود ذات معنى لبرنامج إيران النووي، وبدن اتفاقية من المستحيل تخيل التعاون مع إيران على القضايا الإقليمية، لكن مع وجود اتفاقية سيكون من الممكن التعاون على قضايا الاهتمام المشترك كما قيل إن أوباما قد اقترح في خطابه، بتاريخ نوفمبر 2014، للمرشد الأعلى في إيران وكما يعتقد بعد المعلقين المحافظين بشكل خاطئ أنه أمر حاصل بالفعل.

إن تفاهمًا مع إيران يشجعها على استخدام نفوذها في تعزيز النظام والاستقرار بدلًا من استغلال الفوضى الحاصلة يمكن أن يكون له فوائد كبيرة. إن تعاون إيران الضمني مع الولايات المتحدة لإسقاط نوري المالكي من السلطة في بغداد أثبت أنه محوري لفاعلية استراتيجة أمريكا ضد داعش في العراق. لو كانت إيران ستشارك الولايات المتحدة بالمثل في السعي لإسقاط بشار الأسد لصالح مصالحة سياسية بين جميع المجتمعات السورية فسيمكن حينها للولايات المتحدة السعي إلى حملة أكثر فعالية ضد داعش في سوريا. إن كانت ستقيّد حزب الله وتقطع دعمها للرافضين الفلسطينين وتضغط على الحوثيين في اليمن كي ينسحبوا من صنعاء ويدعموا عملية المشاركة في السلطة فسيتحسن النظام في الشرق الأوسط كثيراً.

لكن من الخيالي أن نتصور أن الولايات المتحدة ستقنع إيران بأن تنتقل من أكثر قوى المنطقة تهديدًا إلى أن تصبح - بدلًا من ذلك - شريكًا في إنشاء نظام جديد في الشرق الأوسط. سيستدعي ذلك أن يتغلب المرشد الأكبر على البرانويا الشديدة التي يعاني منها حول نوايا الولايات المتحدة وأن يضع حدودًا للحرس الثوري الإيراني ووزارة الاستخبارات والأمن - آليات النظام في السعي إلى توفيق طموحاته إقليميًا. أي محاولة نحو هكذا شراكة ستجلب على الولايات المتحدة غضب حلفائها التقليديين، السعودية وإسرائيل ومؤيديها في دول الخليج العربي والكونغرس الأمريكي على التوالي. من المرجّح أن يسلكوا طريقهم الخاص شاعرين بالخديعة ويتصرفوا بدون أخذ مصالح الولايات المتحدة في الاعتبار.

إن كان لا بُدَّ من استبعاد هذه الاستراتيجية بسبب عدم جدواها والتكلفة العالية المرتبطة بها فإلى أي مدى سيكون للبديل قابلية؟ العودة إلى استراتيجية الاعتماد على حلفائنا التقليديين سيوفّر على الأقل أساسًا يعتمد عليه. طوّرت إسرائيل ومصر والسعودية والأردن والممالك العربية الأخرى في مواجهة الفوضى الصاعدة حسًا جماعيًا بالتهديد من إيران وحزب الله والأسد وحماس وداعش. وردًا على ذلك وجدوا اهتمامًا مشتركًا قويًا بمواجهة هذه المصادر الأساسية لعدم الاستقرار في المنطقة؟ معًا سيجلبوا إمكانيات مهمة: لدى إسرائيل أقوى جيش وقوات جوية، مصر هي أكبر الدول العربية وأكثرها تأثيرًا، ملك السعودية لديه الشرعية الإسلامية والثراء والتأثير الذي يأتي من كونه أكبر مصدر للبترول في العالم.

مع ذلك، وفي الوقت الحالي، فإن الولايات المتحدة في صراع مع كل منهم: تجادل رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، حول الاستيطان في الضفة الغربية وشروط الصفقة النووية مع إيران؛ انتقد نظام السيسي في مصر بسبب إطلاقه النيران على المواطنين في الشوراع وقيامه باعتقال عشرات الآلاف منهم؛ اختلفت أمريكا مع السعوديين حول ما الذي ينغي فعله مع الأسد في سوريا والإخوان المسلمين في مصر وتقدم إيران المهيمن في العالم العربي السني. هناك دواع عقلانية لجميع هذه الاختلافات، لكنها ستحتاج إلى أن تأخذ مكانة تالية للهدف الأكبر وهو إعادة النظام وسيتم التعامل معها مرة أخرى عند استعادة الثقة ووجود ما يشبه النظام.

للسعي إلى "إستراتيجية أعمدة" مجددة ستحتاج الولايات المتحدة إلى إعادة إنشاء الثقة في حلفائها التقليديين في الأغراض الأمريكية الأعم بينما تجد طريقة لتخفيض أو إدارة الاحتكاك. في حالة صفقة نووية مع إيران فإن الولايات المتحدة تحتاج أن تعادل ذلك بتوفير غطاء نووي رادع لإسرائيل والسعودية، كما ستحتاج إلى تقليل من شأن خلافاتها مع مصر حول الطريقة التي يعامل بها النظام مواطنيه، وأن تجد طريقة للعمل مع إسرائيل لحل المشكلة الفلسطينية، وستحتاج أيضًا أن تتباعد عن الإخوان المسلمين مع أخذ موقف أقوى ضد الأسد في سوريا.

ما الذي تتوقعه الولايات المتحدة في المقابل؟ أولًا، يجب أن تتوقع تعاونًا أقوى ضد مصادر انعدام النظام. الأردن ومصر قد زاد استخدامهما للعنف بالفعل ضد داعش في العراق وسوريا وليبيا. مع ثقة أكبر في ثبات أمريكا قد تصبح الدول السنية أكثر استعدادا للالتزام بقوات أرضية مع مستشارين أمريكيين يمكن أن يساعدوا في توفير العامل المهم الناقص في الحملة ضد داعش.

مع إحساس أكبر بالهدف المشترك فإن الولايات المتحدة قد تستطيع الشروع في بناء إطار أمني إقليمي يتضمن إسرائيل لأول مرة؛ الأساس لهذا الأمر موجودة بالفعل في الترتيبات الثنائية للولايات المتحدة مع كل من الحلفاء التقليدين في التعاون المتزايد في قوته بين إسرائيل ومصر والأردن في العلاقات الأمنية الأكثر سرية بين إسرائيل وعرب الخليج. إن إمكانية تحقق مثل هذا الإطار يعتمد جزئيًا على مبادرة موثوق بها من إسرائيل لحل المشكلة الفلسطينية، بيد أن مواجهة هذه المشكلة العصية في إطار إقليمي وتوظيف المباردة العربية للسلام قد يعزز من إمكانياتها.

دفع تأثير إيران عن العواصم العربية وعن الحدود الإسرائيلية هو تحد طويل الأمد، لكن المجهود سيستفيد من بناء تحالف أكثر تماسكًا ومصداقية. واتفاقية منع إيران من الحصول على أسلحة نووية قد تفتح الباب في نهاية الأمر إلى التطبيع مع إيران بما يتضمن تعاونًا في بعض جوانب الاهتمام المشترك (مثل مواجهة داعش ودعم الانتقال السياسي في دمشق)، وهو ما سيحتاج أن يمزج مع المنافسة والاحتواء عندما تستمر المصالح في التشعب.

بتلك الطرق تستطيع الولايات المتحدة أن تعيد بناء نظام تقوده أمريكا في الشرق الأوسط بشراكة مع الحلفاء التقليديين. سيضطرون إلى التصعيد وإنجاز دورهم ولكن يمكنهم أن يفعلوا ذلك بثقة أكبر في أن الولايات المتحدة ستكون حاضرة هناك لأداء دورها معهم بدلًا من أن تكون ضدهم.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب