كيفية الحكم على زيارة بوتين لمصر

مقال رأي

في التاسع والعاشر من شباط/فبراير يزور الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مصر لعقد اجتماع ثنائي بناءً على دعوة من الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي. ووفقاً لبيان صادر عن الكرملين فإنه "سيتم في القمة المقبلة مناقشة العلاقات الثنائية على نطاق كامل، بما فيها العلاقات السياسية والتجارية والاقتصادية والانسانية؛ كما سيتبادل الزعيمان وجهات النظر حول الوضع في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وخاصة في العراق وسوريا وليبيا، وسيناقشان موضوع عملية السلام الفلسطينية الإسرائيلية". وبالإضافة إلى ذلك، يُقال إن موسكو تسعى إلى بناء محطة للطاقة النووية في مصر، كما وأن الشركات الروسية تتطلع إلى دخول قطاع النفط والغاز في البلاد، لذا قد يتم طرح هذه القضايا أيضاً.

التحسنّات الأخيرة في العلاقات

مع تراجع العلاقات الأمريكية المصرية بشكل حاد بعد الإطاحة العسكرية بالرئيس السابق محمد مرسي في تموز/يوليو 2013، بدأت العلاقات الروسية المصرية بالتحسن. فقد نما الارتياب المتزايد في القاهرة بسبب ما اعتبرته مصر تعاطي الولايات المتحدة مع جماعة «الإخوان المسلمين». ومن جهته، كان الرئيس الأمريكي باراك أوباما منتقداً نوعاً ما في كلامه حول هذا الانقلاب، ولكن ربما الأمر الأكثر أهمية هنا هو أن واشنطن أخّرت من تسليم شحنات الأسلحة إلى مصر وحجبت المساعدات العسكرية وأوقفت في وقت لاحق الحوار الاستراتيجي الثنائي الناشئ.

وفي المقابل، أعرب الكرملين عن دعمه للقيادة المصرية الجديدة بعد الانقلاب، كما وتبادل كبار المسؤولين عدداً من الزيارات منذ ذلك الحين. وفي تشرين الثاني/ نوفمبر 2013، زار وفد مصري موسكو وشكر روسيا على دعمها لـ "ثورة 30 يونيو". وفي شباط/ فبراير التالي، أيّد بوتين بحماس ترشح المشير السيسي للانتخابات الرئاسية خلال لقائه به خارج موسكو، إذ قال له: "إنه لقرار مسؤول جداً أن تأخذ على عاتقك مسؤولية مصير الشعب المصري. باسمي وباسم الشعب الروسي أتمنى لك حظاً موفقاً".

ومع استمرار تدهور العلاقات الأمريكية المصرية، ابتعدت القاهرة على نحو متزايد عن الغرب باتجاه روسيا. وفي العام الماضي، وقّعت الدولتان - مصر وروسيا - بالأحرف الأولى على عقود لشراء أسلحة بقيمة 3.5 مليار دولار، وهي أكبر صفقة لهما منذ سنوات عديدة، وستقوم المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة بتمويلها. وقد أفادت التقارير أن العقد ينص على أن روسيا ستزوّد الجيش المصري بطائرات مقاتلة من طراز "ميغ 29"، ومروحيات هجومية من طراز "مي 35"، ومجمعات صواريخ الدفاع الجوي والذخائر والمعدات الأخرى. يُذكر أن الحصول على المزيد من الطائرات المروحية أمر بالغ الأهمية بشكل خاص للحملة التيي تقوم بها مصر ضد المتمردين الإسلاميين. فالجيش يملك بالفعل عدة طائرات مروحية روسية؛ ووفقاً لأقوال الطيارين المباشرة، إن هذه المروحيات مناسبة جداً لتلبية احتياجات مصر. ومع ذلك، لا يوجد أي دليل حتى الآن على أنه قد تم إتمام عملية البيع، ويعود ذلك على الأرجح لأن السعودية لم تقم بعد بدفع التكاليف.

وفي الوقت نفسه، وخلال مؤتمر صحفي عُقِد في موسكو في أواخر الشهر الماضي، أفادت التقارير أن السفير المصري لدى روسيا محمد البدري وصف العلاقات الثنائية بأنها "آخذة في التحسن"، موضحاً كيف أن التجارة بين البلدين قد ارتفعت إلى 3 مليارات دولار في عام 2014. ووفقاً لـ "هيئة الجمارك الاتحادية الروسية"، فإن حجم التجارة هو حتى أعلى من ذلك: 4.6 مليار دولار بين كانون الثاني/ يناير وكانون الأول/ديسمبر 2014، منها 4.1 مليار دولار من الصادرات الروسية. يُذكر أن روسيا هي رابع أكبر منتج للقمح في العالم، وأن مصر هي ثاني أكبر مشترٍ؛ على سبيل المثال، وفقاً لصحيفة "فاينانشال تايمز" اقتنت مصر حوالي 20 في المائة من صادرات القمح الروسية في الفترة بين عام 2013 وحتى آذار/مارس 2014. وقد أشار جورجي بيتروف، نائب رئيسٍ في "غرفة التجارة والصناعة الروسية"، مؤخراً أن رجال الأعمال الروس حرصون على دخول الأسواق المصرية. بالإضافة إلى ذلك، فإن أكثر من 3 ملايين سائح من بين السياح الروس الذين سافروا إلى الخارج في عام 2014 والذين بلغ عددهم 10 ملايين، زاروا مصر وبشكل رئيسي شرم الشيخ، مما ساعد منتجع سيناء - الذي يواجه مرحلة صعبة حالياً - على البقاء على قدميه.

روسيا مقابل واشنطن في موضوع «الإخوان المسلمين»

يتقارب موقف موسكو من جماعة «الإخوان المسلمين» من موقف الرئيس السيسي تجاهها. ففي شباط/ فبراير 2003، حظرت "المحكمة العليا الروسية" «الجماعة» من العمل في الاتحاد واصفةً إياها رسمياً منظمة إرهابية. ومنذ فترة طويلة، كانت «الجماعة» تطرح مشكلة بالنسبة إلى روسيا، إذ غالباً ما تدّعي موسكو أن «الإخوان» يساعدون على تسليح الإسلاميين المتطرفين في شمال القوقاز الذين يستمرون حالياً في زعزعة استقرار المنطقة.

ويقيناً، أن روسيا سعت إلى تحسين علاقاتها مع مرسي بعد توليه الرئاسة، ويعود ذلك جزئياً إلى استعادتها بعض النفوذ الذي كانت قد خسرته في العالم العربي. على سبيل المثال، أيّد الرئيس بوتين علناً محاولات مرسي "تطبيع الوضع" في قطاع غزة في عام 2012، في حين سعى مرسي بدوره إلى إعادة التعاون الاقتصادي بين البلدين في زيارة قام بها إلى روسيا في نيسان/ إبريل 2013، وذلك في إطار الصعوبات المالية التي تواجهها مصر. بيد أن هذه المحادثات الأخيرة لم تؤدِ إلى خطوات فعلية. ففي نهاية المطاف، تفضل موسكو وجود حكومة علمانية في مصر، نظراً إلى مخاوفها الداخلية الخاصة المعلقة بالإسلاميين المتطرفين. وبالتالي، فبالنسبة إلى بوتين، إن العلاقات مع السيسي تخلق ببساطة متاعب أقل من تلك التي كانت قائمة مع مرسي.

وعلى العكس من ذلك، تعتقد مصر أن الولايات المتحدة قد تخلت عنها في معركتها ضد الإرهابيين. إذ صرّح الرئيس السيسي في مقابلة أجراها مع صحيفة "واشنطن بوست" في آب/أغسطس 2013 قائلاً: "أدرتم ظهركم للمصريين ولن ينسوا لكم ذلك"، وجاء هذا التصريح بعد وقت قصير من تجميد الرئيس أوباما تسليم طائرات من طراز "إف-16" كما كان مقرراً وإلغائه مناورات عسكرية مشتركة. وبالنسبة إلى بعض المصريين، ظهرت واشنطن أيضاً بأنها تقف إلى جانب مرسي. وفي تموز/ يوليو 2013، ادّعى حسام الهندي، القيادي في حركة "تمرد" التي قادت حملة الإطاحة بمرسي، أن إدارة أوباما كانت تتعاون مع «الإخوان المسلمين». وقد جاءت التقارير عن استضافة الرئيس أوباما ووزارة الخارجية الأمريكية عدداً من أعضاء «الإخوان» لتزيد من نظريات المؤامرة هذه.

وفي هذا السياق، يعزز موقف روسيا من جماعة «الإخوان» من مصداقية موسكو في نظر القاهرة، في حين يقلل من مصداقية الولايات المتحدة. فالكرملين لن ينتقد القاهرة بسبب نزعتها السلطوية، الأمر الذي يجعل العلاقات مع روسيا أسهل كثيراً من وجهة نظر مصر ويتيح خيارات أمام القاهرة إذا ما أصبح خيار واشنطن حرجاً للغاية.

فرص روسية محتملة في القاهرة

يواصل بوتين الاستفادة من الغموض والتناقضات التي تظلل السياسات الغربية تجاه الشرق الأوسط، وبالتالي ينبغي أن تفسر زيارته إلى القاهرة من خلال هذا المنظور. بالإضافة إلى ذلك، يمر الاقتصاديْن الروسي والمصري في حالة ركود. فقد دخلت روسيا في ركود اقتصادي عميق بسبب تراجع أسعار النفط وفرض العقوبات الغربية التي أثارها ضم شبه جزيرة القرم في آذار/ مارس 2014. أما في مصر، فإن مستوى الفقر والبطالة مرتفع وسط تهديدات الإرهاب والمعارضة الداخلية العنيفة. لذا من غير الواضح ما إذا كانت زيارة بوتين ستحقق خطوات ملموسة أو أنها ستقتصر على مجرد كلام.

ومع ذلك، فإن الرحلة قد تتيح لبوتين فرصاً على عدة جبهات. فمن الناحية السياسية، تشكل هذه الزيارة إعلاناً للغرب بأنه ليس معزولاً على الساحة الدولية على أثر العدوان الذي يمارسه في أوكرانيا على الرغم من التصريحات الغربية التي تشير على عكس ذلك. وفي الواقع، قد يزيد الرئيس الروسي من زياراته الرسمية إلى البلدان غير الغربية في الأشهر المقبلة ليؤكد أنه زعيم عالمي قوي. وإذا ما توصل إلى أي اتفاقات ملموسة في القاهرة، فمن المؤكد أن ذلك سيدعم ادعاءه. وفي هذا الصدد، فإن إحراز أي تقدم في صفقة الأسلحة التي تبلغ قيمتها 3.5 مليار دولار هو أمر يجب الانتباه إليه.

إن إدارة أوباما محقة في انتقاد الانحطاط الديمقراطي في مصر. ولكن عندما أوقفت واشنطن المساعدات العسكرية، أشارت أيضاً إلى سحب دعمها كحليف. وطالما يستمر تطبيق هذه السياسة، سيبقى الباب مفتوحاً أمام بوتين والأطراف الأخرى المعادية للغرب لكسب النفوذ في مصر على حساب المصالح الأمريكية.

مصدر الترجمة: 
Washington Institute for Near East Policy