كيف سيحتوي الملك الأردني سخط شعبه؟

مقال رأي

أدي الإحراق المروع للطيار الأردني معاذ كساسبة علي يد تنظيم الدولة الإسلامية إلي إحداث التفاف شعبي حول الحكومة لمواجهة الخطر الخارجي في المملكة الهاشمية. فقد شهدت التظاهرات العفوية في أنحاء عمان وفي مدينة الطيار الكساسبة (الكرك) شبابا مطالبين بانتقامٍ دموي للطيار. كذلك سارت وسائل الإعلام الموالية للحكومة علي نفس النهج، فكان العنوان الرئيسي لصحيفة الغد: "سوف ننتقم."

بدأت الحكومة الأردنية صباح الأربعاء أولي خطواتها للقصاص، فأعدمت اثنين من عملاء القاعدة واللذين كانا مسجونين لفترة طويلة في الأردن. لكن المملكة ستفعل المزيد. كما دعي والد الطيار، صافي يوسف الكساسبة، الجيش الأردني إلي الثأر لابنه، وذلك بعد أن لام الحكومة الأردنية سابقًا علي المشاركة في التحالف الدولي ضد الدولة الإسلامية، واعتبرها السبب في مصير ابنه. ويبدو أن الثأر قد بدأ، حيث شنت القوات الجوية الأردنية يوم الخميس ضربات جوية علي أهداف تابعة لتنظيم الدولة الإسلامية في شمالي سوريا، وتورد بعض التقارير أهدافًا في العراق أيضًا.

تهدئ تلك العمليات من الغليان الشعبي الأردني. فبعد الضربات الجوية، حلقت الطائرات المقاتلة الأردنية فوق مدينة الكساسبة لأداء دورة حول المدينة ترمز إلي الانتصار، بينما تجمعت الحشود علي الأرض مصفقة ومهللة. كذلك تسلت وسائل التواصل الاجتماعي الأردنية بخبر قيادة الملك عبد الله لطلعات جوية فوق سوريا، فالملك طيار متدرب. وكذلك فعل نبأ اقتباس الملك، وفق بعض التقارير، لجملة الممثل كلينت إيستوود الشهيرة، حيث قال الملك: "ستنال داعش عقابا لم تشهده من قبل."

هل وجه الرأي العام الأردني الحكومة نحو عمل أكثر عدائية ضد تنظيم الدولة الإسلامية؟ هذا هو بالضبط ما تريده واشنطن. ورغم أن الآمال كبيرة ومتصاعدة، إلا أن التصعيد في العمليات العسكرية الأردنية ليست كذلك. فتوقعات العمليات الأكثر دقة وكثافة، والتي تتضمن المداهمات العابرة للحدود للقوات الخاصة الأردنية في جنوبي سوريا ومحافظة الأنبار العراقية لضرب تشكيلات التنظيم، تبدو معقولة في هذه المرحلة، لكن هناك سبب للشك في إمكانية حدوثها.

رغم الموقف العام الرسمي – حيث عرض التلفزيون الوطني الأردني مساء يوم إطلاق فيديو إعدام الكساسبة، صور أرشيفية لتفقد الملك لقواته الجاهزة للمعركة– علي الأرجح لن تسمح أجهزة الأمن الأردنية المحافظة بطبيعتها لذلك الغضب بعكس نفورهم من المشاركة في كلٍ من سوريا أو العراق. فالواقعيون في إدارة المخابرات العامة الأردنية والديوان الملكي يرون أن تحقيق المصلحة الأردنية في احتواء النزاع في سوريا والعراق أكثر أهمية من إرضاء نداء الشارع بالانتقام. علاوة علي ذلك، هم يدركون أن ذلك النوع من الدعاية، يقصد بها إثارة رد فعل مبالغ، علي الأقل جزئيا.

هم يدركون كذلك أن الرأي العام متقلب وأن ذلك الفيض الجاري من الدعم الشعبي للعمل العسكري ضد الدولة الإسلامية قد يتبدد بنفس السرعة. فبالتأكيد الديوان الملكي يتذكر أنه قبل أيام فقط، تظاهر أفراد من العشيرة القوية التي ينتمي إليها الطيار وهي "البرارشة" خارج القصر الملكي، منددين بالمشاركة في الحرب. بينما تراجعت الأجهزة الأمنية، والتي عادة ما يكون لديها القليل من التسامح تجاه الاحتجاجات، خوفًا من استعداء نخبة العشيرة، والذين يعتمد عليهم استقرار النظام.

بينما الأردنيون منكوبون وساخطون، تظل العوامل الأساسية التي أدت إلي التشكيك الأولي في العمليات العسكرية قائمة. حيث يظهر استطلاع للرأي منذ شهر سبتمبر، أي بعد شهر من بدأ الهجمات الجوية، أن حوالي 62 بالمائة فقط من الأردنيون اعتبروا تنظيم الدولة الإسلامية جماعة إرهابية. بالتأكيد سترتفع هذه النسبة كثيرا إذا أجري ذلك الاستطلاع اليوم. لكن علي الأرجح قصد الجهاديون في سوريا والعراق أن ضربة للرأي العام ستحقق فائدة علي المدي القصير وهي تنشيط قاعدة المتعطشين للدماء، وستحقق فائدة علي المدي البعيد وهي تذكير الرأي العام الأردني بالتكلفة الباهظة لسياسات الحكومة المعادية للدولة الإسلامية.

لكن مثلما تدرك الدولة الإسلامية على الأغلب أن الشعب الأردني، رغم التعاطف تجاه بعض اهداف التنظيم، لن يرحب بهم عبر حدوده تحت أي ظروف، فبث الخوف يحقق جدوي استراتيجية أكثر من محاولة الجذب. علي الأرجح سيستمر الردع المتبادل بين المملكة والتنظيم. بقدر ما يرغب التنظيم في اجتياح بلدات الأردن الشمالية الغير حصينة، بقدر ما يفهم أنه بالنسبة للآن علي الأقل ستفشل محاولاته. يقدر الأردنيون علي الأرجح أن قدرة حكومتهم علي صد الدولة الإسلامية عسكريًا محدودة، وأن المحاولة المكلفة والضبابية لفعل ذلك سوف تعيق مصداقية الحكومة في لحظة حساسة.

هناك سبب آخر يدفع الحكومة الأردنية لعدم المبالغة في رد فعلها. تزامن إطلاق مقطع الفيديو مع زيارة الملك عبد الله إلي الولايات المتحدة، بينما تشير تقارير أن الإعدام الفعلي حدث في الثالث من يناير، وكذلك افتتاحية المقطع كانت بالتأكيد وسائل لتحقيق أقصي قدر من الدعاية والظهور للتنظيم. فقد أثار المقطع الاستجابة العاطفية المقصودة منه. لكن هناك جانب مشرق لذلك، فالهجوم الدعائي المتوحش للدولة الإسلامية يوضح إلي أي مدي كان التنظيم في وضع الدفاع عسكريًا ونفسيًا منذ هزيمته الأخيرة في كوباني. فالعنف لمجرد العنف يمثل دورًا رئيسيًا في الحفاظ علي مصداقية الدولة الإسلامية أمام تابعيها. يجب إدراك تلك الحقيقة بدلا من اعتبار الأمر تحولا أساسيا في نوايا التنظيم المباشرة تجاه الأردن. وبالتالي سيكون من غير الحكمة من الأردنيين أن يبتلعوا الطُعم.

من غير المرجح أن يكون لذلك الحدث المأساوي، شأنه شأن قتل الرهائن الآخرين، أثر كبير علي الحملة الأوسع ضد التنظيم. رغم أننا نعرف أن أسر الكساسبة في ديسمبر 2014 دفع دولة الإمارات إلي الانسحاب من التحالف الدولي، إلا أن الأردن لا تنتهج نفس الأسلوب، حسبما أظهرت ضرباتها الجوية. وفي النهاية، يعتبر الأثر المحلي لرد فعل الأردن أكثر أهمية. من وجهة نظر الولايات المتحدة، يؤكد ذلك علي أن الحرب ضد الدولة الإسلامية مازالت بالفعل حربًا أمريكية.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب