كيف يشعل ثراء الموارد الحروب؟

مقال رأي

مع أن النصف الثاني من القرن العشرين كان غارقًا في وحول الحرب الباردة، إلا أنها كانت فترة ارتفعت فيها مستويات المعيشة عبر الكوكب بشكل كبير. اعتمدت الكثير من التطورات التقنية والصناعية، خلال هذه الفترة، على قدرتنا على الحصول على الموارد الطبيعية غير المحدودة وترويضها واستثمارها، وبينما يبدو أن هذه الموارد قد حفّزت النمو في الكثير من أنحاء العالم إلا أنها توجد في بعض أكثر المناطق هشاشة على المستوى الاجتماعي والسياسي والبيئي. بل إنه كثيرًا ما تجد الدول الغنية بالموارد نفسها في قاع مؤشر الدول الفاشلة. وكي تزداد الأمور تعقيدًا حدثت أكثر من 90 بالمئة من الصراعات المسلحة الكبرى في دول لديها مناطق تنوع حيوي مشتعلة - مناطق تنوع حيوي بها مخزون كبير من التنوع الحيوي يقع تحت تهديد البشر - تقع في غرب وشرق أفريقيا وعبر البحر المتوسط والقوقاز وجنوب شرق أسيا وفي مناطق كبيرة من أمريكا اللاتينية.

تقوم الحرب في أوروبا اليوم بشكل أقل بين الأطراف المتنافسة، لكن في مستعمراتها السابقة الغنية بالموارد يكون لدى المتحاربين عادة احتياجات وشكاوى وأهداف محليّة. وقد ساعدت المؤسسات الدولية، في القرن العشرين، على إرشاد العالم عبر فترة من النمو غير المسبوق، ولكنها لم تنجح في مجابهة تهديدات القرن الواحد والعشرين من قبيل ارتفاع عدم المساواة والصراعات عبر الدول والاحتباس الحراري. يمكن للموارد الطبيعية أن تقوم بدور المحفّز للصراعات أو التعاون أو أن تطيل من أمد صراع دموي أو أن تلعب دورًا أساسيًا في عملية ما بعد الصراع. إن مجال الحفاظ على السلام البيئي الصاعد - والذي يدمج إدراة الموارد الطبيعية مع منع وتخفيف وحل الصراع والتعافي منه لبناء القوة في المجتمعات المتأثرة بالصراع - يقدّم استراتيجيات معاصرة تستطيع مخاطبة المشكلات المتصلة بتطوير الموارد الطبيعية في المناطق المعرّضة للصراعات.

 

دور الموارد الطبيعية في الصراع

كثيرًا ما يؤثّر الصراع في العالم النامي على الفقراء وبشكل أساسي على سكان الريف الذين يناضلون للحفاظ على إمكانية وصولهم إلى الموارد التي يعتمدون عليها في كسب قوتهم. في تقييم الأمم المتحدة للتنمية في الألفية تم إبراز اعتماد الإنسان على "توافر" خدمات النظام البيئي - الماء والطعام والأغذية والطاقة ومواد البناء - التي توفّر للإنسان البضائع والخدمات التي يعتمد عليها والأساسية بالنسبة لحياته ورفاهيته. تعتمد الكثير من الدول النامية في دخلها بشكل كبير على الموارد الطبيعية ويمكن أن يكون للسيطرة على الموارد الطبيعية تبعات مهمة للمجتمعات المحلية في دول كثيرًا ما تُحكم بشكل ضعيف.

الموارد الطبيعية كعامل مساهم في الجدوى من الصراع

 ادعاءات أصحاب المصلحة المتنافسين بالأحقية في ثروات الموارد الطبيعية أو في الحصول على موارد شحيحة يمكن أن تزيد من جدوى أو إمكانية حدوث الصراعات. شهدت جواتيمالا ونيبال وسيراليون صعود انعدام العدالة في الوصول إلى الأراضي كسبب ضمني لصراعاتهم كل بحسب دوره. الموارد مرتفعة القيمة، مثل النفط والغاز والمعادن، يمكن أن تدعم الحركات الانفصالية والمجموعات غير الرسمية الأخرى التي تسعى للسيطرة على الاقتصاد الإقليمي وتطويره. المشاركة في ثروات الموارد الطبيعية كانت مصدر شكوى مهم في الأزمة القائمة في اليمن، وخلال حركة انفصال جنوب السودان، وفي الانتفاضة بسبب عوائد النحاس في بابوا غينيا الجديدة.

الموارد الطبيعية كوقود للصراع

الصراعات عبر الدول كثيرًا ما تتضمن عدة متصارعين محليين أو إقليميين  - انظر إلى الكونجو الديمقراطية واليمن والسودان - وجميعهم يحتاج إلى وسائل لشراء الأسلحة والدفع للجنود وتأمين الولاءات، ومثل هذا البحث عن الدخل قد يمكن تطبيقه عبر "فرض الضرائب" على الصناعات الموجودة أو بأن تتولى مجموعة السيطرة المباشرة على مورد طبيعي. وقد كان للثروة الآتية من موارد متصارع عليها تأثيرًا كبيرًا على الصراعات في سيراليون (الماس) وليبريا (الخشب) وأفغانستان (الخشخاش).

في خضم الصراع وبينما تسعى المجموعات لإضعاف منافسيها يمكن أن تصبح الموارد الطبيعية والبيئية ضحية للدمار المتعمّد والعرضي، كما حدث في كولومبيا عندما رمى ثوار فراك باثنين مليون برميل من النفط عبر أحواض الأنديز والمستنقعات الاستوائية بعد مهاجمة البنية التحتية لخطوط الأنابيب. ويوضح برنامج الأمم المتحدة للبيئة أن اللاجئين والمهاجرين الداخليين يمكن أن يؤثروا سلبًا على البيئة حيث إنهم يضعوا ضغطًا على مناطق جديدة بينما يفرّون من مناطق الصراع.

حفظ السلام البيئي

كما تغيّرت الصراعات في الفترة التالية على الحرب العالمية الثانية كذلك تغيرت استراتيجيات بناء السلام التي تم تبنيها كي تعكس المباديء والاحتياجات لمن هم في مناطق الصراع المعاصرة. يمكن للموارد الطبيعية أن تشكل الظروف التي كثيرًا ما تزيد من الصراع ومن جدوى الثروات التي يمكن أن يتم جنيها أو أن تمد من أمد الصراع وتعقده. وإن كان للموارد الطبيعية مثل هذا التأثير على الصراع فما الذي يمكن أن يكون عليه وقعها في منع الصراعات أو في المصالحة؟

إن مجتمع بناة السلام البيئي المتنامي - وتقوده UNEP  ومؤسسة القانون البيئي ELI وجامعة ماك جيل وجامعة طوكيو - يبدأ في التعامل بشكل أكثر فاعلية مع الدور الذي تلعبه الموارد الطبيعية في المناطق التي تتأثر بالصراعات عن طريق دمج التحكم في البيئة والموارد الطبيعية مع بناء السلام التقليدي ومنع الصراعات وتخفيفها وحلها والتعافي منها لمساعدة المجتمعات المعرّضة للصراع حول الموارد في أن تصبح أكثر صلابة أمام الأزمات المستقبلية. إن أغلب مبادرات السلام الواعية للبيئة تقع في أحد هذه التصنيفات المتداخلة جزئيًا:

- المبادرات المصممة لمنع الصراعات المتعلقة بشكل مباشر بالبيئة؛

- المجهودات في بدء والحفاظ على الحوار حول التعاون البيئي عبر الحدود بما في ذلك خلق المناطق المحمية العابرة للحدود (TPA)؛

- المبادرات الساعية إلى سلام مستديم بتشجيع شروط تنمية الموارد المستدامة والمنصفة؛

التعاون بين الأطراف المتعادية حول الشؤون البيئية والتنمية المنصفة للموارد الطبيعية يهدفان إلى خلق عائدات سلام من خلال إطار يضمن جميع المجتمعات في أي دولة صلبة ولديها دافع للمساهمة في سلام طويل الأمد وفي مبادرات استقرار.

أوضح السكرتير العام للأمم المتحدة، بان كي مون، أهمية دمج الموارد الطبيعية في صناعة السلام في تقريره لعام 2010 عن بناء السلام في الأعقاب المباشرة للصراع حيث قال إن الموارد الطبيعية هي أحد وجوه "القلق المتزايد حيث سيكون هناك احتياج لجهود أكبر"، ودعى عددًا من الدول إلى جعل "تخصيص الموارد الطبيعية وملكيتها والحصول عليها جزءًا لا يتجزأ من استراتيجيات بناء السلام". وقد تم القيام بأبحاث كثيرة عن دور الموارد الطبيعية في بداية الصراعات واستمرارها ولكن هناك أبحاث أقل عن كيف يمكن أن تستخدم في محيط ما بعد الصراعات. والدول الخارجة من الصراعات العنيفة يمكن أن تواجه فرصة تبلغ احتماليتها 44 بالمئة في أن يعود الصراع خلال عشر سنوات، أما في حالة الصراعات المتعلقة بالموارد الطبيعية فإن العودة للصراع تكون بمعدل أعلى، مما يدل على أن هناك احتياج ملحّ للتوجه على نحو أكثر فعالية في بناء سلام بعد الصراعات.

التعامل مع الصراعات في القرن الواحد والعشرين

بالرغم من تكلفة الصراعات على السكان المحليين والبيئة في المناطق الغنية بالموارد فإنها مستمرة وكثيرًا ما تغني الأكثر نفوذًا على حساب الأضعف. لقد أدّى استخراج واستهلاك الموارد الطبيعية إلى احتباس حراري في الكوكب بينما تكثف الصراعات في مناطق التنوع البيئي المشكلة. وكما تؤثر الموارد الطبيعية سلبًا على الصراعات فإن لها أيضًا التأثير الكبير على منع الصراعات والاستقرار والتعافي. سيستمر الصراع العابر للدول بين الدول الغنية بالموارد الطبيعية في الاشتعال في القرن الواحد والعشرين ويجب تطبيع استراتيجيات بناء السلام البيئي إن كان على دورة الصراعات أن تنتهي.

إن كانت الدول الغنية بالموارد ستمنع الصراعات المستقبلية فعليها أن تفكر ليس فقط في العوامل الاقتصادية والبنيوية والسياسية والاجتماعية ولكن أيضًا العوامل البيئية عند تحديد السياسات التي ستؤدي إلى استقرار طويل الأمد ورفاهية السكان.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب