ما الذي يجمع بوتين والسيسي؟

مقال رأي

سيكون لدى فلاديمير بوتين الكثير ليحكي عنه مع نظيره المصري، عبد الفتاح السيسي، كما سيرى في الحاكم الأوتوقراطي الوطني الذي يعصف به النقد الغربي روحًا صديقة.

وصل فلاديمير بوتين إلى مصر ليلة أمس لإجراء محادثات مع نظيره المصري على صفقات تجارية تتم فقط عن طريق الروبل وبيع بنادق ومدرعات بمليارات الدولارات، وعلى الأرجح في سبيل تحالف "مضاد للإرهاب" على شاكلة التحالف الذي تفخر به روسيا في سوريا بالفعل.

اصطحب الرئيس عبد الفتاح السيسي السيد بوتين شخصيًا من مطار القاهرة إلى عرض في دار الأوبرا المصرية لمقتطفات من بحيرة البجع لتشايكوفسكي وعايدة لفيردي، مزيج من الفنتازيا البرجوازية القيصرية والأساطير المصرية القديمة التي يمكن أن تعكس شخصيات كلا الرجلين.

لقائهما الأول، يوم الثلاثاء، سيكون احتفاليًا بشكل جزئي ولكنه بكل المقاييس سيمرّ بشكل جيد، والرئيس الروسي قد عبّر عن احتقاره لكل الأشياء "الإسلاموية"، ما يمثّل قضية مشتركة مع المشير السابق والرئيس و"المنقذ" السيسي.

بعد سحق المقاتلين المسلمين في الشيشان ساند السيد بوتين حرب بشار الأسد الشرسة ضد "الدولة الإسلامية" في سوريا، وسيكون سعيدًا للغاية إذا وضع يده حول المصري البدين الذي تحكم محاكمه على مئات من أعضاء الإخوان المسلمين بالإعدام. لقد قابل السيد السيسي السيد بوتين من قبل في موسكو ولا يمكن لقائد روسي معروف بسخريته إلا أن يستمتع بلقاء أوتوقراطي عسكري تم انتخابه رئيسًا بعد القيام بانقلاب ناجح ضد رئيس منتخب سابق. حتى الاتحاد السوفيتي السابق لم يتمكن أبدًا من تحقيق ذلك.

يبدو عصر "علاقات الأخوّة" بعيدًا إلى هذه الدرجة في القاهرة. نشرت الأهرام، أكثر الصحف رضوخًا للحكومة المصرية، مديحًا على صفحة كاملة للرئيس الروسي في عطلة نهاية الأسبوع: "بوتين بطل هذا العصر"  - كان العنوان بالخط المنحني - والذي من الممكن أن يكون قد رحّب بخرشوف أيضًا عندما قام بزيارته عام 1964. وعلى طراز البوليتبيرو (رئاسة الحزب الشيوعي السوفيتي) أغرقت حكومة السيسي شوارع وسط القاهرة بلوحات لضيفها الروسي تحمل كل منها عبارة "مرحبًا" بالعربية والإنجليزية والروسية. ولكن المصريين ليسوا متملقين كما توحي اللوحات أو عنوان الأهرام. في القاهرة يسمون السيد بوتين الثعلب ليس فقط لأن الأطفال العرب يحبون القصص التي تتحدث عن الحيوانات، لكن لأن  عظام خد الرئيس الروسي المرتفعة وعيونه الضيقة تذكرهم بحيوان يمكن أن يخدع كائنات الغابة الأكبر والأكثر تخبطًا.

وقد ملأت الولايات المتحدة الدور الأخير بجدارة؛ ملاطفتها للإخوان المسلمين قبل سقوط حسني مبارك عام 2011، احتضانها المتقد لرئيس من الإخوان المسلمين، محمد مرسي، وتعبيرات شجبها الطنانة فيما بعد انقلاب السيد السيسي ضد مرسي فتحت أبواب مصر لروسيا الأم لأول مرّة منذ طرد الراحل أنور السادات العسكريين الروس من البلاد عام 1972. إن جمال الأمر برمته هو أن كلا الرئيسين يريد نفس الشئ - أن يخرج بحليف جديد بعد أن عانى من سهام الانتقاد الغربي لتصرفاته الدموية. أشرف الرئيس المصري على المذبحة التي حدثت بالرصاص في حق مؤيدي الإخوان المسلمين في 2013، وأشرف الرئيس الروسي على الاحتلال الدموي لمناطق في شرق أوكرانيا بعد ذلك بعام. سيكون لديهما الكثير ليتحدثوا عنه.

يمكن أن يتحدثوا عن شحنات الأسلحة التي تأخرت واشنطن في إرسالها لمصر، على سبيل المثال، وعن حجبها للمعونة العسكرية وانهيار ما يسمى بـ "الحوار الاستراتيجي" بين الولايات المتحدة ومصر الذي كان السادات ومبارك يستغلانه لتلميع أنفسهما. بل إن هناك كلام عن أن السيد بوتين يريد بناء مفاعل نووي في مصر وهو شئ نظر إليه السيد مبارك نفسه بمزيج من القلق المادي والتخوف العلمي المفهوم.

بينما أتت العقوبات الغربية على نظام بوتين بأثر في العام الماضي عرضت مصر أن تزيد من صادراتها الزراعية لروسيا بما يعادل 30 بالمئة. وقال السيد بوتين للأهرام إن التجارة الثنائية وصلت الآن إلى 4.5 مليار دولار. الأهم الآن هو صفقة موسكو للسلاح البالغة تقريبًا 3.5 مليار دولار في العام الماضي واتفاقية التجارة الثنائية التي سيتم تسويتها بالروبل وليس بالدولار، وهو اقتراح قدّمه السيد بوتين في الأهرام الذليلة أبدًا. ومنذ أدار السيد السيسي ظهره لحماس الحليفة للإخوان في غزة لن يكون لإسرائيل ما تشتكي منه. وبما أن السيد بوتين قد أظهر أنه ليس لديه ما يؤرقه في الفظائع التي يرتكبها حليفه السوري، إذن بضعة آلاف من الأجساد المقطعة في المعسكر الإسلامي المصري لن تؤرق منام "الثعلب".

سيتذكر السيد السيسي أن بشار الأسد نفسه أرسل له برقية تهنئة عندما سحق الإخوان وأن السيد بوتين سيكون سعيدًا إن عادت مصر إلى التحالف الثلاثي القاهرة-دمشق- موسكو ضد الإرهاب. أخذًا في الاعتبار عاصفة تهنئة الذات ومدحها غير المستحق والتي تمارسها الولايات المتحدة على نفسها لقصف داعش فإن الرئيس الروسي قد يبدو شريكًا يمكن الاعتماد عليه بشكل أكبر من واشنطن في الحرب على "الإرهاب".

لقد عانت روسيا وأمريكا دائمًا من إدمان الحكام العسكريين المطيعين والسيد بوتين الذي تقاعد من الكي جي بي برتبة عميد فقط - في مقابل مقام السيد المشير السيسي - يفهم جيدًا كيف تعمل "الدولة العميقة". الوطنية والقومية والفساد هي صلة دم قوية لبقاء الأوتوقراطية في العالم العربي.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب