محمد بن نايف: رجل واشنطن المفضل

مقال رأي

جرّدت المملكة العربية السعودية سفيرها القوي طويل الأمد لدى واشنطن، الأمير بندر بن سلطان، من كل واجباته حيال الأمن والمخابرات في غضون أيام من تولي الأمير سلمان منصب الحاكم الجديد للمملكة. وكان بندر قد دخل في صراع مرير مع وزير الداخلية، الأمير محمد بن نايف، في العامين الماضيين حول من منهم يكون مسؤولًا عن السياسة السعودية تجاه سوريا وتحديدًا إذا كانت السعودية ستدعم المتشددين الاسلاميين المتمردين هناك، وهي الاستراتيجية التي وضعها بندر وعارضها محمد بشدة. أما الآن فقد أصبح محمد مسئولًا عن الأمن السعودي المحلي والكثير من الأمن الخارجي كذلك، وهو الأمر الذي لاقى ارتياحًا كبيرًا لدى إدارة أوباما.

الأمير محمد بن نايف، الذي تم الدفع به بشكل غير متوقع في خط ولاية عهد المملكة العربية السعودية، هو الشخصية السعودية المفضلة في واشنطن. ويرجع هذا جزئيًا لدوره الفعال في إنهاء الاستراتيجية السعودية لدعم المليشيات الإسلامية المتطرفة التي تقاتل للإطاحة بالرئيس بشار الأسد في سوريا.

كانت إدارة أوباما تضغط على السعوديين لإنهاء تلك العملية منذ حين. وقد وجدت الإدارة في محمد حليفًا قويًا على استعداد لمواجهة الشخص المسؤول عن استراتيجية المملكة المحفوفة بالمخاطر: وهو الأمير بندر بن سلطان، السفير السعودي طويل الأمد لدى واشنطن، ورئيس مخابرات الملك الراحل عبد الله.

وأكد نصر محمد على بندر تقييم الإدارة بأن وزير الداخلية السعودي القوي كان حتى الآن أفضل خيار بين مختلف الأمراء الشبان المتنافسين للحصول على مكان في خط الولاية. وبالإضافة إلى ذلك، اعتبر محمد بطلًا قوميًا داخل بيت آل سعود الحاكم. فقد دافع عنه بنجاح من هجمة تنظيم القاعدة الإرهابي في منتصف وأواخر العقد الأول من القرن الواحد والعشرين، بما في ذلك محاولة لاغتياله هو نفسه كانت على وشك النجاح.

وجاء التغيير في السياسة السعودية تجاه "جيش الإسلام" الذي روّج له بندر في سوريا في أبريل عام 2014. وأسفرت الأحداث عن فصل الملك عبد الله لبندر من منصبه كرئيس لجهاز المخابرات السعودي، وجعل محمد مسؤولًا عن السياسة السورية بدلًا منه. قرّب هذا القرار بين السعودية وإدارة أوباما في أحد الموضيع الخلافية - على الأقل - بين الشريكين.

ومن المفارقات أن كلاهما، بندر (65 عامًا) ومحمد (55 عامًا)، يعتبر من "صقور" الأمن داخل عائلة آل سعود الحاكمة. وكلاهما أدى أدوارًا محوريّة جدًا في أوقات مختلفة في تدعيم العلاقة بين الولايات المتحدة والسعودية والانتقال بها من فترات التوتر الشديد حول أهداف السياسة المتناقضة تجاه العراق وسوريا وإيران.

وكان الرئيس أوباما ومستشارو الأمن يعاملون الأمير محمد على أنه الوريث الواضح منذ أن تم تعيينه وزيرًا للداخلية في عام 2012. فرشوا له السجادة الحمراء إلى البيت الأبيض، ووزارة الدفاع، ووزارة الخارجية الأمريكية في زياراته إلى واشنطن في مطلع عام 2013 ومرة أخرى في ديسمبر عام 2014. وهو يتمتع بشأن عال ليس فقط لأنه سحق أنشطة تنظيم القاعدة داخل المملكة في منتصف العقد الأول من القرن الواحد والعشرين، ولكن لأنه ابتكر أيضًا نهج المملكة الخلاق تجاه التعامل مع 2800 من المتهمين أو الإرهابيين المحكوم عليهم والذين أرسلوا إلى "مراكز إعادة التأهيل" وساعدهم في العثور على وظائف وبيوت، بل وزوجات، بعد الإفراج عنهم.

جعلت نجاحات محمد المتكررة في حرب السعوديين على الإرهاب منه الشخص المفضل في واشنطن بين أحفاد مؤسس المملكة، الملك عبد العزيز آل سعود، الذي توفي في عام 1953. إلا أن وقت وصوله للسلطة لا يزال غير واضح ولكنّه بالتأكيد ليس قريبًا. أنجب عبدالعزيز 36 ابنًا، بما في ذلك العاهل الجديد، الملك سلمان، الذي يبلغ من العمر 79 عامًا، في حين أن الأخ غير الشقيق له - ولي العهد الجديد مقرن - يصغره بعشر سنوات. ولكن محمد الآن، بشكل واضح، هو اختيار بيت آل سعود الحاكم ليصبح أول ملك من بين أحفاد عبد العزيز.

وبوصفه مخطط استراتيجية مكافحة الإرهاب الأهم في الأسرة، ربما ينظُر محمد لاستراتيجية بندر حيال سوريا - والتي بدأها في منتصف عام 2013 - على أنها محفوفة بالمخاطر للغاية منذ البداية. فقد هدفت إلى مواجهة النفوذ المتزايد لتنظيم القاعدة الأكثر تطرفًا، والذي خرجت عنه جبهة النصرة في سوريا والدولة الإسلامية التي تسيطر الآن على غرب العراق ومعظم شمال سوريا.

 في سبتمبر 2013، أشرف بندر على اندماج العشرات من المليشيات المتمردة الإسلامية المحلية في جيش واحد هو ("جيش الإسلام") تحت قيادة زهران علوش، الذي قاد بالفعل "لواء الإسلام" الذي تدعمه السعودية. والده، الشيخ عبد الله علوش، هو واعظ محافظ تلقى تعليمه في المملكة العربية السعودية، وقد سجنته السلطات السورية ثم أفرجت عنه بعد أن بدأت الانتفاضة في أوائل عام 2011.

دعا بندر إلى تسليح هذا "الجيش" مع منظومات الدفاع الجوي المحمولة والصواريخ المحمولة يدويًا القادرة على إسقاط طائرات ومروحيات الحكومة السورية. في الواقع، إنه يؤيّد ما قامت به إدارة ريجان في أواخر الثمانينيات عندما قررت توريد صواريخ ستينجرر أمريكية مضادة للطائرات لمتشددين إسلاميين في أفغانستان عملوا على قتال الاحتلال السوفيتي هناك. إلا أنا إدارة أوباما، كانت ضد ذلك تمامًا، خوفًا من أن الأسلحة ستقع في أيدي المتطرفين الإسلاميين المعادية للولايات المتحدة والمعاديين لإسرائيل. أيضًا، رفض جيش الإسلام الانضمام إلى الجيش السوري الحر "المعتدل" الذي تدعمه الولايات المتحدة.

وكان هذا "الجيش" أكثر نشاطًا في ضواحي دمشق، الغوطة ودوما، وصمد رغم كل جهود الجيش السوري في القصف والحصار وتجويع مقاتليه لإجبارهم على الخضوع. لكن كان له وجودًا محدودًا في أماكن أخرى ولم يبد بديلًا له مصداقية سواء للدولة الإسلامية أو لجبهة النصرة.

حتى قبل مواجهة محمد وبندر حول سوريا، اختلف الأميران بشأن المسؤوليات الأمنية والاستخباراتية الخاصة بكل منها. وقتها، بدأت مكانة بندر مع الملك عبد الله في الانخفاض بسبب غيابه لفترات طويلة من المملكة لتلقي العلاج الطبي، ومعظمه في الولايات المتحدة. كان مثل هذا السلوك غير مألوف حتى خلال مسيرته الطويلة سفيرًا للولايات المتحدة لمدة 23 عامًا حتى عام 2005. وأصبح أكثر وضوحًا بعد ذلك عندما كان رئيسًا لمجلس الأمن القومي وجهاز المخابرات السعودية.

خسر بندر آخر منصب له في الحكومة في 29 يناير 2015، عندما أقاله الملك سلمان من منصبه كأمين عام لمجلس الأمن القومي. ذهب الملك الجديد إلى أبعد من ذلك في إهانته عن طريق حله لمجلس الأمن القومي تمامًا واستبداله بمجلس جديد للشؤون الأمنية والسياسية يقودها خصمه الرئيسي، الأمير محمد.

ومن غير الواضح بالضبط متى بدأ محمد المناورة لعزل بندر من منصب كبير الاستراتيجيين السعوديين حيال سوريا. ولكن ما هو معروف أنه يوم 3 يناير عام 2014، أن الحكومة السعودية نشرت مرسومًا قاسيًا لمكافحة الإرهاب يجرم جميع أشكال الدعم السعودي للجهاد في الخارج، وقد حمل بصمات محمد. بل وقد مدد قانون العقوبات جرائم الإرهاب وتمويله من مفهوم "الإرهاب" إلى أي إجراءات في الداخل "تضر النظام العام" أو "تهين سمعة الدولة" أو "تهز أمن المجتمع".

وأعقبهلقرار آخر في 3 فبراير جرّم بصفة خاصة "المشاركة في الأعمال القتالية خارج المملكة". وبعد أربعة أيام، جاءت وزارة الداخلية، تحت إشراف محمد، بقائمة الجماعات التي اعتبرتها "إرهابية" وشملت الدولة الإسلامية في العراق وسوريا، والقاعدة وفروعها في المملكة العربية السعودية وسوريا واليمن، وجماعة الإخوان المسلمين المصرية؛ وحتى المتمردين الحوثيين الشيعة في اليمن. ومع ذلك، لم تجر جيش بندر للإسلام إلى القائمة.

إلا أن قلق محمد الشاغل حول رد الفعل السلبي للدعم السعودي للمتمردين الأصوليين الإسلاميين كان سببه أن المملكة قد أصبحت مهيمنة بشكل واضح بالنسبة للملك عبد الله كذلك. وقد وثّقت وزارة الداخلية حالات 1900 من السعوديين الذين ذهبوا إلى الخارج للقتال في سوريا والعراق، 774 منهم قد عادوا إلى ديارهم اعتبارًا من شهر سبتمبر الماضي.

ويبدو أن الأمير محمد يعتبر النشطاء السلميين لحقوق الإنسان والسياسية في الداخل بنفس خطورة المتطرفين الإسلاميين في الخارج تقريبًا. مثلًا وليد أبو الخير، وهو محام تجرّأ على تشغيل مجموعة مراقبة حقوق الإنسان دون ترخيص من الحكومة. في 15 أبريل عام 2014، في نفس يوم إعفاء بندر من منصبه كرئيس للاستخبارات وكبير للاستراتيجيين حول سوريا، أعادت الحكومة اعتقال أبو الخير، بينما كان يمثل أمام المحكمة في جدة لاستئناف حبس خفيف نسبيًا لمدة ثلاثة أشهر.

أُرسل أبو الخير لإعادة محاكمته بموجب قانون جديد لمكافحة الإرهاب أمام المحكمة الجزائية المخصصة في الرياض، وهي تحت إشراف وزارة العدل، ولكن  العقلية نفسها التي ينضوي تحتها وزير الداخلية محمد. وهناك، كان الحكم الذي حصل عليه أسوأ بكثير. حُكم عليه أولًا بالسجن لمدة 15 عامًا، مع خمس سنوات مع وقف التنفيذ، بالإضافة إلى منع من السفر لمدة 15 عامًا وغرامة 53 ألف دولار. ومع ذلك، اعترض المدعي العام الحكومي على "تساهل" المحكمة، في 15 يناير 2015 حكمت عليه المحكمة بقضاء كل مدة الحبس - 15 عامًا - في السجن.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب