مملكة سلمان: الوجهان الصاعدان في النظام السعودي الجديد

مقال رأي

عندما نصب الملك السعودي الجديد فريقه الخاص بعد توليه مقاليد الحكم، كانت التعيينات الأكثر اثارة للاهتمام هي المتعلقة بأميرين صغيرا السن بما يكفي ليقودا أكبر دولة مصدرة للنفط في العالم لعقود قادمة.

أحدهما هو شخصية معروفة لحلفاء السعودية العالميين. إنه وزير الداخلية محمد بن نايف – 55 عاما– والذي يترأس مجلسا جديدا للأمن الوطني، بعد إلغاء مجلس الأمن الوطني القديم، وعين أيضا وليا لولي العهد، وبذلك سيصبح مستقبلا أول ملك من جيله. ويقود بن نايف هذا الأسبوع وفدا سعوديا كبيرا في رحلة إلي المملكة المتحدة.

أما الأمير الآخر فهو أقل شهرة خارج المملكة. إنه الأمير محمد بن سلمان، ابن الملك سلمان، والذي يتولى رئاسة اقتصادي بالإضافة إلي تعيينه وزيرا للدفاع ورئيسا للديوان الملكي.

إنه صعود متسارع إلي السلطة بمعايير آل سعود، الذين ورث آخر ملوكهم العرش في أوج اضطراب سياسي. تصارع السعودية للحفاظ على حليف محاصَر في اليمن، ولتحويل دفة الحرب الأهلية السورية، ولصد تهديدات تنظيم الدولة الإسلامية (داعش). إلا أن الرياح أتت بما لا تشتهي السفن، ليصيب الركود الاقتصادي المملكة، بعد أن عززت إنفاقها لابعاد تلك الاضطرابات السياسية، لتواجه أولى حالات عجز الميزانية منذ سنوات.

وبينما كان تعيين محمد بن نايف متوقعا، مثّل تعيين محمد بن سلمان "مفاجأة للعديدين، لصغر سنه وخبرته النسبية"، حسبما أوضح فهد ناظر، المحلل السياسي بشركة الاستشارات "جاي تي جي".  وأضاف ناظر: "يمثل تكليف الأمير محمد بن سلمان بذلك الكم من المسؤوليات في ذلك السن الصغير دليلا واضحا على الثقة التي يضعها الملك سلمان في ابنه".

أعمدة النظام الجديد

في المملكة المنغلقة والغنية بالنفط، دائما ما كان هناك تكهنات حول وراثة العرش. وكثرت تلك التكهنات في ديسمبر عندما دخل الملك عبد الله المستشفى لإصابته بالتهاب رئوي، وبقى بها حتى وفاته في الشهر التالي.

تولى سلمان العرش على الفور، وتحرك سريعا لتبديد أي شكوك. فقبل حتى أن يُدفن عبد الله، عين سلمان أخيه الغير شقيق مقرن بن عبد العزيز – أصغر أبناء مؤسس المملكة– وليا للعهد، وعين محمد بن نايف ولي ولي العهد.

وظهرت بعد أسبوع المزيد من الإشارات حول هوية الصاعدين في النظام السعودي الجديد. فقد امتدت تغييرات الملك سلمان لما هو أبعد من التغييرات الوزارية. حيث دشن مجلسين جديدين للإشراف على الاقتصاد والأمن، وعين الأميرين الصاعدين على رأس المجلسين، جاعلا منهما أكثر الأمراء قوة في حكومة الملك سلمان.

لم يتم الكشف عن عمر محمد بن سلمان، ولم تستجب السفارة السعودية في واشنطن للاستفسارات حول ذلك. ولكن التقارير الإخبارية والمحللون يقدرون أنه في أوائل الثلاثينيات.

توزيع الغنائم

أبعد سلمان أيضا اثنين من أبناء الملك عبد الله من منصبيهما كحاكمين للرياض ومكة، وفكك مجلس الأمن الوطني، والذي ترأسه الأمير بندر بن سلطان، السفير السعودي السابق في الولايات المتحدة.

أثارت تلك التغييرات تساؤلات بعض مراقبي الشأن السعودي.

وعلق بول بيلر، الأستاذ بجامعة جورج تاون والمسؤول الاستخباراتي الأمريكي السابق المتخصص بشؤون الشرق الأوسط، بأن سياسة الديوان الملكي تتضمن "توزيع السلطة والغنائم بين الأفرع المختلفة للعائلة"، وهناك دائما فرصة أن يتم ذلك بشكل "غير متناسب لصالح الفرع المسيطر على العرش". وتابع: "يبدو أن سلمان قد دفع الأمور" في ذلك الاتجاه.

وعلق دبلوماسي عربي، رفض ذكر اسمه لأنه غير مسموح له بالحديث إعلاميا، بأن الأمير محمد بن سلمان لم يكن معروفا خارج المملكة قبل أن يتولي مناصبه الثلاثة الجديدة. وأضاف أن الدبلوماسيون يتابعون كيفية مباشرة الأمير لأدواره البارزة واجراء اجتماعاته مع كبار المسؤولين العسكريين.

ثقة الأب

بالنسبة لبعض حلفاء السعودية، فقد واتتهم الفرصة للقاء الأمير محمد بن سلمان الأسبوع الماضي في الرياض عندما اجتمع المسؤولون العسكريون من الدول المشاركة في الحملة التي تقودها أمريكا ضد تنظيم الدولة الإسلامية لتقييم تقدم الحملة.

ويذكر موقع السفارة السعودية في واشنطن أن خبرات الأمير محمد بن سلمان السابقة تضمنت إدارته لديوان والده عندما كان وليا للعهد ووزيرا للدفاع. أما الآن فإنه يرأس مجلسا يتضمن في عضويته وزير النفط علي النعيمي ووزير المالية إبراهيم العساف. وقد أظهر المجلس الجديد الحاجة لتنويع الاقتصاد وتقييم التغيرات في سوق الطاقة، حسبما أوضحت وكالة الأنباء السعودية الرسمية.

وقال شاس فريمان، السفير الأمريكي الأسبق في الرياض إن: "محمد بن سلمان قد مُنح نصيبا كبيرا من السلطة"، وتابع: "سنه صغير وأمامه سنوات كثيرة لينمو في منصبه، وأثناء ذلك، يستمد الأمير سلطته بالكامل من والده الذي يوليه ثقة كبيرة".

سلطة مُركزة

ليس من غير المسبوق أن يُسند للأمراء أدوارا كبيرة بينما مازالوا صغار السن نسبيا. لكن غير المعتاد هو تركيز السلطة في يد محمد بن سلمان، حسبما علق الخبير بالشأن السعودي جريجوري جوز.

وأوضح جوز في رسالة عبر البريد الإلكتروني أنه منذ تولي الملك فيصل الحكم في الستينات، "أصبح هناك دوما طابع من القيادة التشاركية على قمة النظام السعودي، حيث تشاركت العائلة السلطة والمسؤولية". وأردف جوز: "تركيز السلطة في يد الأمير محمد بن سلمان يبدو غير متوافقا مع ذلك الطابع. إنه يثير التساؤلات. أنا لا أعلم أي شيء عن محمد بن سلمان، ولذلك أتساءل إن كانت تلك المسؤوليات أكبر منه ومن مهاراته السياسية، فقد تولى ثلاثة مناصب شديدة الأهمية".

ويري كريسبين هاويس، المدير العام لشركة الأبحاث "تينيو إنتيليجنس" أن الملك سلمان قد يعزز سلطة فرعه من العائلة عبر تعيين ابن آخر له، وهو الأمير عبد العزيز بن سلمان، كوزير النفط القادم بديلا لعلي النعيمي، والذي ظل في منصبه لمدة عقدين. حيث يشغل عبد العزيز حاليا منصب نائب وزير النفط.

السماح بالتقاعد

وأضاف هاويس: "ما كان الملك سلمان ليطيح بالنعيمي بمجرد توليه العرش"، وتابع: "أتساءل إن كان الملك سيسمح للنعيمي بالتقاعد في مرحلة ما خلال الأشهر الستة إلى الثمانية المقبلة، ليحل عبد العزيز مكانه".

ويعلق بيلر بأن صعود أبناء الملك سلمان ليس مضمون الاستمرار. فالملك عمره 79 عاما، ومن المقرر أن يخلفه الأمير مقرن، "والذي يمكنه أن يجري تغييرات في اتجاه مختلف بنفس السرعة التي أجرى سلمان بها تغييراته". واستطرد: "قد لا يستمر محمد بن سلمان في دائرة الضوء بعد عهد والده".

ولكن الأمير محمد بن نايف يقف على أرضية أكثر صلابة. فهو أول مسؤول سعودي يشرف على الأجهزة الأمنية الداخلية والخارجية. ويعرف عنه تشارك مسؤولياته مع فريقه، وتعليق صور على الحائط المجاور لمكتبه لجميع أفراد وزارة الداخلية الذين قضوا أثناء تأدية عملهم.

المرشح المناسب

بدأ صعود الأمير الأكبر محمد بن نايف إلي السلطة خلال السنوات الأخيرة للملك عبد الله، عندما سعى الملك السابق لتصعيد جيل أصغر من الأمراء. ويترأس الأمير هذا الأسبوع وفدا سعوديا يتضمن أربع وزراء على الأقل في رحلة إلي لندن، حسبما أوردت وكالة الأنباء السعودية الرسمية، ومن المرتقب أن يلتقي رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون يوم الخميس.

صعد كذلك اثنان من أقرب مستشاري الأمير، حيث عُين خالد الحميدان رئيسا لجهاز الاستخبارات العامة، وأصبح سعد الجابري وزيرا دون حقيبة وعضوا بمجلس الشؤون السياسية والأمنية.

يعمل الاثنان بشكل منتظم مع الشركاء الإقليميين والدوليين، خصوصا التحالف المخابراتي الذي يعرف بـ "الخمس أعين"، وهو تحالف لمشاركة المعلومات الاستخباراتية يتضمن الولايات المتحدة، المملكة المتحدة، كندا، إستراليا، ونيوزيلندا. وقد تعاونوا ضد التهديدات الجهادية من قبل تنظيم القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية.

واختتم جوز بأن الأمير محمد بن نايف "لديه خبرة في شؤون السلطة والتعامل مع الشركاء الدوليين". وتابع: "يبدو مرشحا مناسبا ليكون أول ملك من جيله".

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب