مواجهة عودة المحافظين الجدد

مقال رأي

هناك شيء محوري يولد الآن في السياسة الخارجية الأميركية. إنه تحرك لليمين نحو زيادة في التشدد، لا سيما بين الديمقراطيين الأقوياء. إنه طرد للتوجه اليساري الذي انطلق في منتصف العقد الماضي، عندما أصبحت حروب جورج بوش في أفغانستان والعراق يُنظر إليها على نطاق واسع على أنها كوارث.

روبرت كاغان، المحافظ الجديد الاستثنائي، يرى هذا التحول بمثابة فرصة لتغيير مركز الثقل السياسي ويحاول تشكيل توافق جديد. في كتابه الأخير، "العالم الذي صنعته أمريكا" (2012)، وفي كتابات أخرى، يحاول كاغان العبور إلى الديمقراطيين المفتونين عبر الهاوية السياسية التي ولّت منذ عقود. وهناك، وجد هيلاري كلينتون، المرشحة الديمقراطية غير المعلن عنها لمنصب الرئاسة، من بين آخرين، تنظر بحرص إلى الخلف. هذا العناق المحتمل بشأن المسائل الدولية ليس بعيد المنال بالنسبة للاعبين ذوي خبرة مثل هؤلاء. تحالفات السياسة الخارجية لها جذور أكثر ضحالة من الخلافات السياسية الداخلية، وتاريخيًا، تمتعت الأحزاب بتداخل كبير بين الصقور والحمائم والناشطين ومن هم فعليًا انعزاليون. وعلاوة على ذلك، يمكن لهذه المواقف أن تتغير بمقابل ضئيل.

وكان تودد كاغان لكلينتون صريحًا تمامًا. "أشعر بالراحة معها في السياسة الخارجية"، قال كاغان لصحيفة نيويورك تايمز في يونيو. "إنها شيء يمكن أن نسميه سياسة المحافظين الجدد، ولكن مؤيديها بالطبع لن يسموها كذلك". كاغان نفسه يقول إنه يفضل مصطلح "ليبرالي تدخلي".

لدى كاغان أسبابه في قول ذلك علنًا، وليس أقلها تحرك الرمال في حزبه الجمهوري. وقد كشفت سنوات أوباما عن صراعات جديدة بين المحافظين، وخاصة بين الأغلبية التي ما تزال تدعم ردودًا عسكرية قوية على التهديدات الإرهابية في الشرق الأوسط، وبين الأقلية الصاخبة من الليبرتاريين الذين يسمون أنفسهم حزب الشاي ويشاركون اليساريين الديمقراطيين الأنف من التورطات العسكرية في الخارج. لذلك، فإن كاغان يتحوّط لرهاناته عن طريق محاولة بناء بيت جديد، يبنيه بنفسه تقريبًا - ليكون فعليًا عبارة عن ائتلاف من النشطاء الجمهوريين والديمقراطيين. وقد يدعم الجمهوريون، في هذه المجموعة ذات الغرض المحدد، هيلاري كلينتون، لكنهم سيكونون حذرين من مهاجمة آرائها في السياسة الخارجية، وسيكونوا في وضع مناسب لدعم مواقفها تجاه الأمن الوطني إذا فازت.

إذا ألقينا نظرة إلى الوراء على من كان يهيمن على النقاش الدولي في أمريكا خلال ما يزيد على الثلاثين سنة الماضية سنجد أن معظمهم من المحافظين الجدد: فرانسيس فوكوياما القديم، فؤاد عجمي، ريتشارد بيرل، بول وولفويتز، وليام كريستول، وهكذا دواليك. فقد تفوقوا على الليبراليين في عرض رؤيتهم لسياستهم الخارجية بأن كانوا أكثر إنتاجًا وأكثر تماسكًا وأكثر حدّة. توجد خارج عشيرتهم حفنة صغيرة من الجديرين بالذكر مثل هنري كيسنجر، الواقعي؛ زبجنيو بريجنسكي، الذي يصعب تحديده منذ سنوات كارتر ولكنّه بالتأكيد عدو للمحافظين الجدد؛ صموئيل هنتنغتون، الديمقراطي المحافظ؛ وفريد ​​زكريا، الوسطي.

خلال معظم فترة صعود المحافظين الجدد، كان روبرت كاغان بمثابة منبرهم الفكري. وهذا هو السبب في أن تودده لكلينتون مثير للاهتمام. مغازلة كاغان الصريحة لكلينتون قد قُبلت بحياء بل رُد عليها بالمثل. بينما تستمر يدها اليسرى في التشبث بالأولويات الجديدة لليبراليين، مثل حقوق المرأة والديمقراطية وتغير المناخ، تمتد يدها اليمنى إلى الصقور. قليل هم من فشلوا في ملاحظة أنها اختارت كاغان لعضوية فريق استشاريي وزارة الخارجية غير الحزبي أو عندما اختارت زوجته، فيكتوريا نولاند، وهي دبلوماسية بارعة جدًا في حد ذاتها، كمتحدثة باسمها. وليس من قبيل الصدفة أن نائب زير الخارجية السابق، ستروب تالبوت، المحترم، وصديق بيل وهيلاري كلينتون وعائلة كاغان، يُبقي على كاغان في معهد بروكينجز الموقّر في منصب زميل قديم.

على نحو متزايد، تروّج كلينتون لسجلها المتشدد في سوريا (حيث أرادت إرسال مساعدات عسكرية للمتمردين مبكرًا) والعراق (حيث ضغطت لتأخير تاريخ انسحاب القوات) وأفغانستان (حيث دعت إلى مد أجل الوجود العسكري الأمريكي). إنها لعبة عادلة في واشنطن، فيها يقوم الوزير بعد تنحيه عن منصبه بالكشف عن مواقفه بشأن القضايا الخلافية، خاصة إذا كانت هذه المواقف الصعبة تبدو معقولة لاحقًا. كلينتون لا يمكن أن تدان لفعلها ذلك.

لكن يلاحظ حماستها المتزايدة لذكريات اعتراضاتها على سياسات أوباما في الماضي. وقد أثارت الدهشة، في أغسطس، عندما صرّحت لجيفري غولدبيرغ بمجلة ذا أتلانتك: "إن الفشل في المساعدة على بناء قوة قتالية ذات مصداقية من هؤلاء الذين كانوا مصدر الاحتجاجات ضد الأسد... ترك فراغًا كبيرًا، ملأه الجهاديون الآن". هذه وغيرها من الانتقادات لسياسة أوباما الليبرالية الخارجية، والتي رددها منذ ذلك الحين وزير الدفاع السابق، ليون بانيتا، هي بمثابة عزف موسيقي في آذان كاغان. هناك الكثير مما يبث الأمل في المحافظين الجدد في انتقادات كلينتون الحادة، لكن إلى أي مدى سوف تذهب؟ تقلّب معتقدات السياسة الخارجية للسياسيين لا بُدّ أن يوضع في اعتبار الممارسين لها، فقد تحرّك الرئيس أوباما نفسه نحو اليمين في السنوات الأخيرة.

نعم، يحتاج الديمقراطيون لاستعادة تراثهم في الواقعية في السياسة الخارجية والتي تتمثل في التفكير بمفاهيم القوة والقدرات العسكرية، لكن ليس بالطريقة التي يقترحتها المحافظون الجدد. ينبغي عليهم أن يتطلعوا بدلًا من ذلك إلى الدبلوماسية الفعالة والاستراتيجيات الإبداعية في عهد ترومان. فهم الرئيس ترومان ومستشاروه الرئيسيون أن الولايات المتحدة لا بُدّ أن تفرّق بشكل حاد بين تلك المصالح التي تستحق القتال من أجلها وتلك التي ينبغي حمايتها باستخدام وسائل أخرى، اقتصادية وسياسية بالأساس. كانوا يعتقدون أن الولايات المتحدة ليست بحاجة لإظهار قوتها من خلال الأعمال الأحادية. فبدلًا من تبني أجندة متغطرسة في فترة ما بعد الحرب، قاموا ببناء شراكات من خلال استراتيجيات تسلط الضوء على المصالح والأهداف المشتركة والتي تنص على الوسائل البراغماتية اللازمة لتحقيق تلك الأهداف. مستقبل الديمقراطيين مع ترومان، وليس كاغان.

ما هي الكاغانية؟

باراك أوباما، الذي يتحدث بالكاد مع قادة الكونغرس، دعا روبرت كاغان إلى غداء خاص في الصيف الماضي. تخيّل هذين العقلين العظيمن في السياسة الخارجية، ملك المحافظين الجدد والصقر الناشيء، يتناولان الطعام معًا. شخص يحصل على مثل هذه الدعوة من رئيس الولايات المتحدة يجب أن يؤخذ على محمل الجد، لذا دعونا ننظر بعناية في ما يعرضه الآن على الديمقراطيين الكلينتونيين.

كتابه، "العالم الذي صنعته أمريكا"، هو عمل مغر ولافت للنظر. كاغان يخلط الاستثنائية الأمريكية المتمرسة بإيمان قوي بالقوة العسكرية الأمريكية. الأثنان معًا، كما يقول، يمكن أن يجعلا العالم أكثر أمنًا وأكثر ديمقراطية. هذا النهج يتناقض بشكل حاد مع خطاب وطموحات أوباما التي كانت يومًا ما متواضعة. لكن لغة كاغان من الصعب مقاومتها في ظل مناخ الهستيريا الحالي حول الإرهاب وعدوان فلاديمير بوتين على أوكرانيا.

يدور تفكير كاغان حاليًا حول مفهومين: "النظام العالمي الليبرالي" و"التدخل". في حال أنك لم تلاحظ، فإن كلمة "ليبرالية" معبَّأة في المفهوم الأول ومتضمَّنة في الثاني. التدخل دفاعًا عن "النظام العالمي الليبرالي" هي تسميته الألطف للحرب. وقد استولى على "كلمة-ل" (أو ليبرالية) ويوظفها الآن أكثر من الليبراليين أنفسهم.

أطروحة السيد المحافظ الجديد الليبرالي هي كما يلي: "إن أهم ملامح العالم اليوم - من الانتشار الواسع للديمقراطية والازدهار وفترات السلام بين القوى العظمى - تعتمد بصورة مباشرة وغير مباشرة على ممارسة الولايات المتحدة لسلطتها ونفوذها". ويتابع: "لا توجد قوة أخرى كان بإمكانها أن تؤثر على العالم بالشكل الذي أثر به الأميركيون لأنه لا توجد أمة أخرى تتمتع، أو تمتعت في أي وقت مضى، بتركيبة الخواص الأمريكية الاستثنائية". الكتاب يحكي أسطورة خلق ما يسميه "النظام العالمي الليبرالي" الأمريكي، والذي يقع على الجمهوريين والديمقراطيين، على حد سواء، واجب خاص في الدفاع عنه ضد "الدوافع غير الليبرالية المتخلفة... الكامنة في البشرية". في هذه الرؤية للعالم، أمريكا هي القدوة والاستثناء التاريخي على حد سواء، فهي مفتاح التاريخ وترياق للطبيعة البشرية غير الموثوق بها.

حجر الزاوية في أطروحة كاغان أن هذا "النظام" غير قادر على الحفاظ على نفسه بالشكل الذي يفترضه هذا المصطلح عادة. كتب كاغان: "الناس محقون في الإشارة إلى انتشار الديمقراطية وانتشار النظام الاقتصادي المبني على السوق الحرة والتجارة الحرة بوصفهما عاملين مهمين للحفاظ على السلام بين القوى العظمى"، لكنهم "يُخطئون في اعتقاد أن هذه الأوضاع كافية أو مكتفية ذاتيًا". ولا حتى الأوروبيون الغربيون، وهم أقرب نموذج للمشروع الأمريكي للديمقراطية والأسواق الحرة، يتمتعون بالمؤهلات الضرورية للقيام بمهمة الدفاع عن هذا النظام الذي يبدو هشًّا.

"النظام العالمي الليبرالي" عند كاغان، هو نظام تحافظ عليه القوة العسكرية الأمريكية المتفوقة، وهي حجة وضعت في كتابه "عن الجنة والطاقة" الذي نشر عام 2003. في هذا الكتاب، يوضح كاغان أن أوروبا "تتحرك خارج حدود القوة في العالم نحو كيان مكتف ذاتيًا بالقوانين والقواعد والتفاوض والتعاون العابر للحدود"، بمعنى آخر، هي في حالة من السذاجة حول مخاطر العالم. صنع هذا الكتاب عشيّة غزو العراق موجة مكّنت الصقور الأمريكية من الهجوم على معارضة أوروبا للحرب ونبذها. بعد كل شيء، إذا كان الأمريكيون هم فقط القادرون على فهم القوة، فلماذا ينبغي عليهم الاستماع إلى أي شخص آخر عن كيفية ممارسة هذه القوة؟

يفهم كاغان القوة بشكل عجيب. كان قلقًا، وله الحق، من عدم رغبة واضعي السياسات في السنوات الأخيرة في تقدير قيمة القوة العسكرية. كتب في صحيفة وول ستريت جورنال: "يبدو الأمر كما لو أن... الأمريكيين يعتقدون أن خيبة أملهم في استخدام القوة تعني بشكل أو بآخر أن القوة لم تعد عاملًا في الشؤون الدولية". يحتاج كاغان فقط إلى الإشارة لغزو فلاديمير بوتين لشبه جزيرة القرم ليثبت أنه "نعم، هناك شيء يسمى الحل العسكري"، إذا كنت على استعداد للقتال. لكن عدوان بوتين وسياسة القوى العظمى ليس هما ما يركز عليه كاغان، فاهتمامه الرئيسي، الذي يقترب من الهوس، هو بالتهديدات النابعة من الدول الصغيرة وبالتهديدات الموجودة بداخلها.

لم يكن كاغان دائمًا على هذا النحو. ولد فكر المحافظين الجدد داخل الحزب الديمقراطي خلال الحرب الباردة بهدف تشنيج سياسة الولايات المتحدة تجاه الاتحاد السوفيتي. استهدف المحافظون الجدد على وجه التحديد سياسة الحد من التسلح، والتي شعروا أنها تعني القبول بالقوة الشيوعية. وكان هدفهم أن يحدث العكس: زيادة الإنفاق العسكري الأمريكي مقابل ضعف الاقتصاد السوفيتي وتجميد موسكو دبلوماسيًا. مع ذلك، وبمجرد تحطم الاتحاد السوفياتي، فقدوا اهتمامهم بسياسة القوى العظمى. فلم ينظروا أبدًا إلى الصين كوحش فرانكنشتاين الجديد. هذا أمر ملحوظ بما أنه، في الواقع، لم تتحول أي من روسيا الضعيفة أو الصين الناشئة إلى قط.

كاغان متردد بالنسبة لبكين. فهو في بعض الأحيان قلق من أن قوة الصين المتزايدة ستكون معادية للديمقراطية في السياسة العالمية، لكنه غير متأكد إلى أي درجة ينبغي أن يقلق لأنه يركز بشكل كامل على القوة العسكرية، وهو يرى بحق أن الصينيين سوف يلهثون خلف الأمريكيين في هذا المجال لعدة عقود. وهو يجزم أنه حتى تصبح الصين "قوة عظمى بالمعنى الجيوستراتيجي... سيتطلب ذلك ما يشبه انهيار كل القوى الأخرى في آسيا". في ما عدا هذا السيناريو المثير للقلق، هو غير معجب بالمكاسب الاقتصادية للصين، لدرجة أنه يقول "في الوقت الحالي، لا يمكن أن يقال إن الصين ستؤثر على القوة الأمريكية في المستقبل إلا بقدر نمو اقتصادها، وبقدر استطاعة الصينيين ترجمة هذه القوة الاقتصادية المتنامية إلى قوة عسكرية". يعد ذلك أقرب ما يكون لصرف النظر تمامًا عن تهديد قوة الصين الاقتصادية في حد ذاتها للمصالح الأمريكية في آسيا وأماكن أخرى.

وقاد كاغان تحويل الانتباه عن تنافس القوى العظمى إلى الإرهابيين وإلى سوء تصرفات الدول الصغرى. الخطر الجديد لا يأتي من أعلى، بل من أسفل. لأسباب لم تفسر أبدًا بشكل كامل، يرى كاغان تهديد الإرهابيين الإسلاميين والدكتاتوريين الجدد الطامحين إلى الأسلحة النووية لـ"النظام العالمي الليبرالي" أكبر بكثير من تهديد الصعود الصيني والاحتضار الاستراتيجي الأوروبي. إنه لا يدرس هذه المسألة بالتفصيل الذي تستحقه، لكن يبدو أنه لا يعتقد في قدرة أميركا (أو إسرائيل، في ما يتعلق بهذه المسألة) على ردع الدول الصغيرة أو المتوسطة عن استخدام الأسلحة النووية. إنه كما لو أن هؤلاء الجناة الجدد على استعداد تام للمخاطرة بضربة أمريكية استباقية أو انتقامية من شأنها أن تدمرهم تمامًا. وما هو الدليل على ذلك؟ نفس الشيء قيل عن الاتحاد السوفيتي القديم والصين الشيوعية القديمة.

منذ تأسيس مشروع القرن الأمريكي الجديد في عام 1997 لحشد التأييد لحرب ضد العراق، كان كاغان من الدعاة الرائدين إلى تغيير النظام. على عكس الرئيس بوش، الذي ركز على الادعاء المغالط بخطر أسلحة الدمار الشامل في العراق، وعلى عكس نائب الرئيس، ديك تشيني، الذي ألمح، على الرغم من عدم اكتمال الأدلة، إلى أن صدام كان متواطئًا في أحداث الحادي عشر من سبتمبر، كان كاغان مهتمًا في المقام الأول بالتحدي العراقي المزعوم لـ"النظام العالمي الليبرالي". حتى وقت قريب، في هذا العام، جادل كاغان أن الدافع وراء الحرب كان "القلق على النظام العالمي أكثر من المصالح الشخصية الضيقة". كاغان هو أيضًا حماسي متعصب لـ"التدخل" في إيران وسوريا. وهو يعتقد أن طهران يجب أن تُجبر على الخضوع أو تعاني من التدخل. وقال كاغان للصحفيين، في عام 2012، "يجب أن نعطي هذه العقوبات أكبر فرصة ممكنة للقيام بدورها، لكن في الوقت نفسه ينبغي أن تكون عندنا فكرة واضحة جدًا حول ما يجب القيام به إذا ما فشلت... من المهم جدًا أن تفهم إيران أن احتمال الصراع العسكري موجود في نهاية المطاف، وهو ما لن يستطيعوا الانتصار فيه".

في النقاش العام، في سبتمبر 2013، حول ما إذا كان ينبغي مهاجمة سوريا، كان كاغان يفضل إسقاط بشار الأسد. عندما سأله تشارلي روز إذا كان الديمقراطيون ينظرون إلى استخدام الأسد للأسلحة الكيماوية على أنه تهديد للأمن القومي، أجاب: "هناك الكثير من الأميركيين... الذين لا يرون المصلحة الأمنية الوطنية الواضحة في المسألة. أنا لا أعرف كيف يكون ذلك ممكنًا. أنا لا أعرف لماذا يريد أي شخص العيش في اضطراب عالمي، يغمز فيه المجتمع الدولي عمليًا لاستخدام الأسلحة الكيميائية".

كانت حجته أن الأمريكيين يقللون من قدر هشاشة "النظام العالمي الليبرالي" ويجب عليهم الحفاظ على "الحذر المأساوي" الذي تعلمناه في الحرب الباردة من "مهندسي الليبرالية المسلحة"، هاري ترومان ودين أتشيسون، وإلا انزلق العالم إلى فوضى. "الطبيعة تمقت الفراغ"، يقول كاغان لروز، "وفي هذه الحالة سيتم ملأ هذا الفراغ من هذا النوع من العناصر السيئة الأصغر، كما تعلم". لا يخشى كاغان وزملاؤه من المحافظين الجدد من القوى الرئيسية، بل يخشون الدول الأضعف التي ستشعر بقدرتها على إلحاق الأذى حال توقفت الولايات المتحدة عن القيام بدور الشرطي.

كيف أساءت الكاغانية قراءة العالم

كيف يمكننا أن نفهم كل هذا؟ هل نحن في الواقع نعيش، كما يقول كاغان، في العصر الذهبي لـ"النظام العالمي الليبرالي" وفي الوقت نفسه على حافّة الكارثة؟ من شأن نظرة سريعة على الخريطة أن توضح أن الادعاء الأول متنازع عليه. أمّا النقطة الثانية، عن الهشاشة وعدم اليقين في هذا العالم، فلها بعض الوجاهة. والسؤال هو كيفية إدارة هذه المشكلات.

يرتكز الكثير من تفكير كاغان على وجود هذا "النظام العالمي الليبرالي". لكن هل هو حقًا موجود؟ وكم من الفضل فيه يعود إلى أمريكا؟ من المؤكد أن أمريكا اللاتينية الآن أكثر استقرارًا مما كانت عليه من قبل، ويرجع الفضل في ذلك جزئيًا إلى التجارة مع الولايات المتحدة واستثماراتها، لكن قلّة من القادة في الجنوب يرجعون الفضل في وصول الديمقراطية إلى أراضيهم لجهود واشنطن؛ على العكس تمامًا. التشيليون، على سبيل المثال، لا يزالون مجروحين بسبب تدخل واشنطن في الماضي في تطور ديمقراطيتهم. صعود الانتخابات الحرة في نيكاراغوا، والذي كان في جزء منه نتيجة لقرابة عقد من المساعدات الأمريكية غير القانونية إلى الكونترا، هو موضوع كتاب كاغان الأول وثمرة السنوات التي قضاها في وزارة ريغن الخارجية. ليس من مفارقة صغيرة، إذن، أن رئيس نيكاراغوا المنتخب الحالي هو دانييل أورتيغا، السانديني الشهير. يوجد في أفريقيا عدد من الدول التي تسمى ديمقراطية، لكن العديد منها ديمقراطي بالاسم فقط، بينما تعاني من أهوال داخلية وحروب أهلية. باستثناء عدد قليل من الديمقراطيات الناشئة في الاتحاد السوفياتي السابق، فإن معظم تلك الدول "المحررة" ما تزال سلطوية. واشنطن من حقها أن تفتخر بتعزيز الديمقراطية في اليابان وتايوان والفلبين وكوريا الجنوبية. لكن على الرغم من قصص النجاح الديمقراطية هذه، إلا أن العديد من بلدان المنطقة غير حرة، بما في ذلك أكبرها: الصين. جنوب غرب آسيا، بما في ذلك باكستان وأفغانستان وإيران، بالتأكيد لا تنطبق عليها صفة الجنّة الليبرالية. أمّا الشرق الأوسط فهو أساسًا جنّة الديكتاتوريين والمتعصبين.

لكن الأكثر إشكالية من ذلك كلّه هي طريقة كاغان، أو المحافظين الجدد عمومًا، في التمسك بفكرة النظام العالمي هذه. "التدخل" هو وصفته السياسية العلاجية المفضلة، لكنه حذِر بما فيه الكفاية في كتاباته ومقابلاته العلنية حتى يظل غامضًا حيالها. توفّر سوريا مثالًا جيدًا لطريقة كاغان في السير على حبل التدخل المشدود:

سأله تشارلي روز: إذا أطيح بالأسد، يا روبرت، ماذا ستكون النتيجة برأيك؟ أجاب روبرت كاغان: "الفوضى، ربما. وكما تعلم، لا يجب أن يتوهم أحد وجود حلول جيّدة هناك. إمّا أنه سيكون لدينا الأسد في السلطة ... أو نحن ذاهبون الى الوضع الفوضوي الذي سيعقب رحيله".

ولما اتضحت له معضلته الحزينة، بدأ يحتج بأن المتمردين المعتدلين سينتصرون ضد جميع أعدائهم فقط إذا قدّمت لهم واشنطن الدعم اللازم. يقول إن "عدم دعمنا لتلك العناصر الأكثر اعتدالًا قلب التوازن لصالح الجهاديين".

هكذا يتضح من كلام كاغان أن الاختيار بين الأسد والفوضى يمكن حله بانتصار معجز من قِبل المتمردين السنة المعتدلين على المجانين الجهاديين. ولكن ما الذي حدث للأسد في هذه المعادلة؟ وهل يعتقد كاغان حقًا أن المتمردين غير المنظمين تمامًا يمكنهم فعلًا هزيمة أي شخص، أسواء كان الأسد أو الجهاديين، خلال العقد القادم؟ كاغان بالتأكيد أكثر ذكاء من ذلك. عادة، يقوم كاغان بالالتفاف على مشكلة التورط العميق في هذا النوع من النقاش.

أليس من المثير للاهتمام كيف أنه رقص حول مسألة مهاجمة الولايات المتحدة لسوريا في المقابلة مع روز، بينما قبلها بأسبوع فقط قام هو وشخصيات بارزة من المحافظين الجدد الآخرين، بالتوقيع على خطاب مفتوح إلى الرئيس يطالبه بذلك تحديدًا؟

أصر المحافظون الجدد على أنه يجب على الولايات المتحدة والدول الأخرى التي ترغب في ذلك أن تنظر بعين الاعتبار لتوجيه ضربات عسكرية مباشرة ضد أركان نظام الأسد. وينبغي أن تكون أهداف هذه الضربات ليس فقط ضمان أن أسلحة الأسد الكيميائية لم تعد تهدد أمريكا أو حلفائها في المنطقة أو الشعب السوري، لكن أيضًا ردع أو تدمير القوة الجوية لنظام الأسد، وغيرها من الوسائل العسكرية التقليدية عن ارتكاب فظائع ضد المدنيين غير المقاتلين.

سمّ ذلك ما شئت، لكنه يبدو كثيرًا كالحرب.

هكذا يعود المحافظون الجدد لمساعدة المتمردين على الفوز عن طريق شن هجمات جوية أمريكية ضد الأسد. وما تزال أوجه القصور في المتمردين دون معالجة، إلا إذا قلنا أن على الولايات المتحدة أن توفر لهم المزيد من الأسلحة. (ألم تقدم الولايات المتحدة ما يكفي من الأسلحة للجيش العراقي؟) والمذهل أن هؤلاء المحافظين ذوي النظرات الثاقبة يقولون القليل عن الجهاديين، رغم أنهم التهديد الرئيسي للمنطقة بأسرها، ولأمريكا نفسها. من الصعب أن نصدق اليوم أن هؤلاء المحافظين العنيدين يعتقدون فعلًا أن تدمير الأسد من شأنه أن يساعد على هزيمة الجهاديين الأكثر خطورة بكثير. والأمر غير القابل للتصديق أكثر من ذلك هو ما يقتضيه كلامهم من أن القوة الجوية وحدها يمكن أن تسقط الأسد. هم بالتأكيد يتركون هذا الانطباع. هممم، أين هم المحافظون الجدد العنيدون عندما يحتاج الواحد إليهم؟

وقع الصقور في مشكلة مشابهة فيما يتعلق بإسقاط معمر القذافي في ليبيا. أرادوا خلع العقيد الشرير، وقادت الولايات المتحدة تحالفًا قام بهجمات جوية نجحت في تحقيق هذه المهمة. وسُحر المحافظون الجدد. "إنه إلى حد بعيد أهم قرار اتخذته أي قيادة عالمية في هذه الأحداث بأكملها"، كتب كاغان في ويكلي ستاندارد "... وكان قرار الرئيس أوباما أن الولايات المتحدة والعالم لا يمكن أن تقف موقف المتفرج على أهل بنغازي وهم يذبّحون". وبعد فترة ليست بالطويلة من هذا التهليل، سقطت ليبيا في فوضى وسفك دماء لا مفر منهما، وما تزال دون تحسن. هل طالب الصقور بعودة الولايات المتحدة لتكملة المهمة؟

التفاؤل التي أدى بكاغان ليحكم بالنجاح على ليبيا ليس مستهجنًا. فقد مرّ بلحظات من التفاؤل قبل ذلك. فقد خلص بيل كريستول وكاغان بعد انتخابات يناير 2005 في العراق إلى أنه "تظل الحقيقة أن اليوم، أكثر من أي وقت مضى، يمكن تصور مستقبل تتغير فيه منطقة الشرق الأوسط والعالم الإسلامي بحق. بخصوص ذلك، لا يرجع الفضل لأحد أكثر من جورج دبليو بوش".

إذا كان كاغان غير متأكد من كيفية التدخل في الصراعات المثيرة للقلق، فهو متردد كذلك بالنسبة للمكان الذي ينبغي التدخل فيه. في بعض الأحيان يبدو أنه يقترب بشكل خطير من الإيحاء بأنه ما دمنا لا نستطيع أن نميز تمامًا بين التهديدات الرئيسية والثانوية، فنحن مضطرون لبحث الرد في كل مكان. متأملًا في أهمية الحرب الباردة للاستراتيجية الأمريكية، كتب كاغان في عام 1994:

"الدرس المستفاد من ميونيخ"، والذي هيمن على التفكير خلال الحرب الباردة حتى استبدل مؤقتًا بـ"الدرس المستفاد من فيتنام"، علّمنا أن فشل الإرادة في المسائل الصغيرة أدى في نهاية المطاف إلى فشل الإرادة في مسائل أكثر حيوية أيضًا. أثبت هذا أنه استراتيجية سليمة للدفاع عن المصالح الأمريكية، كبيرها وصغيرها، وكان من هذه الاستراتيجية أن جعلت النصر السلمي ممكنًا في الحرب الباردة. ليس لدينا يقين أن بإمكاننا التمييز بشكل صحيح بين القضايا عالية المخاطر والقضايا منخفضة المخاطر في الوقت المناسب لدق ناقوس الخطر.

إذا لم يكن التمييز بين التهديدات الصغيرة والكبيرة مسؤولية الحكومة، فمن سيتولى إذن القيام بهذه المهمة التلمودية؟ لا أحد - لأنها مهمة صعبة جدًا؟ دفع تكاليف كبيرة في السعي لتحقيق أهداف مستحيلة أو مصالح طفيفة هو أمر محفوف بالمخاطر، وإنه من المبالغة التحذير من أن ظل ميونيخ يتربص بنا في كل زاوية.

عندما يواجَه كاغان بالتكاليف الهائلة لجهود الحرب في العراق أو أفغانستان، يتجاهلها ببساطة ويرد بواحدة من معكوسات الحقائق من نوعية "وماذا لو لم نكن قد فعلناها؟". "إن الفشل في أفغانستان سيكلف الكثير، أكثر بكثير من المليارات التي أنفقت على هذه الزيادة"، صرح كاغان لويكلي ستاندارد في عام 2011. "إنه نوع غريب من الحكمة هذا الذي يستطيع أن لا يرى سوى مشاكل وتكاليف اليوم، ولا يستطيع أن يتخيل مشاكل وتكاليف الغد". هل يلقي كاغان اللوم إذن في انهيار قوات الأمن العراقية على انسحاب القوات الأمريكية من العراق؟ أيهما يبدو أكثر احتمالًا، إصابة العراقيين بخيبة أمل لأن الإرادة أمريكية كانت غير كافية، أم شعورهم ببساطة أن حكومتهم لم تكن تستحق أن يتم القتال من أجلها؟

يبدو أن المحافظين الجدد كلهم قد تعلموا الدرس الخطأ من فيتنام، التي يستشهدون بها دائمًا وأبدًا. ثمة درسان من الدروس الصحيحة القابلة للتطبيق حتى يومنا هذا؛ أولًا، إن المصالح الهامشية يمكن بالفعل أن تكون هامشية. من الصعب جدًا أن يجادل أحد بجدية أن فيتنام كانت مهمة على مسرح القوة العالمي قبل أن يجعلها الأمريكيون كذلك بتدخلهم الهائل في منتصف الستينيات. تعني فيتنام القليل جدًا من الناحية الجيوستراتيجية لدرجة أنه بعد فقدان حلفاء أمريكا، الفيتناميين الجنوبيين، الحرب، أثّر ذلك بالكاد على موقع الولايات المتحدة الاستراتيجي العالمي. وبالفعل، من دون حبل المشنقة حول عنق فيتنام، ذهبت واشنطن لفتح العلاقات مع الصين، وبدء الدبلوماسية الثلاثية مع موسكو، وتعزيز مكانتها بشكل كبير في آسيا وحول العالم. إذا كانت "الهزيمة" في فيتنام مدمّرة للدرجة التي يصر عليها كاغان والمحافظون الجدد، لم تكن هذه الأشياء لتحدث، ولغرقت الولايات المتحدة تحت الأمواج.

ثانيًا، من المهم جدًا أن نفهم أنه على الرغم من أن الولايات المتحدة، حتى مع وجود 550 ألف جندي هناك، لم تنتصر في حرب فيتنام، إلا أنها لم تخسرها كذلك. بعد أن غادرت الولايات المتحدة، خسرت جنوب فيتنام الحرب. كان لا يزال مع سايغون نحو مليون رجل تحت تصرفها وكانت مجهزة تجهيزًا جيدًا على الرغم من القطع الأحمق للمساعدات المستقبلية من الكونغرس. قواتها ببساطة لم تقاتل ببسالة كافية. هذا هو الدرس الذي ينبغي أن يكون في عقول المحافظين الجدد بل وجميع الأمريكيين حين يتذكروا انهيار القوات المسلحة العراقية وما قد يحدث في أفغانستان. يمكن للولايات المتحدة أن تنفق كميات هائلة من الدم والثروة، لكن في النهاية يرجع الفوز أو الخسارة إلى الناس الذين يحاول الأمريكيون مساعدتهم. لماذا لا يستطيع المحافظون الجدد أن يفهموا هذا؟ لماذا دائمًا يلومون خطايا وعيوب الآخرين على أمريكا نفسها، وعلى الإرادة الأمريكية، وعلى الديمقراطيين؟

تراث ترومان

هذه الأوقات مثيرة للقلق، أكثر من أي فترة مضت منذ نهاية الحرب الباردة. هناك عدد قليل من الحكومات، إلى جانب حكومتنا، المستعدة والقادرة على تحمل العسكرية الثقيلة والأعباء الاقتصادية داخل وخارج حدودها. في هذا الصدد، تراجع أوروبا هو، على وجه الخصوص، أمر حزين. الكثير جدًا، بل الأكثر من المتحمل، يهوي الآن على أمريكا، مغلفًا كما هو الحال في الجمود السياسي الداخلي الذي لا ينتهي بين الجمهوريين والديمقراطيين، وفي غياب قيادة قوية.

يُقلّب هذه القِدرة التي تغلي أبطالنا: روبرت كاغان، وهيلاري كلينتون، والأكثر فعالية من بين الصقور الجديدة باراك أوباما. ماذا سينتج عن كل هذه المغازلة وهذه الصلابة المشتركة المكتشفة حديثًا؟

هيلاري كلينتون، التي صنعت مثل هذه الضجة الكبيرة حول سوريا والعراق في سبيل تعزيز سيرتها الذاتية، أسكتت انتقاداتها إلى حد كبير، وتؤكد الآن أن "التهديد حقيقي" والعمل العسكري "مطلوب بشكل حرج". إنها لم تدع بشكل يومي للتسليح العاجل للمتمردين السوريين. (ربما هي تدرك الآن أن هذه الجهود لم تكن لتسفر عن نتائج إيجابية على أرض الواقع لبعض الوقت؟) إنها تدعم حملة الرئيس أوباما الجوية في سوريا ولكن، وعلى نحو غير معهود، لم تطالب بتوسيعها. والشيء نفسه ينطبق على الحرب الجوية في العراق. والأكثر إثارة للاهتمام، لم تدع كلينتون الكونغرس للتصويت بنعم أو لا على القتال ضد الدولة الإسلامية، على الأقل حتى تنشر المسؤولية السياسية عن هذا المجهود الحربي. من ناحية أخرى، كان ضغطها لاستصدار قرار الحرب سينقل التبعات إلى رئاستها المتوقعة وسيقيدها تبعًا لذلك.

منذ أن أصبح أوباما أكثر تشددًا، كانت استراتيجية كلينتون هي عدم السماح بمساحة فاصلة بينها وبين الرئيس. عندما تتكلم، يأتي كلامها داعمًا لأفعاله. وعندما تصمت، تسمح للآخرين بافتراض أنها تدعمه. لا تزال الصورة التي ترسمها لنفسها هي الصلابة، وطالما يظهر أوباما العضلات - لكن ليس أكثر من اللازم - فهي معه.

يشكل الرئيس صورة جديدة جدًا ومختلفة لنفسه بخصوص الأمن القومي: صورة الرجل الذي لن يسمح بأن تهان الولايات المتحدة والذي قد يقوم بعمل عسكري قوي، ما لم يكن حربًا بريّة. ولعل المثال الأكثر إثارة للذهول هو إعلانه، في أواخر سبتمبر، أنه سوف يلتزم بالاحتفاظ بعشرات الآلاف من القوات الأمريكية في أفغانستان لمدة عشر سنوات أخرى. بالطبع، هناك بند يسمح بالانسحاب من هذا الالتزام مع إشعار مسبق بسنتين، لكن الانسحاب لن يكون سهلًا بالنسبة له أو لخلفائه. بالنسبة لرئيس الجمهورية الذي لم يستطع الانتظار حتى يخرج من العراق ولم يُرِد شيئًا من سوريا في المقام الأول، فإن هذا الإعلان يُذهب العقل. بالطبع، لم تهتم وسائل الإعلام الأمريكية به إلا قليلًا؛ لكن هذا قصة مختلفة تمامًا. يبدو أنه فعل ذلك ليثبت أنه أصبح صعب المراس، وأنه لا ينبغي لأحد أن يشاكسه في العامين المتبقيين له، وأن القوة العسكرية أصبحت موردًا شرعيًا ومبكرًا لمواجهة تحديات لأمن الولايات المتحدة.

ولهواة القرائن المستقبلية، وافق أوباما أيضًا على بدء رفع الحظر الأمريكي على تجارة السلاح مع فيتنام، وهي سياسة تهدف للرد على الصين الأكثر حزمًا. المبيعات الأولية ستكون متواضعة في الحجم، لكن رمزية الخطوة قد تكون أي شيء إلا متواضعة. إلى أولئك الذين يعتقدون أن واشنطن تكرس اهتمامًا أكثر من اللازم للشرق الأوسط وأقل بكثير من ما يكفي لمواجهة استعراض العضلات الصيني المتزايد في مسرح آسيا والمحيط الهاديء، جاءت الرسالة بصوت عال وواضح.

تغيير توجه أوباما المفاجيء يشبه ما فعله رؤساء ديمقراطيون مؤخرًا في السنوات الأخيرة لحكمهم. بشّر جيمي كارتر بالحمائمية لمدة عامين قبل غزو السوفييت لأفغانستان. وهذا ما دفعه ليس فقط لإطلاق عقوبات واسعة النطاق ضد الاتحاد السوفييتي، ولكن أيضًا لبدء الدعم السري لأسامة بن لادن والمجاهدين. بالنسبة لبيل كلينتون، هذا التحول كان يعني الذهاب حتى النهاية في البلقان بعد سنوات من مقاومة لا تغتفر لمساعدة ضحايا الإبادة الجماعية في البوسنة وكوسوفو.

الآن، من المستحيل الحكم على مدى علاقة تحول أوباما بكاغان وباقي المحافظين الجدد "الليبراليين". لكنهم يحلو لهم ما رأوه من الرئيس مؤخرًا، أو على الأقل بفضلونه على ما رأوه منه من قبل.

وهم ليسوا بعيدين عن الواقع بكثير في شعورهم هذا. كاغان يذكّر الديمقراطيين، عن حق، أن القوة الصلبة ما زالت الأكثر فعالية، وليس "القوة الناعمة" الغامضة. لوقت طويل جدًا، فرّ الديمقراطيون من الحاجة لأن يكونوا أكثر صلابة في عالم شرير، والنتيجة أنهم يصابون بالشلل كلما تفشّت الفوضى ثم يستجيبون بطريقة عشوائية. لكن فائدة كاغان العملية تنتهي هنا.

ابتداءً من هذه النقطة، سيضطر الديمقراطيون لأن يعتمدوا بشكل كبير على أنفسهم في وضع استراتيجية جدية وقابلة للتطبيق بخصوص الأمن القومي في القرن الحادي والعشرين. وهو ما سوف يكون مهمة شاقة. ولهم أن يبحثوا عن الإلهام في إبداعات الرئيس ترومان ودين أتشيسون وجورج مارشال وفرقهم. لقد أنشأوا سياسة راسخة وواقعية تتمحور حول المؤسسات الدولية التي يمارسون من خلالها قوة الولايات المتحدة (خطة مارشال، وحلف شمال الأطلسي، والبنك الدولي، وإجراءات محادثات التجارة في الاتفاقية العامة للتعريفات الجمركية والتجارة، وصندوق النقد الدولي) والمفاهيم الإرشادية للاحتواء والردع. عندما كان هناك عدوان صريح، كما في كوريا، ردّوا بقوة. عندما كان التهديد أكثر دهاءً، كما فعل الحزب الشيوعي في اليونان أو كما تدخل السوفيتيون في تركيا، رد ترومان بعمل عسكري حاسم وبمساعدات اقتصادية. كان كل هذا في خدمة كل من المصلحة الأمريكية الذاتية والمثل الأمريكية العليا.

من شأن مثل هذا الإلهام أن يخدم الديمقراطيين جيدًا اليوم. ومن الجدير بالذكر أن ترومان فعل كل هذا مع أن ذراعه العسكرية كانت مكبلة خلف ظهره. فقد انحلت القوات المسلحة بشكل كامل تقريبًا بعد الحرب العالمية الثانية، ولم تبدأ في إعادة تشكيل نفسها حتى الحرب الكورية. في غضون ذلك، بنى فريق ترومان الاقتصادات الألمانية واليابانية، وحقق استقرار وديمقراطية سياستهم، وجعلهما أقرب حلفاء أمريكا العسكريين. احتاج إنجاز ذلك إلى استراتيجية بسيطة وشديدة الوضوح والذكاء وعدد من السنوات. وبسبب هذه السياسة الخارجية العظيمة، تعرضوا لهجوم داخلي لاذع ومستمر.

المهمة الاستراتيجية التي تواجه الرئيس الديمقراطي اليوم - وأي رئيس أمريكي في الواقع - هي مهمة مربكة بنفس الدرجة. ومن بين العقبات الرئيسية نحو إعادة تشكيل استراتيجية جديدة وقابلة للتطبيق ما يلي: أولًا، الأوروبيون، حتى الأوروبيين الغربيين، هم ببساطة ليسوا حلفاء أقوياء ولا يمكن الاعتماد عليهم. للمرة الأولى منذ 50 عامًا، لا يمكن لواشنطن ببساطة الاعتماد عليهم للحصول على الدعم العسكري والاقتصادي. وهم في حالة سيئة ودون آمال كبيرة. ثانيًا، من الصعب العثور على حلفاء جدد مشابهين في آسيا للمساعدة سواء هناك أو حول العالم دون إشعال توترات كبيرة مع الصين. اليابان هي أحد المفاتيح هنا، ولكن لا يظهر اقتصادها أيضًا دلائل تُذكر على قوته في المستقبل، وفي حين تريد واشنطن تشجيع بعض النمو في القوة العسكرية اليابانية، لكن القوة الزائدة عن اللازم ليست جيدة لا لليابان ولا لأمريكا. ثالثًا، غالبية التهديدات الخطرة والنشطة التي تواجه الولايات المتحدة ليست حروبًا أو حروبًا محتملة بين الدول، ولكنها حروب داخل البلدان، مثل الحروب الأهلية وحركات التمرد الإرهابية. هذه الصراعات يصعب بشدة على أطرافها الداخلية والخارجية التعامل معها بنجاح. وفي العموم، تستمر هذه الصراعات لسنوات عديدة.

لا يمكن لشخص من المحافظين الجدد، أو حتى من الليبراليين في واقع الأمر، صياغة استراتيجية للخروج من مثل هذه الفوضى. إجابات المحافظين الجدد البسيطة - مثل أننا نحتاج إلى إرادة أمريكية أكثر أو قوة عسكرية أمريكية أكبر، في العادة دون تفاصيل مساعدة - لا معنى لها. وفي الوقت نفسه، لن يستطيع الليبراليون أن يبدأوا بمعالجة شر الصراعات المسلحة في العالم باستخدام الوسائل الاقتصادية والدبلوماسية وحدها، ناهيك عن استخدام وسائل تعزيز التفاهم. لن يتم العثور على الإجابات في مثل هذه المصادر الشائعة للتفكير في السياسة الخارجية الأمريكية هذه الأيام. يمكن العثور على الإجابات من خلال النظر مرة أخرى إلى ترومان وزملائه.

السؤال الاستراتيجي الرئيسي هو: كيف يمكن لواشنطن أن تخلق مرة أخرى شيئًا - تحالفًا منتصرًا وسياسات منتصرة - من لا شيء؟ الجواب الآن، كما كان وقتها، هو استراتيجية بسيطة وجيدة وقابلة للتطبيق تعتمد، أولًا، وقبل كل شيء، على إعادة تشكيل اقتصادات حلفائنا الرئيسيين. يجب أن يكون هؤلاء الحلفاء أقوياء بما فيه الكفاية في حياتهم اليومية وفي آمالهم الاقتصادية حتى يستطيعوا مرة أخرى نشر الجيوش وتقديم المساعدات الاقتصادية للأصدقاء المحتاجين وإضافة ثقل لدبلوماسيتهم المشتركة. ولن يمكن لأي قدر من الوعظ أن ينجح في شحن الآسيويين أو الأوروبيين لمواجهة تهديدات أمنهم وأمن أمريكا، دون إحياء اقتصادي. إذا كان هناك شيء واحد أصبح واضحًا الآن، فهو أن التقشف ليس الحل.

يجب على الحكومات أن تجدد البنى التحتية الفكرية والمادية وتخلق فرص العمل وتدعم الإبداع التكنولوجي. يجب أن يعالجوا التفاوت الكبير والمهين في الثروة؛ زيادة ثروة الطبقة الوسطى سيؤدي إلى توسيع القوة الشرائية وبالتالي توسيع الاقتصاد. وسوف يحتاج ذلك إلى قائد عظيم لتسويق هذه الاستراتيجية الجيدة والبديهية. للأسف، دون التسويق لا توجد استراتيجية.

الخطوة التالية ليست إنشاء أو محاولة تنشيط تحالفات ثابتة مثل الناتو أو سياتو (منظمة حلف جنوب شرق آسيا) أو سنتو (حلف بغداد) أو أي من تلك التحالفات ذات الحروف الاستهلالية والتي عفا عليها الزمن. الأمم في كل من هذه التحالفات أصبحت لا تشارك المصالح بالدرجة التي كانت تفعلها في السابق.

يجب أن تكون التحالفات المستقبلية مرتبطة بأغراض محددة. ويجب أن تقوم على مصلحة المشاركين المرتبطة بموضوعات معينة. والطريق لواشنطن لربط هذه التحالفات معًا هي من خلال الاستراتيجيات التي لا تعكس ببساطة المصالح الأمريكية، ولكن التي تجمع بين المصالح الرئيسية لجميع الأطراف المتوقع انضمامها. كل طرف عليه أن ينظر على وجه التحديد ما الذي يعود عليه من هذا التحالف. على سبيل المثال، بينما صعدت روسيا حربها ضد أوكرانيا، لم تصر الولايات المتحدة ببساطة على أن ينضم إليها الأوروبيين في توقيع العقوبات. وكان موقف الولايات المتحدة مضطرًا لاستيعاب رغبة ألمانيا في أن تكون أقل ميلًا للمواجهة مع روسيا، ولإتاحة الوقت للسياسة الأوروبية لأن تتطور في اتجاه أكثر حزمًا. اليوم، لا توجد دولة مستعدة لتقديم تضحيات لمجرد أن تكون حليفًا جيدًا أو لأن تؤدي خدمة للولايات المتحدة. ستضطر واشنطن أن تدافع عن القضية وتبيعها للقيادة السياسية في كل بلد، ثم تسوقها للشعوب بالتعاون مع هؤلاء القادة. إنها ليست عملية سهلة، ولكنها الوحيدة في القرن الحادي والعشرين القادرة على إنتاج عمل مشترك.

حتى في أكثر أيام القوة الأمريكية ازدهارًا، كانت السياسة الخارجية بالأساس عبارة عن تحديد الخيارات. لا يستطيع المرء أن يحصل على كل شيء، حتى لو أوحى المحافظون الجدد بغير ذلك. وخيار واحد يحتاج القادة الأمريكيون، ديمقراطيون أو جمهوريون، إلى الأخذ به، وهو الضغط على الدول الأخرى لتلعب الأدوار التي تتناسب مع مصالحهم في الأزمات المختلفة. مصالحهم معتبرة، لكنهم يفترضون دائمًا أن واشنطن ستقوم بالمهمة... لأن هذا هو ما يسمعوه ويريدون سماعه من أمثال كاغان والمحافظين الجدد. ينتظر الآخرون من الأميركيين أن تقصف أكثر، ثم أكثر. حان الوقت، منذ زمن طويل، للدول الأخرى أن تصعد دفاعها عن مصالحها الخاصة، ولواشنطن أن تقوم بدور بنّاء الائتلافات. هذا هو مسار السياسة الخارجية لهيلاري كلينتون والديمقراطيين - سواء مع أو بدون روبرت كاغان.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب