هزيمة أوباما في ليبيا

مقال رأي

 

في 17 مارس 2011، صدق مجلس الأمن، مدفوعا بإدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما، على القرار رقم 1973 الذي يسمح بالتدخل العسكري في ليبيا. وكان هدف التدخل، حسبما أوضح أوباما، هو إنقاذ أرواح المتظاهرين السلميين المناديين بالديمقراطية، والذين وجدوا أنفسهم في مرمي نيران الديكتاتور الليبي معمر القذافي. لم يواجه القذافي زخم الربيع العربي فقط، والذي كان استطاع مؤخرا الاطاحة بالأنظمة الاستبدادية في مصر وتونس، بل كان أيضا مستعدا لارتكاب حمام دماء في مدينة بنغازي الليبية، حيث بدأت الثورة ضده، حيث صرح أوباما: "لقد علمنا أنه إن انتظرنا يوما اضافيا، قد تواجه بنغازي مذبحة ستتردد أصدائها في أنحاء المنطقة وتلطخ ضمير العالم".  بعد يومين من قرار الأمم المتحدة، أنشأت الولايات المتحدة ودول حلف الناتو الأخري منطقة حظر جوي على أنحاء ليبيا وبدأت في قصف قوات القذافي. وبعد سبعة أشهر وفي أكتوبر 2011، وبعد حملة عسكرية موسعة إلي جانب دعم غربي مستمر، سيطرت قوات المتمردين على أنحاء ليبيا وقتلت القذافي.

مباشرة وفي أعقاب النصر العسكري، ابتهج المسؤولون الأمريكيون للنصر. فقد صرح إيفو دالدر، الممثل الدائم للولايات المتحدة في حلف الناتو حينها، وجيمس ستافريديس، القائد الأعلى لقوات التحالف الأوروبي في ذلك الوقت، عبر كتاباتهم على تلك الصفحات (الفورين بوليسي): "تمت الإشادة بعمليات الناتو في ليبيا بوصفها تدخلا نموذجيا". بل وشارك أوباما نفسه في تلك الإشادة بعد موت القذافي قائلا: "لقد حققنا أهدافنا دون إرسال جندي أمريكي واحد على الأرض في ليبيا". وبالفعل يبدو أن الولايات المتحدة قد حققت إنتصارا ثلاثيا، حيث دعمت الربيع العربي، ومنعت عملية قتل جماعي مشابهة لما حدث في رواندا عام 1994، وقضت على ليبيا كمصدر محتمل للإرهاب.

إلا أنه يبدو أن ذلك الحكم كان سابقا لأوانه. فعبر التطلع إلي السنوات السابقة حتى عام 2011، نلاحظ أن تدخل أوباما في ليبيا كان فشلا ذريعا، حتى وإن حكمنا بمعايير أوباما. فلم تفشل ليبيا فقط في تكوين ديمقراطية، بل وانحدرت إلي دولة فاشلة. تزايدت أعداد قتلى العنف وانتهاكات حقوق الإنسان أضعاف ما كانت عليه. وبدلا من أن تكون حليفا أمريكيا في مواجهة الإرهاب، كما كانت تحت قيادة القذافي خلال عقده الأخير في الحكم، أصبحت ليبيا الآن ملاذا آمنا للميليشيات التابعة لكلٍ من تنظيم القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش). كذلك أضر التدخل بمصالح أمريكية أخرى، حيث أعاق جهود منع انتشار الأسلحة النووية، وثبط التعاون الروسي في الأمم المتحدة، وأشعل الحرب الأهلية السورية.

رغم ما يدعيه المدافعون عن التدخل، إلا أنه كان هناك سياسة أفضل في ليبيا، وهي عدم التدخل نهائيًا، لأن المدنيين الليبيين السلميين لم يكونوا مستهدفين بالفعل. ولو اتبعت الولايات المتحدة وحلفائها ذلك الاتجاه، لجنبوا ليبيا الفوضى الناتجة ولوفروا لها فرص للتقدم بقيادة الخليفة الذي يختاره القذافي لنفسه، وهو ابنه الذي يعتبر ليبرالي نسبيا والحاصل على تعليمه في الغرب، سيف الاسلام. ولكن بدلا من ذلك، ليبيا اليوم ممزقة بفعل الميليشيات الدموية والإرهابيين المعادين لأمريكا، لذلك تمثل ليبيا درسا قاسيا حول كيف يمكن أن يأتي التدخل الإنساني بنتائج عكسية لكلٍ من المتدخل وهؤلاء الذين يستهدف بالمساعدة.

دولة فاشلة

بلغ التفاؤل بالمستقبل الليبي ذروته في يوليو 2012، عندما أوصلت الانتخابات الديمقراطية حكومة ائتلاف معتدل وعلماني إلى السلطة، وهو ما مثل تغيرا تاما عن دكتاتورية القذافي التي استمرت أربعة عقود. ولكن الأمور بدأت في التدهور سريعا. حيث استمر أول رئيس وزراء منتخب، وهو مصطفي أبو شاقور، أقل من شهر واحد في منصبه. وأنذرت الإطاحة السريعة به بالأزمات التي تنتظر ليبيا، فحتي كتابة هذا المقال، تولى منصب رئيس الوزراء الليبي سبعة أشخاص مختلفين خلال أقل من أربع سنوات. هيمن الإسلاميون على أول برلمان بعد الإطاحة بالقذافي، المؤتمر الوطني العام. وفي تلك الأثناء، فشلت الحكومة في نزع سلاح عشرات الميليشيات التي تكونت خلال فترة تدخل الناتو في ليبيا، وخصوصا الميليشيات الإسلامية، ما أدي لحدوث معارك دامية على النفوذ بين القبائل المتناحرة والقادة، ويستمر ذلك الوضع في ليبيا حتى الآن. في أكتوبر 2013، أعلن إنفصاليون في شرقي ليبيا، حيث يتركز معظم النفط الليبي، تشكيلهم لحكومتهم الخاصة. وتعرض علي زيدان، رئيس الوزراء الليبي في حينها، للاختطاف والاحتجاز كرهينة. وفي ضوء النفوذ الإسلامي المتصاعد داخل الحكومة الليبية، وفي ربيع عام 2014، أعلنت الولايات المتحدة تأجيل خطة لتدريب قوة مسلحة قوامها بين 6000 و8000 جندي ليبي.

بحلول مايو 2014 كانت ليبيا على شفا الوقوع في حرب أهلية جديدة بين الليبرالي والإسلاميين. في ذات الشهر، سيطر الجنرال العلماني المنشق، خليفة حفتر، على القوات الجوية ليهاجم الميليشيات الإسلامية في بنغازي، ووسع أهدافه لتشمل المجلس التشريعي ذي الهيمنة الإسلامية في طرابلس. لم تقدم الانتخابات في يونيو الماضي أي شيء لوقف الفوضى. تخلى معظم الليبيين بالفعل عن الديمقراطية، حيث انخفض إقبال الناخبين من 1,7 مليون ناخب في الانتخابات السابقة إلي 630 ألف ناخب فقط. وبينما أعلنت الأحزاب العلمانية الفوز وكونت هيئة تشريعية جديدة، وهي مجلس النواب، رفض الإسلاميون قبول نتيجة الانتخابات. فكانت النتيجة تكون برلمانين متصارعين، يدعي كل منهما أنه البرلمان الشرعي.

في يوليو، ردت ميليشيا إسلامية من مصراتة على أفعال حفتر بمهاجمة طرابلس، دافعةً السفارات الغربية إلي الإخلاء. وبعد معركة دامت ستة أسابيع، سيطر الإسلاميون على العاصمة في أغسطس بالنيابة عن ما يطلق عليه "تحالف فجر ليبيا". والذي شكل بمعاونة المجلس التشريعي المنتهية ولايته ما أطلقوا عليه "حكومة إنقاذ وطني". في أكتوبر، فر البرلمان المنتخب حديثا، والذي يقوده تحالف "عملية الكرامة" العلماني، إلي مدينة طبرق شرقي ليبيا، حيث أسس حكومة مؤقتة منافسة، إلا أن المحكمة الليبية العليا أقرت بعدم دستورية تلك الحكومة. ونتيجة لذلك تجد ليبيا نفسها بين حكومتين متصارعتين، تتحكم كُلٌ منهما في جزء من الأراضي والميليشيات الليبية.

بالفعل كانت أوضاع حقوق الإنسان متدهورة في ليبيا تحت حكم القذافي، إلا أنها أصبحت أسوء منذ إطاحة الناتو به. فقد ارتكب المتمردين بعد توليهم السلطة مباشرة عشرات من حوادث القتل الانتقامية، بالإضافة إلي التعذيب والاعتداء على الآلاف من المشتبه في دعمهم للقذافي واحتجازهم قسريا. كذلك طرد المتمردين 30 ألف من سكان مدينة تاجوراء، والذين كان معظمهم من المقيمين السود، وحرقوا أو نهبوا منازلهم ومحالهم، تحت زعم أن بعضهم كانوا مرتزقة للقذافي. وبعد ستة أشهر من الحرب، صرحت منظمة "هيومن رايتس واتش" أن انتهاكات حقوق الإنسان في ليبيا "تبدو منتشرة وممنهجة لدرجة قد تصل إلي تصنيفها كجرائم ضد الإنسانية".

تستمر تلك الانتهاكات واسعة النطاق، حيث صرح مكتب المفوضية السامية لحقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة أن: "الأغلبية العظمي من المحتجزين على خلفية الصراع الليبي ويقدر عددهم بـ8000 محتجز، قد تم احتجازهم دون اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة". كذلك أصدرت منظمة العفو الدولية تقريرا العام الماضي كشف عن المعاملة الوحشية التي يتلقاها هؤلاء المحتجزون، حيث أورد التقرير: "تعرض المحتجزون للضرب لفترات طويلة باستخدام أنابيب بلاستيكية، عصي، قضبان معدنية، أو أسلاك، كذلك تعرضوا للصعق بالكهرباء، والتعليق في أوضاع مؤلمة لساعات، وأبقوا معصوبي العينين ومكبلي الأيدي من الخلف بشكل مستمر، أو حُرموا من الغذاء والماء". كذلك أشار التقرير إلي حوالي 93 اعتداء على صحفيين ليبيين في الأشهر التسع الأولى من 2014، "وتضمنت الاختطاف، الاحتجاز القسري، الاغتيال، محاولات الاغتيال، والاعتداءات البدنية". وخلص التقرير إلي أن الاعتداءات المستمرة في شرقي ليبيا "تصل إلي جرائم حرب". نتيجة لذلك العنف المتفشي، تقدر الأمم المتحدة أن حوالي 400 ألف ليبي قد فروا من منازلهم، نزح رُبع هؤلاء خارج البلاد بالكامل.

انخفض مستوى المعيشة في ليبيا بشكل حاد نتيجة الهبوط الاقتصادي الشديد. ويعود ذلك بشكل أساسي إلي انخفاض مستويات إنتاج النفط بشدة بسبب الصراع الممتد، حيث يمثل النفط شريان الحياة في ليبيا.

أنتجت ليبيا قبل الثورة 1.65 مليون برميل نفط يوميا، وانخفضت تلك النسبة إلي صفر خلال فترة تدخل الناتو. ورغم أن الإنتاج قد تحسن بشكل مؤقت ليصل إلي 85 بالمائة من معدله السابق، إلا أنه منذ استيلاء الانفصاليين على مرافئ النفط الشرقية في أغسطس 2013، انخفض الانتاج بشدة ليصل إلى متوسط 30 بالمائة فقط من معدل ما قبل الاقتتال. كذلك أدي الصراع المستمر إلي إغلاق مطارات ومرافئ في أكبر مدينتين ليبيتين، طرابلس وبنغازي. ويواجه السكان في عدة مدن إنقطاع الكهرباء بشكل واسع، حيث يصل الإنقطاع إلي 18 ساعة يوميا في طرابلس. ويمثل الفقر الشديد مؤخرا انخفاضا حادا لمستوي المعيشة في دولة عادة ما صنفها مؤشر التنمية البشرية الذي تصدره للأمم المتحدة في السابق كصاحبة أعلى مستوى معيشة في جميع أنحاء افريقيا.

التكلفةالبشرية

رغم تبرير البيت الأبيض لمهمته في ليبيا بالأسباب الإنسانية، إلا أن التدخل أدي في الواقع إلي تضخم حصيلة القتلى بشكل كبير. بدايةً، فقد تبين أن قمع القذافي كان أقل دموية مما صورته التقارير الإعلامية في ذلك الوقت. فحيث بدأت الثورة شرقي ليبيا، بمزيج من المظاهرات السلمية والعنيفة، وثقت منظمة "هيومن رايتس واتش" 233 حالة وفاة فقط في الأيام الأولي للقتال، وليس 10 آلاف مثلما أوردت قناة "العربية" الإخبارية السعودية. في الواقع، مثلما وثقت في مقال لي عام 2013، أنه منذ بِدء الثورة في منتصف فبراير 2011 وحتى منتصف مارس 2011، عندما تدخل الناتو، لقي حوالي ألف ليبي فقط حتفهم، بينهم جنود وثوار. رغم زعم مقال للجزيرة في مطلع 2011 – أشارت إليه وسائل إعلام غربية– بأن القوات الجوية التابعة للقذافي قد قصفت مدنيين في بنغازي وطرابلس، إلا أن ذلك الخبر "لم يكن صحيحا"، حسبما كشفت دراسة شاملة أجرتها صحيفة "لندن ريفيو أوف بوكس" بواسطة هيو روبرتس. بالفعل، سعيا إلي تقليل الخسائر المدنية، امتنعت قوات القذافي عن ممارسة العنف العشوائي.

يرد أفضل دليل إحصائي من مصراتة، ثالث أكبر مدينة ليبية، حيث دارت المعارك الأولي بأشد كثافة. وجدت منظمة "هيومن رايتس واتش" أن من بين 949 مصاب في الأسابيع السبعة الأولي من الثورة، كان 30 فقط من النساء والأطفال (أي حوالي 3 بالمائة فقط). ما يشير إلي أن قوات القذافي قد استهدفت المقاتلين بدقة، والذين كان جميعهم تقريبا رجال. وخلال نفس الفترة في مصراتة، قُتل فقط 257 شخص، ما يمثل نسبة ضئيلة للغاية من سكان المدينة الذين يبلغ عددهم 400 ألف مواطن.

انتهجت قوات الأمن الليبية نفس أسلوب ضبط النفس في طرابلس، حيث استخدمت قوة كبيرة لمدة يومين فقط قبل تدخل الناتو، لصد المتظاهرين العنيفين الذين شرعوا في حرق المنشآت الحكومية. صرح أطباء ليبيون لاحقا للجنة تحقيق تابعة للأمم المتحدة أنهم شهدوا أكثر من 200 جثة في مشرحة المدينة في يومي 20 و21 فبراير وأن جثتين فقط من بينهم كانت لإناث. وتدحض تلك الاحصاءات فكرة أن قوات القذافي قد أطلقت النار عشوائيا على المدنيين السلميين.

علاوة على ذلك ومع تدخل الناتو، كان العنف الليبي على وشك الانتهاء. فقد هزمت قوات القذافي جيدة التسليح المتمردين المنتمين لمدن مختلفة، والذين بدأوافي الانسحاب إلي مدنهم. وبحلول منتصف شهر مارس 2011، كانت قوات الحكومة الليبية مستعدة لاستعادة بنغازي آخر معاقل المتمردين، لتنهي الصراع الذي استمر شهرا بتكلفة كلية تزيد قليلا عن 1000 من الأرواح فقط. إلا أنه عند ذلك أصدر المغتربون الليبيون في سويسرا، الداعمين للمتمردين، تحذيرات من "حمام دماء" وشيك الحدوث في بنغازي، والتي تداولتها وسائل الإعلام الغربية على نحو واف في وقتها، إلا أنه باستعادة الأحداث يتبين أنها كانت بروباجندا. في الواقع، تعهد القذافي في 17 مارس بحماية المدنيين في بنغازي، مثلما فعل في المدن التي تمكن من استعادة السيطرة عليها، مضيفا أن قواته قد "فتحت الطريق أمام المتمردين" للإنسحاب إلي مصر. باختصار، كان المقاتلون على وشك خسارة الصراع، لذا فقد قام مندوبيهم في خارج ليبيا بالتحذير من ارتفاع احتمالية حدوث مذبحة جماعية، حتى يدفعوا الناتو للتدخل، وقد كان لتلك الدعاية مقعول السحر. ليس هناك دليل أو سبب لتصديق أن القذافي قد خطط أو نوى لارتكاب مذبحة واسعة النطاق.

حاولت الحكومة بالفعل على نحو لا يمكن إنكاره أن ترهب المتمردين، حيث توعدت بملاحقتهم بلا هوادة. ولكن القذافي لم يترجم ذلك الخطاب أبدا في صورة استهداف للمدنيين. بين 5 مارس و15 مارس، استعادت القوات الحكومية السيطرة على جميع المدن الخاضعة لسيطرة المتمردين عدا مدينة بنغازي، ولم تقتل المدنيين في أيٍ من تلك المدن على سبيل الإنتقام. وبالفعل ومع اقتراب قوات القذافي من بنغازي، أصدر القذافي تأكيدات على أن قواته لن تؤذي المدنيين ولا المتمردين الذين تخلوا عن أسلحتهم. ووجه خطابا مباشرا في 17 مارس لثوار بنغازي قائلا: "تخلوا عن أسلحتكم، مثلما فعل إخوانكم في أجدابيا وفي مدن أخرى. لقد ألقوا أسلحتهم وهم الآن آمنون، ولن نلاحقهم مطلقا".

إلا أنه وبعد يومين، أوقفت حملة الناتو الجوية هجوم القذافي. ونتيجة لذلك لم تستعد الحكومة السيطرة على بنغازي، ولم يفر المتمردون، ولم تنتهِ الحرب. بل تراجع المتمردون عن انسحابهم وعاودوا الهجوم. وأخيرا في 20 أكتوبر 2011 عثر المتمردون على القذافي، عذبوه، ثم أعدموه دون محاكمة. سقطت آخر بقايا النظام بعدها بثلاثة أيام. باختصار، مدد التدخل الحرب الأهلية الليبية من أقل من ستة أسابيع إلي أكثر من ثمانية أشهر.

تباينت أعداد القتلى خلال الحرب على نطاق واسع. في مؤتمرٍ مغلق في نوفمبر 2011 نظمه معهد "بروكينجز"، حدد مسؤول أمريكي الحصيلة النهائية للقتلى بأنها "حوالي 8 آلاف". وعلى النقيض من ذلك، ذكر وزير الصحة الليبي التابع للمتمردين في سبتمبر 2011، قبل حتي أن تضع الحرب أوزارها، أن 30 ألف ليبي قد لقوا حتفهم. إلا أن وزارة الشهداء والمفقودين التي أُنشأت بعد الحرب خفضت ذلك التقدير بشدة إلي 4700 من المدنيين والمتمردين، بالإضافة إلي نفس العدد أو أقل من قوات النظام، و2100 مفقود من كلا الجانبين، أي أقصي تقدير للقتلى هو 11,500 قتيل.

لم تُجر الإحصاءات الشاملة للخسائر البشرية خلال السنتين التاليتين من الصراع المستمر منخفض التكلفة، ولكن التقارير الإخبارية أظهرت بالفعل عدة مناوشات قوية، مثل القتال بين قبيلتين متناحرتين في مارس 2012 في مدينة سبها جنوبي ليبيا، والذي خلف 147 قتيل. في ضوء تلك الأعداد، من المعقول تقدير أن الصراع قد أودى بحياة 500 شخص على الأقل سنويا في 2012 و2013.هناك معلومات أفضل متاحة حول الحرب الأهلية المتجددة عام 2014. حيث يذكر موقع "عدد الضحايا بليبيا"، والذي يوثق الخسائر البشرية بشكل يومي، أن الحصيلة الكلية للقتلي الليبيين خلال العالم الماضي كان أكثر من 2750 شخص. علاوة على ذلك، وعلى خلاف قوات القذافي في 2011، تستخدم الميليشيات المتقاتلة في ليبيا حاليا القوة عشوائيا. فعلى سبيل المثال، أورد مركز طرابلس الطبي في أغسطس 2014 أن من بين 100 قتيل (ضحايا أحداث العنف الأخيرة)، كان 40 من النساء وتسعة أطفال على الأقل. في الشهر التالي، أطلقت المسلحون عدة صواريخ على منشأة طبية، ما يمثل جريمة حرب صارخة.

تقود تلك الإحصاءات القاتمة إلي استنتاج مؤسف وحتمي. قبل تدخل الناتو، كانت الحرب الأهلية الليبية على شفا الانتهاء مع حصيلة قتلي تصل بالكاد إلي 1000 قتيل. إلا أنه ومنذ التدخل، نتج عن الصراع 10 آلاف قتيل إضافي على الأقل. أي أن تدخل الناتو أدي لمضاعفة حصيلة القتلى أكثر من عشر مرات.

الإرهابيون يسيطرون

أدي تدخل الناتو أيضا إلي تضخم تهديد الإرهابيين في ليبيا، والذي يمثل أثر آخر غير مقصود للتدخل. ورغم أن القذافي دعم الإرهاب منذ عقود – كما يشهد دفع نظامه تعويضات عن تفجير طائرة "لوكيربي" عام 1988– إلا أن القائد الليبي تحول إلي حليف أمريكي ضد الإرهاب العالمي قبل أحداث 11 سبتمبر. يعود ذلك جزئيا لمواجته تهديدا داخليا من قبل المقاتلين التابعين للقاعدة، والتي تحمل اسم "الجماعة الإسلامية الليبيبة المقاتلة". والتقي مسؤول الأمن الخارجي في نظام القذافي، موسي كوسا، عدة مرات بمسؤولي وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية لتقديم معلومات للوكالة حول المقاتلين الليبين في أفغانستان وحول العالم النووي الباكستاني عبد القادر خان. في 2009، أشاد الجنرال ويليم وارد، والذي ترأس القيادة الأمريكية في أفريقيا، بليبيا بوصفها "شريك مهم في مكافحة الإرهاب الدولي".

إلا أنه ومنذ تدخل الناتو في ليبيا تحولت ليبيا وجارتها مالي إلى ملاذ آمن للإرهاب. وظهرت الجماعات الإسلامية المتشددة، والتي قمعها القذافي سابقا، تحت الغطاء الجوي للناتو كأحد العناصر الأفضل كفاءة قتالية في الصراع. وبعد تسليحها من قبل دول متعاطفة مثل قطر، رفضت تلك الجماعات نزع السلاح بعد سقوط القذافي. واتضح تهديدهم المستمر في سبتمبر 2012 عندما هاجم جهاديون، بعضهم ينتمي لتنظيم أنصار الشريعة، المجمع الدبلوماسي الأمريكي في بنغازي، وقتلوا كريستفور ستيفينز، السفير الأمريكي في ليبيا، وثلاثة من زملاءه. كما أعلنت الأمم المتحدة العام الماضي بشكل رسمي تنظيم "أنصار الشريعة" منظمة إرهابية بسبب صلتها بتنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي.

يقاتل المقاتلون الإسلاميون في ليبيا الآن للسيطرة على الدولة كاملة، ويحرزون تقدما في ذلك. في أبريل 2014، قاموا بالسيطرة على قاعدة عسكرية سرية قرب طرابلس، التي وللمفارقة كانت قد تأسست على يد قوات العمليات الخاصة الأمريكية في صيف 2012 لتدريب قوات مكافحة الإرهاب الليبية. كما أمدت قطر والسودان الإسلاميين بالأسلحة حتى سبتمبر 2014. ردا على ذلك، شنت الحكومات الأكثر ميلا للعلمانية في الإمارات ومصر هجمات جوية على أهداف تابعة للمسلحون الإسلاميون في طرابلس وبنغازي في أغسطس وأكتوبر من العام الماضي. وتتضمن التنظيمات الجهادية الليبية حاليا عدة جماعات وليست جماعات تابعة للقاعدة فقط، حيث ارتكبت التنظيمات المتحالفة مع تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) عمليات قتل واختطاف منذ يناير 2015 في أقاليم ليبية التقليدية الثلاثة.

كذلك عزز تدخل الناتو في ليبيا الإرهاب في أنحاء أخري من المنطقة. فعندما سقط القذافي، هرب أفراد قواته المنتمين إلي طائفة الطوارق العرقية إلي بلدهم مالي مع أسلحتهم ليبدأوا تمردهم الخاص. ولكن تلك الانتفاضة أيضا تعرضت للاختطاف سريعا من قبل القوى الإسلامية المحلية وتنظيم القاعدة في المغرب، لتعلن تلك التنظيمات عن دولة إسلامية مستقلة في النصف الشمالي من مالي. وبحلول ديسمبر 2012، أصبحت تلك المنطقة من مالي "أكبر مساحة يسيطر عليها متشددون إسلاميون في العالم"، وفقا للسناتور كريستوفر كونز، رئيس اللجنة الفرعية المختصة بالشؤون الأفريقية بمجلس الشيوخ الأمريكي. أوضحت صحيفة "نيويورك تايمز" ذلك الخطر تفصيلا، حيث ذكرت أن "التنظيم التابع للقاعدة في شمال أفريقيا يقيم معسكرات تدريب للإرهابيين في شمالي مالي ويزود منظمة اسلامية مسلحة في شمال نيجريا بالأسلحة والمتفجرات والأموال". لكن امتداد العنف الليبي لم يتوقف عند ذلك الحد، بل امتد أيضا إلي تحفيز صراع عرقي مميت في بوركينا فاسو وتعزيز نمو الإسلام المتشدد في النيجر. ومن أجل احتواء ذلك التهديد، اضطرت فرنسا  مطلع عام 2013 إلي نشر آلاف الجنود في مالي، يستمر بعضهم في قتال الجهاديين في شمالي البلاد.

تفاقمت مشكلة الإرهاب مع تسرب أسلحة حساسة من ترسانة القذافي إلي يد الإسلاميين المتشددين في أنحاء شمال أفريقيا والشرق الأوسط. حيث يقدر بيتر بوكيرت، مبعوث منظمة "هيومن رايتس واتش"، أن كمية الأسلحة التي فُقدت في ليبيا تقدر بعشر أضعاف الأسلحة التي فُقدت في الصومال، أفغانستان، والعراق. وربما ما يمثل أكبر مصدر للقلق هو أنظمة الدفاع الجوي المحمولة على الكتف ، والتي يسهل استخدامها لإسقاط كُلا من الطائرات المدنية والعسكرية. وصرح مسؤول بالخارجية الأمريكية لصحيفة "واشنطن بوست" أن عدد المفقود من تلك الصواريخ يصل إلي 15 ألف صاروخ حتى فبراير 2012، وأدت جهود لإعادة شرائها تقدر ب40 مليون دولار لتأمين 5 آلاف منها فقط. وأضافت الصحيفة أن المئات من تلك الصواريخ مازالت مفقودة، من ضمنها في النيجر، حيث حصلت جماعة بوكو حرام الإسلامية المتشددة على بعضها عبر حدود شمال نيجريا. وعُثر على عدة عشرات من تلك الصواريخ في الجزائر ومصر.

مرت تلك الصواريخ بمصر ووصلت إلى قطاع غزة. في أكتوبر 2012 أطلق مسلحون في غزة أحد تلك الصواريخ للمرة الأولي ولكنها بالكاد أخطأت إصابة مروحية عسكرية إسرائيلية، وصرح مسؤولون إسرائيليون بأن تلك الأسلحة وصلت إلي قطاع غزة من ليبيا. كذلك استخدم الإسلاميون في مصر صواريخ أخري مشابهة في مطلع 2014 لإسقاط مروحية عسكرية. كما ظهرت تلك الصواريخ الليبية، بالإضافة إلي الألغام البحرية في أسواق السلاح بغرب أفريقيا، حيث جلبها تجار الأسلحة الصوماليون خصيصا للمتمردين الإسلاميين والقراصنة في شمال شرق أفريقيا.

النتيجة العكسية على النطاق الأوسع

أعاقت الولايات المتحدة عبر الإطاحة بالقذافي أهدافها الخاصة بمنع انتشار الأسلحة النووية. في عام 2003، أوقف القذافي طوعا برامجه النووية والكيميائية وسلم ترساناته للولايات المتحدة، فكانت مكافأته بعد ثمان سنوات هي الإطاحة به تحت قيادة الولايات المتحدة، وقتله بلا رحمة في النهاية. أدت تلك التجربة بشكل كبير إلي تعقيد مهمة إقناع الدول الأخرى بالتخلي عن برامجها النووية أو التراجع عنها. فبعد وقت قليل من بِدء الحملة الجوي، أصدرت كوريا الشمالية بيانا عن مسؤول مجهول الهوية بوزارة الخارجية يقول أن "الأزمة الليبية تقدم درسا خطيرا للمجتمع الدولي" وأن كوريا الشمالية لن تنصاع لنفس "التكتيك الأمريكي الهادف لنزع سلاح البلاد". كذلك أشار المرشد الأعلى الإيراني، آية الله علي خامنئي، إلى أن القذافي قد "جمع منشآته النووية وضعها في سفن، وأرسلها إلي الغرب". وعلق الصحفي الإيراني المطلع، عباس عبدي، قائلا: "عندما واجه القذافي انتفاضة، تخلى عنه جيمع القادة الغربيون. وبناء على ذلك، يرى قادتنا أن تلك المساومة ليست مجدية".

ربما يكون التدخل في ليبيا قد أجج العنف في سوريا أيضا. ففي مارس 2011، كانت الثورة السورية لا تزال غير عنيفة إلي حد كبير، وكان رد حكومة الأسد، رغم إجراميته، لايزال مقيدًا نسبيا، حيث كان يحصد أرواح أقل من 100 سوري أسبوعيا. إلا أنه بعد أن جعل الناتو المتمردين الليبيين لهم اليد العليا اتجه ثوار سوريا إلى العنف في صيف 2011، ربما متوقعين تدخلا مشابها. فقد صرح أحد المتمردين السوريين لصحيفة "واشنطن بوست" في وقتها أن: "الوضع أشبه ببنغازي"، مضيفا: "نحن في حاجة لمنطقة حظر جوي". وكانت النتيجة تصعيد حاد للنزاع السوري، خلف 1500 قتيل اسبوعيا على الأقل، أي زيادة بمقدار 15 ضعف.

كذلك أعاق تدخل الناتو في ليبيا جهود تحقيق السلام في سوريا بسبب الاستعداء الشديد لروسيا. فقد أعلن مجلس الأمن موافقته على إنشاء منطقة حظر جوي في ليبيا وإجراءات أخرى لحماية المدنيين، بموافقة موسكو، لكنه تجاوز ذلك التفويض كثيرا بالسعي لتغيير النظام. فقد استهدف الحلف قوات القذافي لمدة سبعة أشهر، حتى مع انسحابهم وانقضاء خطرهم على المدنيين، بل وعلى المتمردين المسلحين والمدربين الذين رفضوا محادثات السلام. وقد أبدى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين اعتراضه على "انتهاك قوات الناتو الصريح لقرار مجلس الأمن بشأن ليبيا، حيث قصفت قوات النظام الليبي بدلا من إنشاء منطقة الحظر الجوي المزعومة". وأوضح وزير خارجيته، سيرجي لافروف، أنه نتيجة لذلك التجاوز "لن تسمح روسيا أبدا لمجلس الأمن بالموافقة على عمل مشابه في سوريا".

زعم مناصرو التدخل في ليبيا سابقا، أثناء الربيع العربي تحديدا، أن ذلك المسار سوف يحافظ على زخم الثورات السلمية نسبيا في تونس ومصر. ولكن في الواقع، فشلت عملية الناتو في نشر الثورات السلمية، بل شجعت على عسكرة الثورة السورية وأعاقت إمكانية تدخل الأمم المتحدة هناك. أما بالنسبة لسوريا وجيرانها فقد كانت العاقبة هي التفاقم المأسوي لثلاثة مسارات: المعاناة الإنسانية، الطائفية، والإسلام المتشدد.

المسار الذي تجنبناه

رغم الاضطراب العنيف الذي سببه التدخل، إلا أن بعض داعميه – الغير نادمين– يزعمون أن ترك القذافي في السلطة كان سيجعل الوضع أسوء. ولكن القذافي لم يكن مستقبل ليبيا بأي حال، فبعمر 69 عاما وبصحة معتلة، كان يمهد الطريق لانتقال الحكم لابنه سيف، والذي ظل يعد أجندة إصلاح لعدة سنوات. وقد أعلن سيف عام 2010 أنه "لن يقبل أي منصب دون دستور جديد، قوانين جديدة، وإنتخابات نزيهة"، وأنه "يجب أن يتوافر الحق للجميع لشغل المناصب العامة، ولا يجب أن تُحتكر السلطة". كذلك أقنع سيف والده بوجوب اعتراف النظام بجرمه في إحدى المذابح في سجن عام 1996 ودفع تعويضات لعائلات مئات الضحايا. بالإضافة إلي ذلك، نشر سيف عام 2008 شهادة سجناء سابقين زعموا تعرضهم للتعذيب على يد اللجان الثورية – وهم حراس النظام الشرسين والغير رسميين– والذين طالب سيف بنزع سلاحهم.

بين عامي 2009 و2010، حث سيف والده على إطلاق سراح جميع المسجونين السياسيين في ليبيا تقريبا، مع تدشين برنامج لمكافحة التطرف للإسلاميين أشاد به متخصصون غربيون كنموذج. كما دعم إلغاء وزارة الإعلام الليبية لصالح الإعلام الخاص. بل إنه جلب علماء أمريكيين مشهوريين – ومنهم فرانسيس فوكوياما، روبرت بوتنام، وكاس سنشتاين– لتقديم محاضرات حول المجتمع المدني والديمقراطية. وربما كان أوضح دليل على شخصية سيف الإصلاحية أنه في 2011، اتضح أن أكبر القادة السياسيين للثورة كانوا مسؤولين جلبهم سيف إلي الحكومة سابقا. ومثال على ذلك، محمود جبريل، رئيس وزراء المجلس الإنتقالي الوطني التابع للمتمردين أثناء الحرب، قد ترأس مجلس التنمية الاقتصادية الوطنية الخاص بسيف. وكذلك مصطفى عبد الجليل، رئيس المجلس الإنتقالي الوطني، اختير من قبل سيف عام 2007 لتعزيز الإصلاح القضائي كوزير للعدل، وكانت تلك هي مهمته حتى انشق عن النظام ليدعم المتمردين.

بالتأكيد من المستحيل معرفة إن كان سيف قد أثبت استعداده أو قدرته على تحويل ليبيا. فقد واجه معارضة بفعل المصالح الراسخة للنظام، مثل التي واجهها والده نفسه عندما حاول إجراء إصلاحات. ففي عام 2010، أغلق المتعصبون للنظام المنصات الإعلامية التي يملكها سيف بشكل مؤقت لأن إحدي الصحف التي يمكلها نشرت مقال رأي ينتقد الحكومة. إلا أنه وبحلول أواخر 2010، أقال القذافي الأب ابنه الأكثر تعصبا معتصم، وهي خطوة بدت كإفساح للطريق أمام سيف وأجندته الإصلاحية. ورغم أن سيف لم يكن ليحول ليبيا إلي ديمقراطية عالم أول بين ليلة وضحاها، إلا أنه بدا عازما على إنهاء مظاهر عدم الكفاءة وعدم المساواة التي صنعها نظام والده.

حتى بعد بدء الحرب، أظهر مراقبون بازون ثقتهم في سيف. ففي مقال رأي بصحيفة "نيويورك تايمز" علق كيرت ويلدون، وهو عضو كونجرس جمهوري سابق، بأن سيف "يمكنه أن يلعب دورا بناءً كعضو في لجنة لاستحداث هيكل حكومي ودستور جديد". لكن بدلا من ذلك، سجنت الميليشيات المدعومة من الناتو ابن القذافي. ففي مقابلة من سجنه في أكتوبر 2014 مع الصحفي فرانكلين لامب، أعرب سيف عن ندمه قائلا: "كنا بصدد إجراء إصلاحات موسعة، وحملني والدي مسؤولية الإشراف على تلك الإصلاحات. ولكن للأسف حدثت الثورة، وارتكب الطرفين اخطاءً سمحت للتنظيمات الإسلامية المتطرفة مثل داعش باستغلال الموقف وتحويل ليبيا إلي كيان شديد التطرف".

ماذا تُعلمنا ليبيا؟

أقر أوباما أيضا بندمه بشأن ليبيا، ولكن لسوء الحظ توصل إلي النتيجة الخطأ. فقد صرح أوباما للصحفي توماس فريدمان في صحيفة "نيويورك تايمز" في أغسطس 2014 قائلا: "أظن أننا قللنا من الحاجة لاستخدام القوة الكاملة"، وأضاف: "اذا كنت ستفعل ذلك، يجب أن تتوافر جهود أكثر حدة لإعادة بناء المجتمعات".

ولكن ذلك هو الطرح الخاطئ بعينه. فلم يكن الخطأ في ليبيا هو نقص جهود ما بعد التدخل، ولكنه كان قرار التدخل من البداية. ففي الحالات المشابهة لليبيا، عندما تواجه الحكومة تمردًا، فإن التدخل العسكري يؤدي على الأرجح إلي نتيجة عكسية عبر تعزيز العنف، فشل الدولة، والإرهاب. كذلك تخلق امكانية التدخل حافزا سلبيا لدى المسلحين لإثارة رد الفعل العنيف للحكومة ثم استجداء التعاطف والتحذير من مذبحة لجذب المساعدة الخارجية، وهو الخطر المعنوي للتدخل الإنساني.

الدرس الحقيقي من ليبيا هو أنه عندما تستهدف دولة المتمردين على نطاق ضيق، يحتاج المجتمع الدولي للامتناع عن بدء حملة عسكرية بدواعي انسانية لتقديم الدعم للمسلحين. كذلك يجب على الجماهير الغربية أن تكون حذرة من المتمردين المنتقدين الذين لا يبالغون في وصف عنف الدولة فقط، بل ويبالغون في وصف دعمهم الشعبي أيضا. حتي عندما يكون النظام معيبا، كحال نظام القذافي، فإن الاحتمالات ترجح أن التدخل سوف يغذي حربا أهلية فقط، حيث سيزعزع استقرار الدولة، ويعرض المدنيين للخطر، ويمهد الطريق للمتطرفين. أما المسار الحكيم فهو دعم الإصلاحات السلمية من النوع الذي كان يسعى ابن القذافي لتطبيقه.

يجب الاحتفاظ بخيار التدخل لدواعي إنسانية لحالات نادرة يتعرض فيها المدنيين للاستهداف بشكل مباشر، والتي سيحقق فيها العمل العسكري نفعا أكثر من الضرر، مثل رواندا عام 1994، حيث قدرت أنه كان يمكن لعملية تنفذ في الوقت المناسب أن تنقذ أرواح أكثر من 100 ألف شخص. وبالتأكيد قد ترغب القوى العظمي أحيانا في استخدام القوة مع بعض الأنظمة لأسباب أخري، مثل مواجهة الإرهاب، تجنب انتشار الأسلحة النووية، أو الإطاحة بمستبد ضار. ولكن يجب ألا تدعي تلك القوى أن الحرب الناتجة كانت لدواعي إنسانية، أو أن تتفاجأ عندما تحصد أرواح الكثير من المدنيين الأبرياء.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب