هل اجتاح تنظيم داعش أفغانستان؟

مقال رأي

كان التوسع الجغرافي المتنامي لداعش جزءا من جلبة الأخبار في الصحف النصفية والمرموقة على حدٍ سواء.

نعلم أن تنظيم داعش حاول إيصال دعايته إلي باكستان وأفغانستان منذ أواخر العام 2014، وأعلن قيادته لتلك المنطقة منذ مطلع يناير، بعد أن أعلن بعض أعضاء حركة طالبان ولائهم للتنظيم. أحد القادة الأفغان التابعين لداعش – والذي ظهر في مقطع فيديو دعائي موجه لتلك المنطقة – قُتل في أواخر يناير، وهناك مزاعم حول القبض على قيادي آخر على يد حركة طالبان الأفغانية.

إلا أن شرطة إقليم غزنة الأفغاني، حيث ذكرت التقارير أن داعش تقاتل، قد أنكرت مؤخرا وجود التنظيم هناك.

رغم ذلك فإن العديد من المسؤولين الحكوميين الأفغان، المحللين الأفغان المقربين من الحكومة، وبعض نشطاء المجتمع المدني الذين تحدثت معهم العام الماضي اتفقوا على أن تنظيم داعش ينشط في أفغانستان. ولكن نظرائهم في باكستان يبدون أقل قلقا، حتى وإن كانت الصلة بين طالبان الباكستانية وداعش تبدو ظاهريا أقوي.

إلا أن العديدين يظلوا متشككين، فقد التزم الموقع الرسمي لطالبان الصمت بذلك الشأن بشكلٍ مثير للشكوك. وكان وزير الخارجية الاسترالي حذرا في الاعتراف بوجود داعش في أفغانستان (ربما بسبب وجود أدلة مماثلة على تواجد داعش في استراليا، في ضوء حادثة "حصار سيدني" والقبض على شخصين قبل قيامهم بهجمات)، لكن الحكومة الاسترالية تستمر في التحذير من توسيع داعش لعملياتها في أفغانستان في المستقبل.

ولكن السؤال هو، لماذا نكلف أنفسنا بالبحث عن تواجد داعش في أفغانستان من الأساس؟ فأفغانستان بها ما يكفي من المشكلات بالفعل، كما أنها كان بها "دولة إسلامية" لفترة أطول كثيرا من سوريا أو العراق. فبعد كل شيء، تستخدم طالبان مصطلح "الإمارة الإسلامية"، بعد أن ادعت طويلا شعار "الدولة الإسلامية". بل قد يمثل تسمية التنظيم لنفسه "الدولة الإسلامية في العراق والشام" اعترافا ضمنيا بأن ذلك الطموح متأسس بالفعل في أفغانستان.

ورغم أوجه التشابه الكثيرة بين داعش وطالبان، مثل تركيزهما على غزو المزيد من الأراضي والابقاء على جيش وهيكل الحكم (جميعها سمات دول وليس تنظيمات)، إلا أنهما ليسا متطابقين تماما.

لا تزال طالبان الأفغانية تستمد معظم عناصرها من هيكل البشتون القبائلي، لكن أيضا يعرف عنها تعاونها مع عدة جماعات عرقية وإرهابية أخرى مثل الحركة الإسلامية في أوزباكستان. وكانت هناك إشارات إلي مدربين ومستشارين عرب في أفغانستان، ولكن بشكل عام لم يحبهم الأفغان. كما أن السنة المسلمين في أفغانستان كانوا أغلبية (وليسوا ضحية اضطهاد كما الوضع في العراق) وامتازت معظم المشكلات الطائفية بالطبيعة العرقية، مع وجود أقلية "الهزارة" الشيعية.

وبدلا من البحث عن داعش، تقلقني مشكلات أفغانستان الأخرى بشكل أكبر، والتي توفر مساحة واسعة لتشكيل المزيد من التنظيمات المتطرفة والإجرامية، ويجب علاجها من قِبل كلٍ من الحكومة الأفغانية والمجتمع الدولي.

حركة طالبان الأفغانية تفقد السيطرة والتحكم، وشهد نظام التمويل الذاتي الخاص بها تحولا من نظام تمرد مسلح إلي جماعة إجرامية. حيث يشير تقرير صدر مؤخرا عن الأمم المتحدة إلي أن طالبان تمثل "أبا روحيا" أكثر منها "حكومة مستقبلية"، وهو الشيء الذي أشارت له المؤلفة جريتشن بيترسن عام 2009. أنكرت قيادة حركة طالبان طويلا التفكك وأكدت على سيطرتها وقيادتها الصلبة. إلا أن الأمر مختلف على الأرض، فالعديد من الأفغان مستاءون من حقيقة أن بعض مقاتلي الحركة لم يعودوا ملتزمين بتعاليم قيادة الحركة.

يعلمنا ذلك درسا في مكافحة الإرهاب وحلا لمشكلة داعش. حيث يمكن ربط الكثير مما أصبحت عليه طالبان اليوم بسياسة  "القتل والأسر" التي تبنتها العسكرية الأمريكية، والتي أدت ليس فقط إلي نفور السكان المحليين بل والقضاء على الكثير من القيادات الوسطى الذين يعهدون بالولاء للنظام العقائدي والقيادي القديم لطالبان. مدفوعة إلى إعادة ملء صفوفها بشكل مستمر، أصبح مقاتلوا طالبان والقادة أصغر سنا، مع اقتصار معرفة بعضهم على الفهم البدائي الأساسي لقواعد الإسلام وطالبان. (مثل "قواعد السلوك" التي يضعها التنظيم).

لذا أدت سياسة مكافحة الإرهاب المصممة لهزيمة طالبان - والتي عادت بهدوء مؤخرا - إلى تحولها للوحش المختلف الذي نواجهه الآن، والذي أصبح من المستبعد بشدة أن يعاد دمجه في الحكومة الأفغانية. يجب أن يدفعنا ذلك إلى التوقف قليلا والتفكير اذا لم يسفر هذا النهج عن مكافحة الارهاب في أماكن أخرى عن نتائج عكسية.

هناك وسيلة أخري لفهم جاذبية الجماعات المشابهة لطالبان وداعش، وهي إدراك ما سوف أسميه البيئة المواتية التي تولد الإرهاب. فبالإضافة إلي ارتفاع نسب الفقر والبطالة في أفغانستان، أدت المهور المرتفعة إلى تأخر الزواج وبحث الشباب عن عمل خارج أفغانستان، أو حتى المشاركة في الجريمة أو الجهاد حتى يستطيعوا تحمل تكاليف الزواج. ولأن ذلك يدعو إلى الإحباط الشديد، حاولت طالبان أن تخفض المهور في المناطق الخاضعة لسيطرتها. لكن حل داعش لتلك المشكلة كان أكثر "إبداعا"، فإما أن يتم تشجيع الشابات على التطوع للزواج من المحاربين، أو أن يعاقبن بالاغتصاب، العبودية والزواج القسري. وقد أُهمل تحليل أهمية ذلك "الإخضاع الجنسي" أو "الإشباع البدائي" الذي ينتهجه تنظيم داعش – والذي يمثل عامل جذب للكثير من الشباب المكافح لإثبات ذاته في المجتمعات الأكثر حداثة – في محاولات فهم الجاذبية العالمية للتنظيم.

ما يقدمه تنظيم داعش هو تحديدا ما يبحث عنه الشباب المهمش حول العالم ومن ضمنه أفغانستان، وهو: المغامرة، العنف، الجنس، وتحقيق الذات، والمجتمع.

إن حللنا جاذبية الجماعات المتطرفة من ذلك المنظور، سيغير المجتمع الدولي مزاعمه بأن "كل شئ على ما يرام في أفغانسان" وسيكفل استراتيجية تنمية أطول أمدا. كذلك تحتاج الحكومة الأفغانية إلى المزيد من الجدية بشأن أجندتها للإصلاح ومواجهة الفساد داخل صفوفها. وهي مهمة صعبة، وربما يكون ذلك سبب لماذا يتمسك الكثيرين بوعد "مكافحة الإرهاب" الأكثر وضوحا، والذي في رأيي يغذي التنظيمات المشابهة لداعش وطالبان أكثر مما يقضي عليها.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب