هل هناك استراتيجية أمريكية بخصوص أفريقيا؟

مقال رأي

 

في استراتيجية الأمن القومي الصادرة حديثا في 6 فبراير، يؤكد الرئيس أوباما: "اليوم، الولايات المتحدة أقوى وأقدر على اغتنام الفرص في هذا القرن الجديد، وعلى حماية مصالحنا ضد مخاطر هذا العالم غير الآمن". ومع ذلك، عندما نتناول أفريقيا على وجه التحديد، التي وصفها الرئيس نفسه في وثيقة استراتيجية سابقة بأنها "أكثر أهمية من أي وقت مضى بالنسبة لأمن وازدهار المجتمع الدولي بشكل عام، والولايات المتحدة على وجه الخصوص"، فهو يكتفي بقول: "إننا نعمل على تعميق استثمارنا في أفريقيا، وتسريع الحصول على الطاقة، والصحة، والأمن الغذائي في تلك المنطقة الصاعدة من العالم."

في الواقع، فيما يتعلق بالمحتوى الذي يتناول أفريقيا، لا تكرس وثيقة الاستراتيجية برمتها سوى ثلاث فقرات فقط لمنطقة جنوب الصحراء في أفريقيا (إلى جانب ذكر شمال أفريقيا مرات قليلة في القسم المعنون "السعي إلى تحقيق الاستقرار والسلام في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا"):

افريقيا آخذة في الازدهار. تحقق العديد من الدول في أفريقيا تقدما مطردا في تنمية اقتصاداتها، تحسين الحكم الديمقراطي وسيادة القانون، ودعم حقوق الإنسان والحريات الأساسية. يغير ازدياد رقعة المدن ونسبة السكان الشباب من التركيبة السكانية في المنطقة، وشيئا فشيئا، تصبح أصوات الشباب مسموعة. لكن لا تزال هناك العديد من البلدان الانتقال إلى الديمقراطية بها غير متكافئ وبطيء مع تمسك بعض القادة بالسلطة. الفساد متوطن وأنظمة الصحة العامة متهاوية في العديد من الأماكن. وتواجه الكثير من الحكومات توسع المجتمع المدني والصحافة الحرة بسن قوانين واعتماد سياسات تضعف هذا التقدم. إن الصراعات الجارية في السودان، وجنوب السودان، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، وجمهورية أفريقيا الوسطى، فضلا عن المتطرفين العنيفين الذين يحاربون الحكومات في الصومال ونيجيريا، وعبر منطقة الساحل، كلها تشكل تهديدًا للمدنيين الأبرياء، والاستقرار الإقليمي، وأمننا الوطني.

على مدى عقود، كان الوجود الأمريكي في أفريقيا يتمثل في المساعدات لمساعدة الأفارقة على الحد من انعدام الأمن والمجاعة والمرض. في المقابل، فإن الشراكات التي نعقدها اليوم، والتي سوف تتوسع في السنوات القادمة، تهدف للبناء على تطلعات الأفارقة. من خلال مبادرة إمداد افريقيا بالطاقة، فإننا نهدف إلى وصول مزدوج إلى الطاقة في أفريقيا جنوب الصحراء. سنزيد العلاقات التجارية والاستثمار ونحقق النمو القائم على التصدير من خلال مبادرات مثل مبادرة تجارة أفريقيا و قانون النمو والفرص في أفريقيا (أغوا). وسنستمر في دعم الشركات الأمريكية لتعميق الاستثمار في ما يمكن أن يكون المركز الرئيسي للنمو العالمي في المستقبل القريب، بما في ذلك حملة ممارسة أنشطة الأعمال في أفريقيا. وعلاوة على ذلك، فإننا نستثمر في قادة الغد ورجال الأعمال الشباب والمبدعين والقادة المدنيين، والموظفين العموميين الذين سيشكلون مستقبل القارة. إننا نعزز المؤسسات المدنية والعسكرية من خلال مبادرة الحكم الأمن الخاصة بنا، والعمل من أجل النهوض بحقوق الإنسان والقضاء على الفساد. كما أننا نعمل على تعميق شراكاتنا الأمنية مع البلدان والمؤسسات الأفريقية، على شاكلة شراكاتنا مع الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي في مالي والصومال. سوف تساعد مثل هذه الجهود على حل النزاعات، وتعزيز قدرة حفظ السلام الأفريقية، ومواجهة التهديدات الأمنية العابرة للحدود الوطنية مع احترام حقوق الإنسان وسيادة القانون.

ستستمر استثماراتنا في مجال التغذية والقدرة الزراعية، مقللةً من الجوع من خلال مبادرات مثل التغذية من أجل لمستقبل. وسنستمر في العمل مع شركائنا للحد من الوفيات الناجمة عن فيروس الإيبولا، وفيروس نقص المناعة المكتسبة/ الإيدز، والملاريا، والسل في جميع أنحاء أفريقيا من خلال مبادرات مثل خطة الرئيس الطارئة للإغاثة من الإيدز وبرنامج الأمن الصحي العالمي. كان وباء الايبولا في عام 2014 بمثابة تذكير صارخ للتهديد الذي تشكله الأمراض المعدية وضرورة العمل الجماعي العالمي لمواجهته. وقد أثبتت القيادة الأمريكية أهميتها في جلب المجتمع الدولي لاحتواء الأزمات الأخيرة بجانب بناء القدرات في مجال الصحة العامة لمنع الأزمات المستقبلية.

هناك أيضا مرات قليلة ذُكرت فيها أفريقيا في أماكن أخرى في الوثيقة. أعلنت الإدارة أنه في حين أن الولايات المتحدة "تعيد التوازن باتجاه آسيا والمحيط الهادئ"، فإنها أيضا "تبحث عن فرص جديدة للشراكة والاستثمار في أفريقيا والأمريكتين، حيث قمنا بتحفيز استثمارات في مجال الزراعة والطاقة أكبر من أي وقت مضى". وبينما تعد الوثيقة بالوفاء بالالتزامات المالية للأمم المتحدة ودعم المنظمات الإقليمية كجزء من تأسيسها لتعريف أوسع للأمن القومي لتبني المؤسسات، فهي تعهد أيضا "بتعزيز القدرة التشغيلية للمنظمات الإقليمية مثل الاتحاد الأفريقي، وتوسيع مصاف الدول القادرة على المساهمة بقوات، بما في ذلك ما يتم من خلال شراكة الاستجابة السريعة لعمليات حفظ السلام الأفريقية، والتي سوف تساعد البلدان الأفريقية في النشر السريع للقوات في حال الأزمات الناشئة. هناك أيضا وعود "للشراكة مع أصحاب المشاريع الأفريقية لإطلاق مشاريع طاقة نظيفة ومساعدة المزارعين على ممارسة الزراعة الذكية مناخيًا وزراعة محاصيل أكثر دوامًا." كما تشير الوثيقة أيضا إلى ضرورة "توسيع وتعزيز أدوات مثل قانون النمو والفرص في أفريقيا (أغوا)"، والذي تنتهي صلاحيته خلال أقل من ثمانية أشهر مالم يصوت الكونجرس لتمديده ويوقع الرئيس على التشريع، فضلا عن مبادرة شباب القادة الأفارقة. كما جرت مناقشة نمو أفريقيا الاقتصادي المزدهر أيضا: "تشير اتجاهات النمو الاقتصادي أيضا لما هو ممكن؛ وبلغ متوسط معدل النمو السنوي الإجمالي جنوب الصحراء أكثر من 5 بالمائة خلال العقد الماضي على الرغم من اضطرابات الأزمة المالية العالمية".

رغم أن كل هذا جيد - في الواقع، ليس هناك الكثير في هذه القائمة يمكن أن يختلف الأفارقة معه- إلا أن هناك العديد من الأشياء التي ستحير كل منتقدي الادارة الأمريكية، بل والكثير من مؤيديها.

أولًا، إن العنصر الاستراتيجي الخاص بأفريقيا غائب في هذه الوثيقة التي من المفترض أن تكون "استراتيجية الأمن القومي". يوجد سلسلة من التأكيدات الواقعية والاستنتاجات التحليلية، إلى جانب وجود فهرس للبرامج والمبادرات، والتي كان بعضها قد أُعلن في قمة قادة الولايات المتحدة وأفريقيا التاريخية في أغسطس الماضي، أكبر تجمع لرؤساء الدول الافريقية والحكومة يعقد برعاية رئيس أمريكي. أما ما ليس موجودًا هو أي شيء يقترب من صياغة لما قد تكون عليه مصالح أمريكا الوطنية في أفريقيا (وتحديد الأولويات بين تلك المصالح)، ناهيك عن كيفية الاستعانة بالسلطة السياسية والاقتصادية والثقافية في البلاد، إلى جانب القوات العسكرية وهيئات الاستخبارات، لتأمين تلك الأهداف.

ثانيًا، تقر الوثيقة العديد من التحديات الأمنية التي توجد في أفريقيا، بما في ذلك نمو وانتشار الجماعات الاسلامية المتشددة في أنحاء أفريقيا (على الرغم من أن مصطلح "الإسلاميين" لم يظهر أبدا في النص)، والتفكك المستمر الذي تشهده ليبيا، وأعمال العنف الوحشية المتزايدة في نيجيريا وعدم الاستقرار في جمهورية الكونجو الديمقراطية، ونمو الجريمة المنظمة والاتجار بالمخدرات - كل هذه مصادر قلق رئيسية، ليس فقط بالنسبة للبلدان المتضررة بشكل مباشر، ولكن أيضا بالنسبة للولايات المتحدة وشركائها الأوروبيين. ومع ذلك، إن وجود القيادة العسكرية الأمريكية في أفريقيا (أفريكوم)، وهي قيادة القتال الجغرافية المسؤولة عن تنفيذ أي عمليات عسكرية ضرورية، سواء بمساعدة الشركاء الأفارقة أو اتخاذ إجراءات مباشرة، لم تتوفر لها أبدا موارد كافية لتنفيذ المهمة العادية المسندة إليها، ناهيك عن التحديات غير العادية التي نشأت في السنوات الأخيرة. ولم تجرى معالجة السؤال عما إذا كان لديها المال الكافي للقيام بمهمتها، حتى في الحالات المحدودة التي ستحدد فيها الإدارة أن "مصالحنا الدائمة تتطلب ذلك".

ثالثًا، في حين يتم تشجيع القطاع الخاص على تعميق الاستثمار - في الواقع، فإن العديد من مبادرات إدارة أوباما في أفريقيا، بما في ذلك مباردة إمداد أفريقيا بالطاقة، هي حقا شراكات بين القطاعين العام والخاص– فإن الوثيقة الاستراتيجية لا تقدم الكثير من التفاصيل حول الحوافز والتسهيلات التي يجب أن تكون متاحة للشركات الأمريكية حتى حتى تقوم بدورها في تحقيق أهداف الاستراتيجية الوطنية فيما يتعلق بأفريقيا.

تستحق الإدارة الثناء لجهودها على مدى السنوات القليلة الماضية لتحويل الخطاب في أفريقيا نحو زيادة التركيز على الفرص في القارة. ومع ذلك، إذا رغِبنا في الحفاظ على هذا الزخم، فقد حان الوقت لتجاوز التشجيع إلى العمل الجاد لوضع الاستراتيجيات الواقعية.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب