هل يصبح تنظيم القاعدة من الماضي؟

مقال رأي

 

 

إذا شبهنا تنظيم القاعدة بإحدى الشركات اليوم، فإنه سيعادل تقريبا مايكروسوفت: اسم كبير ولكنه علامة تجارية تصارع الشيخوخة، ومن اللافت للنظر إنها قد فقدت اتصالها مع الفئة العمرية من 18 إلى 35 عاما. وصل التنظيم مرة أخرى إلى عناوين الصحف في يناير الماضي، بعد أن قامت الجماعة التابعة له- تنظيم القاعدة في جزيرة العرب AQAP– بإعلان مسئوليتها عن الهجوم المميت على مكاتب المجلة الفرنسية شارلي إيبدو في باريس. ولكن إعلان المسؤولية جاء بعد أسبوع من وقوع الهجوم، وافتقر إلى تفسيرات الملابسات أو لقطات الفيديو التي عادة ما تصاحب مثل هذه الإعلانات، مما حدا بالبعض إلى استنتاج أن تنظيم القاعدة ربما لم يكن على علم بنوايا المهاجمين.

ببساطة، إن موضع تنظيم القاعدة البارز المعتاد في التسلسل الهرمي الجهادي، في طريقه إلى الزوال منذ فترة طويلة، ومازال ينزلق أكثر فأكثر. أما المسؤولون الأميركيون فهم يركزون بشكل متزايد على الدولة الإسلامية، أو داعش، التي تواصل تقديم الانتصارات المستمرة في ساحة المعركة إلى جانب عمليات قطع الرؤوس الوحشية. إلا أن  تنظيم القاعدة لديه طريق واضح ليعود إلى النزاع: وهي عملية مثيرة تتبع هجوم شارلي إيبدو. ومع حاجة الجماعة الهائلة لتحقيق انتصار، فسيكون من الخطأ أن تعتبرها واشنطن خارج اللعبة.

 

مفتاح التحكم

 

بدأ الفصل الأخير لتنظيم القاعدة مع وفاة أسامة بن لادن في مايو 2011. بعد ذلك بوقت قصير، وجد أيمن الظواهري - خليفة بن لادن في زعامة تنظيم القاعدة العالمي- نفسه يواجه معوقات عديدة. جهود كبيرة لمكافحة الإرهاب تقودها الولايات المتحدة، مدعومة بحملة طائرات بدون طيار قاتلة، مما أجبر كبار قادة تنظيم القاعدة على الاختباء، مما حد بالتالي من قدرة الظواهري على التواصل مع الجماعات التابعة للتنظيم. وحيث أن مقر القاعدة في باكستان وليس في العراق، فقد الظواهري وكبار قادته الاتصال بالعديد من المقاتلين في العراق. ومع موت بن لادن، أصبحتالموارد أكثر ندرة. أما الجماعات التابعة لتنظيم القاعدة- والتي قد أصبحت تتلقى الآن توجيها أقل وموارد أقل من تنظيم القاعدة المركزي- أخذت مستوى آخر من الاستقلال. وبعد نحو أربع سنوات، أصبح تنظيم القاعدة بالأساس عبارة عن مجموعة من الجماعات التابعة الصغيرة نسبيا، وإن كان لا تزال قادرة.

ظلت القاعدة في جزيرة العرب، تحت قيادة ناصر الوحيشي، موالية للظواهري بعد مقتل بن لادن. ولكن عندما أصبح الظواهري والقيادة العليا لتنظيم القاعدة تحت حصار الطائرات بدون طيار في باكستان، أصبحت القاعدة في جزيرة العرب هي مركز تنظيم القاعدة بشكل فعلي. وكانت القاعدة في جزيرة العرب على شفا تنفيذ ثلاث عمليات ضد أهداف غربية، في أعوام 2009، 2010، و2011. وأصبحت الجماعة التابعة الأولى التي تبني قوات متمردين خاصة بها ، أنصار الشريعة، التي تهدف إلى إقامة إمارة إسلامية في اليمن.

في غياب الظواهري، بدأت فروع أخرى في التوجه إلى القاعدة في جزيرة العرب للاسترشاد بها. وكان من بينها تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، الذي حاول بشكل منفصل إقامة إمارة إسلامية في شمال أفريقيا. وبحلول ربيع عام 2012، أرسلت القاعدة في جزيرة العرب إلى قادة الجماعة رسالتين تعليميتين، واحدة في مايو وآخرى في أغسطس، تشمل كلا من التكتيكات والاستراتيجية.

عززت القاعدة في جزيرة العرب دورها بشكل أفضل من خلال إنشاء جماعة تابعة خاصة بها، وهي حركة الشباب في الصومال. وقد أكد الظواهري عضوية حركة الشباب في تنظيم القاعدة في فبراير 2012، ولكن الدلائل تشير إلى أن الجماعة لديها تفاعل قليل مع تنظيم القاعدة المركزي. وقد أشار عمر الهمامي، وهو عضو أمريكي في الجماعة، في سيرته الذاتية ان اتصالات تنظيم القاعدة بحركة الشباب جاءت من اليمن بدلًا من باكستان. وحتى قائد حركة الشباب رفيع المستوى، الشيخ على محمود راجي، بدا مرتبكا، عندنا أعلن ذات مرة أن الجماعة كانت ستنضم للقاعدة في جزيرة العرب.

أما تنظيم القاعدة المركزي فقد واصل مواجهة المصاعب في ذات الوقت. في باكستان، أبقى برنامج الطائرات دون طيار الأمريكية الظواهري مكبلا، وأدى إلى نزوح جماعي لكبار مساعديه إلى مصر وليبيا وسوريا بحثًا عن ملاذ وفرص جديدة. وعلى الرغم من الإطاحة بنظام الإخوان المسلمين المنتخب ديمقراطيا في مصر - بحسب رواية تنظيم القاعدة- فقد فشل التنظيم في كسب قوة دافعة هناك. تعطلت ما يسمى بخلية نصر (المقصود خلية مدينة نصر - المترجم)، التي خططت لعدة هجمات في البلاد، في عام 2013، وعانى عناصرها في سيناء خسائر على يد الجيش المصري وتسرب الأتباع للانضمام إلى داعش.

اليوم، يمثل الصراع السوري التحدي الأكبر لتنظيم القاعدة. وهنا، أيضًا، كان أداء تنظيم القاعدة باهتًا. أرسل الظواهري كبار قدامى المحاربين الى سوريا، مشكلين ما يسمى بوحدة خراسان تحت راية جبهة النصرة التابعة له. ولكن أصبح هؤلاء متورطين في حرب عصابات دموية مع داعش، التي استخدمت انتحاريين لاستهداف كبار قادة تنظيم القاعدة. حتى مع كون داعش تحت ضغط جديد من قبل الحملة الجوية بقيادة الولايات المتحدة، لم يكن تنظيم القاعدة قادرًا على الفوز بمكان في قمة المعارضة للرئيس السوري بشار الأسد.

 

تعطيل الإرهاب

 

إذا كان قد تم عزل بن لادن والظواهري في المناطق القبلية النائية في عام 1994 بدلا من عام 2004، لم يكونوا ليتمكنوا من الحفاظ على شبكة عالمية من الشركاء التابعين أو إلهام أنصارهم النائيين. ولكن بعد 11 سبتمبر، وفر التوسع في شبكة الإنترنت لبن لادن ونوابه وسائل لنقل عقيدتهم، ونشر الدعاية لها، والتواصل مع المرؤوسين، وتوجيه المجندين الجدد من أبعد المواقع. أصبحت منتديات تنظيم القاعدة المحمية بكلمة مرور منصة نشر عالمية تربط بين الجهاديين متماثلي الفِكر من جميع أنحاء العالم.

وقد استفاد أبو مصعب الزرقاوي، قائد الجماعة التابعة لتنظيم القاعدة في العراق ، من استخدام الإنترنت الجهادي في اتجاه جديد. فتروي أنشطة الجماعة على الانترنت قصصها الخاصة: تحول المحتوى من اللقطات الثابتة لبن لادن ملوحًا بإصبعه لمقاطع فيديو من الاعتداءات والتفجيرات العنيفة التي تستهدف الجنود الأمريكيين. أصبح يوتيوب منصة التواصل الأولى في اتجاهين لجميع أنصار الجهاد للتناغم والترويج لبطولات الزرقاوي ومعاونيه في المعارك، وليس بالضرورة لتنظيم القاعدة المركزي.

ولكنه كان العولقي، المقيم باليمن، هو الذي جلب لتنظيم القاعدة أكبر نجاح له على الانترنت. إن وعظ رجل الدين الأمريكي عبر الإنترنت ، واتصالاته الفردية مع الجهاديين الغربيين، إلى جانب نشر مجة الجهاد الإنجليزية Inspire، هم ما قدموا لتنظيم القاعدة مجندين جدد من الغرب. لكن موت العولقي في عام 2011، إلى جانب موت مساعده الإلكتروني، الأمريكي سمير خان، مثّل ضربة كبيرة لبصمة تنظيم القاعدة على الإنترنت. وكانت أعداد Inspire  اللاحقة أقل تواترًا، وأقل جودة، وطغت عليها إلى حد كبير براعة وسائل الإعلام الجديدة التي أطلقتها داعش.

فتحت وفاة بن لادن، إلى جانب التوسع في وسائل التواصل الاجتماعي، الباب على مصراعيه. حتى عام 2011، كان احترام بن لادن واستخدام تنظيم القاعدة للمنتديات التي تسيطر عليها من شأنه الاحتفاظ برسالة تنظيم القاعدة والتواصل مع مؤيديه. ولكن الأمر اختلف تحت قيادة الظواهري، ووسط صعود منصات وسائل التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك وتويتر، ويوتيوب. فجأة، أصبح بإمكان أي مؤيد جهادي بغض النظر عن مؤهلاته الأيديولوجية أن يقود المناقشات الجهادية، ويتحدى اتجاه تنظيم القاعدة، أو يقوم بتوجيه أقرانه أو أقرانها لدعم حملة وترك أخرى.

على الانترنت، تحول معنى الجهاد العالمي من التركيز على العنف كوسيلة للوصول إلى دولة إسلامية (النهج الذي ينادي به تنظيم القاعدة) إلى إقامة دولة كوسيلة لمتابعة العنف (وهو النهج الذي تتبعه داعش). أشار عمر الهمامي، وهو مقاتل أجنبي أمريكي انشق عن حركة الشباب، إلى هذا التحول بشكل جيد عندما كان هاربًا من زعيم الجماعة. وقد كتب على تويتر في يناير 2013: "الإرهاب هو العنصر الرئيسي طالما تتبع الشريعة. ما بعد القاعدة = الجهاد واسع النطاق".

ويبدو بشكل متزايد أن الجهاديين الشباب قد تعدوا مرحلة تنظيم القاعدة، بسبب العنف في الصراع السوري أكثر من القضية الإسلامية. في سوريا، طبق تنظيم القاعدة نهجه المفضل، المناورة التي تعتمد على القدرات من وراء الكواليس، وعمِل في المقام الأول من خلال مبعوثين رفيعي المستوى مع جبهة النصرة. على النقيض من ذلك، فقد نشرت داعش على الإنترنت بعض المحتوى الجهادي الأكثر وحشية في التاريخ. وعلى خلاف التقليد المتبع، بدأ الظواهري بإصدار توجيهاته بشكل علني لتجاوز المرؤوسين العصاة في سبتمبر 2013، لكنه فشل إلى حد كبير في مواكبة داعش في بناء جمهور أصغر سنًا.

محاربة الانحدار

حققت القاعدة تحت قيادة بن لادن، على عكس المنافسين الجدد، سمعة سيئة في المقام الأول من خلال الهجمات المذهلة على أهداف غربية – وهي النجاحات التي فشلت المجموعة في تكرارها في السنوات الأخيرة. الهجمات على سفارتي الولايات المتحدة في دار السلام ونيروبي عام 1998، وتفجير المدمرة الأمريكية كول في عام 2000، وهجمات 11 سبتمبر، وتفجيرات لندن عام 2005، كلها وضعت سقفًا عاليًا. ولطالما انتظر أنصار تنظيم القاعدة نجاحًا مساويًا، ولكن لم تقع مثل هذه الهجمات منذ عشر سنوات.

لتجنب التهميش تماما، يمكن لتنظيم القاعدة التحرك في عدة اتجاهات مختلفة. أولًا، يمكن أن يقلد داعش في إعلان دولته الخاصة. ولكن فشل تنظيم القاعدة الأخير في شمال أفريقيا والصومال وسوريا واليمن يشير أنه يفتقر إلى القدرة على إجراء مثل هذا الجهد، على الرغم من أن الانهيار الأخير للدولة اليمنية يمكن أن يوفر فرصة مثالية للاستيلاء على الأراضي. ثانيا، يمكن لتنظيم القاعدة زيادة وتيرة هجماته على أهداف غربية على أمل استعادة الأضواء واستعادة قاعدة الموارد والتجنيد في الخارج. توفر داعش نموذجا هنا، أيضا: إن الهجوم على شارلي إيبدو كان دليلا على أن الجماعات الإرهابية لم تعد بحاجة إلى خطة معقدة وخطط مذهلة للقنابل، عندما يمكن لاثنين من الأفراد المسلحين أن يحققوا نفس النتائج. ثالثا، يمكن لتنظيم القاعدة التخلي عن استقلاله تماما والانضمام إلى داعش، معترفًا أن وقت ازدهاره قد مر وانحازت قلوب وعقول المسلمين المحرومين من حريتهم لنسخة أكثر عنفًا من الجهاد. وهذه النتيجة غير محتملة، بطبيعة الحال. يدرك تنظيم القاعدة بأن الجهاد الذي تمارسه داعش هو أكثر تنفيرًا لعامة المسلمين. والظواهري، طالما ظل على قيد الحياة، فمن غير المحتمل أن ينحني أبدًا إلى زعيم داعش أبو بكر البغدادي.

كل هذه النتائج المحتملة يمكن أن تؤدي إلى ضرر كبير للدول الغربية. لذا يجب على الولايات المتحدة وحلفاءها أن يظلوا يقظين. يجب أن تستمر جهود مكافحة الإرهاب ضد الجماعة على قدم وساق، مع التركيز على جماعات العمليات الخارجية لتنظيم القاعدة في اليمن وسوريا. وينبغي لوكالات الاستخبارات الغربية أيضًا استخدام العمليات السرية لزرع المزيد من الشقاق بين القاعدة وداعش في سوريا واليمن وباكستان لإضعاف المجموعتين والدعم الشعبي الذي يصل إليهم. وينبغي على الحكومات الغربية الاستعداد لمواجهة المزيد من الخطط على غرار هجوم شارلي إيبدو.

ستخبرنا الأشهر المقبلة بالكثير. إذا كان تنظيم القاعدة يريد أن يكون أكثر من فصل في كتب التاريخ الجهادية، فإنه سيحاول كتابة موسم دموي جديد. بخلاف ذلك، سوف لا يزيد عن كونه التنظيم الذي وضع بذرة الدولة الإسلامية.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب