وداعا بوتين!

مقال رأي

كلما طالت الحرب الروسية ضد أوكرانيا زادت احتمالية انهيار نظام الرئيس فلاديمير بوتين.

رغم تهديدات بوتين، يبدو النظام الاستبدادي الذي بناه هشًا للغاية. يمثل بوتين نواة النظام، بينما يحيط به الموالين المتعطشين للسلطة الذين اجتذبهم بوتين إلي دائرته المقربة. بعض هؤلاء الأفراد ينتمون إلي مؤسسات قوية مثل الشرطة السرية أو الجيش، والذين يطلق عليهم "الحرس القديم،" أو "سلوفيكي" باللغة الروسية. بينما آخرون كانوا تابعين لوكالات حكومية مختلفة سابقًا يدينون بالولاء لبوتين فقط. في نظامٍ مثل هذا، تكون مكافأة التملق أعلى من حسن الإدارة، يسعي الجميع لاكتناز الثروات، تخسر السياسات فاعليتها، ويصبح الفساد معتادًا.

إن أيدولوجية "القيصرية الجديدة" للإمبريالية الروسية، والصحوة الأثوذكسية، وأفكار أخري تتعلق بـ"القومية السلافية" ومعاداة الغرب التي بناها بوتين ليست جذابة بشكل كافي بالنسبة للرجال المتشائمين الذين يساعدون بوتين في إدارة روسيا. وبالتالي فإن قدرة بوتين علي الاحتفاظ بولائهم تتوقف بشكل أساسي علي سيطرته علي الموارد المالية للبلاد. وبفضل أسعار الطاقة المرتفعة بشكل قياسي التي صاحبت توليه للسلطة عام 1999، كان بوتين قادرًا علي اختلاس حوالي 45 مليار دولار لنفسه بينما يظل لديه أموال تكفي لرفع المستوي المعيشي لبلاده، وتقوية الجيش الروسي، وإبقاء دائرته المقربة سعيدة. إلا أن ذلك ليس أبديًا، حيث انهارت أسعار النفط ومن المرجح أن تظل منخفضة، والعقوبات الغربية تضرب بقوة، والاقتصاد الروسي يستمر في الانحدار.

عاجلا أم آجلا سيُجبر بوتين علي إجراء بعض التخفيضات في الإنفاق، لكن من الصعب تحديد القطاع الذي سيخفض بوتين انفاقه. ففي ضوء الحرب الجارية في أكرانيا وحملته الفكرية المعادية للغرب، سيكون خفض النفقات العسكرية غير مُجد. وستنخفض شعبية بوتين بدرجة خطيرة إن خفَّض دعم الطبقات الفقيرة. وبالتالي فإن الخيار الوحيد ربما يكون أن يوقف دائرته عن الاستقطاع من خزائن الدولة، حتي وإن كان ذلك سيستعديهم.

حظي بوتين بدعم شعبي واسع طوال 15 عامًا – أي منذ توليه الحكم– بفضل سجله الحافل بالنجاحات. فقد سحق التمرد الشيشاني، وأشرف علي إصلاحات داخل الجيش، وتولي تطوير البنية التحتية، وحسن حياة المواطن الروسي المتوسط، واحتال علي الغرب بشكل منتظم. لكنه أفسد كل ذلك بعد أولمبياد سوتشي 2014 مباشرة. فقد مثل ضم شبه جزيرة القرم كارثة اقتصادية لم يمكن احتواء شدتها. كذلك أدت الحرب الروسية شرقي أوكرانيا إلى مقتل آلاف الروس. أوكرانيا التي كانت في طريقها لتكون دولة تابعة لروسيا تحت حكم الرئيس السابق فيكتور يانوكوفيتش، أصبحت الآن ضد السياسات الروسية. والروبل ومعه الاقتصاد الروسي في مرحلة السقوط الحر تحت تأثير العقوبات الغربية. الآن يُقارن بوتين، "رجل العام" الروسي، عادةً بأدولف هتلر.

بعيدا عن أخطائه السياسية، يعاني بوتين مشكلة في شعبيته. حيث كان يستطيع تصوير نفسه قبل 15 عامًا كقائد كاريزمي استطاع، رغم ضآلته، ملاحقة المتمردين الشيشان، حتي وإن كانوا "خارج روسيا" علي حد تعبيره. لذلك ارتبط بوتين عند شعبه بصورة الرجل القوي، خصوصا مع زعمه القدرة علي إعادة مجد الامبراطورية الروسية. أما الآن فعمره 62 عامًا ويبدو عليه التعب وقد ترهل وجهه، ومن الصعب تصور ان المغنيتان اللتان غنتا يومًا "أريد رجلًا مثل بوتين" ستشعران بنفس الشيء اليوم.

يدرك بوتين أنه في موقف صعب. فقد بدأ الحرب في أوكرانيا، والآن عليه أن ينهيها مع حفظ ماء وجهه، إلا أنه يبدو واضحًا من سلوكه العشوائي أنه ليس لديه استراتيجية. فلا سبيل لديه لسحق أوكرانيا دون إحداث نزاع عالمي. ولا سبيل لإضعاف الاقتصاد الأكراني دون تدمير الاقتصاد الروسي في ذات الوقت. وللمفارقة، الأمر الوحيد الذي يستطيع بوتين فعله بسهولة – وهو أن يعلن انتصاره في دونباس وأن يسحب قواته– يعتبر غير مسموح به بالنسبة له، ليس لأنه غير مجدي سياسيًا (فمعظم الروس سيسرهم الخروج من هذه الفوضي)، لكن لأن هوسه بشخصيته يمنعه من إبداء أي تراجع.

الإطاحة بالرئيس

جميع الدلائل تشير إلي انهيار نظام بوتين في النهاية.

رغم أن 85 بالمائة من الروس حاليا يدعمون الرئيس، إلا أن ثورة برتقالية في موسكو ليست مستبعدة، فقد شهدت المدينة سلسلة من الاحتجاجات الشعبية المعارضة لبوتين خلال السنوات القليلة الماضية. كما أن الحركات المشابهة لا يجب أن تشمل كامل البلاد كي تكون مؤثرة، المسيرات في العاصمة، مثلما حدث في القاهرة، كييف، ومانيلا، يمكن أن تُحدث تغييرًا في النظام.

يمثل الانقلاب احتمالية أخري. فأفراد الـ"سلوفيكي" مثل جميع أفراد الحرس القديم في أي نظام يمثلون سلاحًا ذا حدين. فيستطيعون إبقاء بوتين في السلطة عبر سحق المعارضة السياسية، لكن يمكنهم أيضا تنظيم انقلاب إن استنتجوا أن سياسات بوتين تعيق تعزيز ثرواتهم وأمنهم الشخصي. ويدرك بوتين أنه حل مكان بوريس يلتسين (كما حل بريجنيف محل نيكيتا خروتشوف) بهذه الطريقة.

حتي وإن لم يطاح ببوتين عبر ثورة شعبية أو انقلاب، فسيكون مقيدًا بفعل الاضطرابات في المناطق الغير روسية الخاضعة لروسيا. فقد خرجت أجزاء كبيرة من شمال القوقاز، علي سبيل المثال، عن سيطرة موسكو، وذلك حسبما تُظهر الهجمات الإرهابية الأخيرة في الشيشان، بالإضافة إلي العنف المستمر في إنغوشيا وداغستان. فبينما يتفسخ النظام بشكل ظاهر ويفقد بوتين بريقه، قد يحاكي المقاتلون غير الروس نداء بوتين بحق الروسيين في تقرير المصير في جنوب شرقي أوكرانيا وأن يسعوا لتطبيق أجنداتهم الانفصالية الخاصة - عبر الاحتجاجات الحاشدة حينما يمكن، وعبر العنف عندما يكون ضروريًا. قد يكون تتار القرم، والذين يتنامي إحباطهم بفعل الحكم الروسي القمعي بشكل متزايد، أول من يتصرفون بشكل عنيف. وتتار الفولجا والبشكيريون، والذين لديهم احتياطيات نفطية كبيرة، يمكن بسهولة أن يتبعوهم ويطالبوا بشكل أكبر من الحكم الذاتي أو الاستقلال، مثلما فعلوا في التسعينيات.

روسيا بعد بوتين

هل ستكون روسيا والعالم في حال أفضل بعد بوتين؟ نعم، فقط إن أنهي خليفة بوتين الحرب وعقد تسوية مع الغرب.

يُرجح أن خليفة بوتين، أيا كان زمن وصوله إلي السلطة، سيكون متشددًا. إلا أن أولويته الأولي ستكون أن يتخلص من الفوضي التي خلفها بوتين. هناك فرص أن يميل الرئيس الجديد أكثر إلي إنهاء الحرب وأن يتبني لهجة تصالحية ندية مع باقي دول العالم.

إن لم يكن خليفة بوتين متشددًا، ستكون تلك الفرص أكبر. إنها مسؤلية صغيرة لكنها حقيقية: قد يستطيع الديمقراطيون الروس أن يصلوا إلي الحكم في وقت انتشار الفوضي وعدم الاستقرار، خصوصًا إن نجحوا في تشكيل تحالفات مع الروس الساخطين بشكل متزايد الذين يلقي أبناءهم حتفهم في أوكرانيا ومع الأقليات غير الروسية، مثلما فعل يلتسين في فترة اضمحلال الاتحاد السوفيتي. وإن استرشدنا بالتاريخ، لن نتوصل إلي توقع دقيق لهوية الزعيم الروسي القادم. فقد خلف الزعيم البغيض ستالين الزعيم الشنيع لينين، لكن ستالين خلفه المعتدل خروتشوف، والذي حل مكانه بريجنيف الأسوء، الذي خلفه جورباتشوف الجيد، ثم سلم جورباتشوف السلطة إلي يلتسين الجيد جدا، والذي أطاح به بوتين البغيض.

في غضون ذلك، يجب أن يفعل الغرب كل ما يمكن لدعم أوكرانيا ولتشجيع بوتين علي تهدئة الحرب. ويمكن للغرب أيضًا أن يضع حدودًا لتداعيات الانهيار المحتمل للنظام عبر دعم جيران روسيا – خصوصا بيلاروسيا، كازاخستان، وأوكرانيا– علي الأصعدة الاقتصادية، والدبلوماسية، والعسكرية. فعندما ينهار السد الروسي المتهالك – والذي سينهار لا محالة– ستستطيع الدول غير الروسية القوية والمستقرة أن تحتوي الفيضان الناتج، حاميًة باقي العالم من إرث بوتين الكارثي من الخراب.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب