يجب أن يسلّح الغرب أوكرانيا

مقال رأي

 

قبل أن تحدد الولايات المتحدة كيفية تقديم الدعم إلي أوكرانيا في حربها ضد روسيا، علي واشنطن أن تتوصل إلي كيفية إدماج أوكرانيا في مصالحها الاستراتيجية، و مصالح الغرب بشكل أعم. لكن يبدو أن البيت الأبيض قد فشل في كلا الأمرين، فوفق وثيقة "إستراتيجية الأمن القومي" الصادرة مؤخرا، قال البيت الأبيض أنه يجب مقاومة العدوان الروسي ودعم الشعب الأوكراني بينما "يختار مستقبله وينمي ديمقراطتيه واقتصاده".

يبدو ذلك جيدا، لكن ما المقصود بكلمة "دعم"؟ كان هنري كيسنجر، مستشار الأمن القومي سابقا ووزير الخارجية الأسبق أقل غموضًا حينما قال فى إحدى جلسات استماع لجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ بتاريخ 29 يناير: "يجب الحفاظ علي أوكرانيا بحدودها القائمة وعلي القوات الروسية أن تنسحب كجزء من تسوية." وتابع: "يجب أن يؤدي ذلك إلي أوكرانيا حرة، وقد يتضمن ذلك بعض الإجراءات العسكرية كجزء من ذلك، لكنني قلق من اتخاذ إجراءات عسكرية وحدها دون وجود استراتيجية مطروحة ."

يبدو أن كيسنجر محق، فيجب أن تظل أوكرانيا حرة، لكن لماذا؟ تتطلب الإجابة علي ذلك السؤال استراتيجية شاملة تستمد من الحقائق الجيوسياسية الصعبة. يجادل بعض المحللون بأن روسيا أكثر أهمية بكثير للولايات المتحدة من أوكرانيا بسبب حجمها، نفطها، اقتصادها، وجيشها. بينما يشير آخرون إلي أن للدولتين نفس الأهمية، فعلى الأقل يتوق سكان أوكرانيا إلي الانضمام الكامل للغرب. لكن في الواقع يبدو أن الصواب قد جانب كلا الرأيين. فأهمية أوكرانيا تعتمد علي ما تمثله روسيا بالنسبة للولايات المتحدة، هل تمثل روسيا رصيدا استراتيجيا أم تهديدا استراتيجيا؟ وبناءً على ذلك قد تكون أوكرانيا إما غير مهمة استراتيجيًا أو بالغة الأهمية.

أهمية أوكرانيا

فى حالة فراغ جيوسياسي (او تعادل بقية المتغيرات كما يسميها الأكادميين)، لن تمثل أوكرانيا الكثير بالنسبة للولايات المتحدة على صعيد الأمن، الاستقرار، الازدهار، والديمقراطية. طالما ظلت أوكرانيا دولة ضعيفة عسكريا واقتصاديا ودون موارد استراتيجية، ستظل قدرتها على التأثير على الولايات المتحدة هامشية في أفضل أحوالها.

وعلى العكس، تحمل روسيا أهمية أكبر كثيرا من أوكرانيا، بغض النظر عن قوتها أو ضعفها، صديقةً كانت أم معادية. فرغم أن اقتصادها غارق في حالة من الفوضي وأن تعدادها السكاني في تناقص، إلا أنها تمثل قوة إقليمية تعمل علي تحسين قدراتها العسكرية. إنها دولة هائلة المساحة وتحتل موقعا محوريا بين أوروبا وآسيا. كذلك لديها مقعد في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة وتتمتع بمجموعة كبيرة من الأسلحة النووية. كما أنها تمتلك احتياطيات ضخمة من موردي العالم الأهم استراتيجيا، النفط والغاز.

في ظل الظروف العادية، عندما تتمتع روسيا بعلاقات ودية مع الغرب – وعلي عكس ما يعتقد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، من مصلحة الغرب أن تقوم علاقة ودية مع روسيا قوية– سيكون من المهم بشدة بالنسبة للولايات المتحدة وأوروبا أن توليا روسيا أهمية استراتيجية أكبر من أوكرانيا. لكننا لا نعيش ظروفا عاديا.

عندما تتدهور العلاقات مع روسيا إلي حد ما – لدرجة أن تتداخل موسكو مع مساعي الغرب لتحقيق مصالحه– تمثل أوكرانيا أهمية تكتيكية محتملة بالنسبة للغرب. عند ذلك يمكن للولايات المتحدة وأوربا أن تستخدما أوكرانيا لتحقيق التوازن الإقليمي، أو علي نحو أدق، أن تشيرا إلي عدم رضاهما عن السلوك الروسي عبر إشراك كييف في بعثات حفظ السلام الغربية أو في المبادرات الدبلوماسية في الأمم المتحدة، منظمة الأمن والتعاون، أو المؤسسات الدولية والإقليمية الأخري. وعندما تتدهور العلاقات مع روسيا لدرجة أن تمثل روسيا تهديدا استراتيجيا بالنسبة للغرب، تكتسب أوكرانيا فورا أهمية استراتيجية بالنسبة للولايات المتحدة وأوروبا. في ظل الأوضاع المماثلة، تمثل أوكرانيا عاملا مفيدا في تحقيق التوازن، وكذلك مكونا أساسيا في استراتيجية الدفاع الغربية ضد روسيا. وبالتالي فإن أهمية أوكرانيا بالنسبة للغرب تتغير مع تغير العلاقات الأمريكية والأوروبية مع روسيا. وفي هذه الحالة، ستمثل أوكرانيا حليفا غربيا، يماثل في أهميته ألمانيا الغربية خلال الحرب الباردة.

المجازفة الروسية

كيف يجب أن يفسر الغرب المعادلة الإقليمية بين روسيا وأكرانيا؟ انتقلت روسيا تدريجيا خلال 24 عاما من كونها ضعيفة وصديقة خلال حكم الرئيس بوريس يلتسين (وكان لأوكرانيا أهمية استراتيجية ضئيلة) إلي دولة ضعيفة ومعادية خلال السنوات الخمس الأولي من حكم الرئيس فلاديمير بوتين (وظلت أوكرانيا ضئيلة الأهمية الاستراتيجية) ثم إلى دولة قوية ومعادية منذ الثورة البرتقالية في أوكرانيا عام 2004 والحرب الروسية ضد جورجيا عام 2008 (وعند ذلك بدأ يصبح لأوكرانيا أهمية استراتيجية). في عام 2014، ومع استحواذ موسكو علي شبه جزيرة القرم والعدوان الروسي علي منطقة دونباس التابعة لأوكرانيا، انتقلت روسيا من عدائها البسيط مع الغرب إلي الاعتداء السافر علي الغرب وقيمه، مؤسساته، ومصالحه (وعندها أصبحت أوكرانيا رصيدا استراتيجيا مهما). ولكن انجراف بوتين نحو العدوانية لم يكن نتيجة الرغبة الغربية المفترضة في انتزاع كييف من روسيا ودمج أوكرانيا في حلف الناتو – فقد أرادت أقلية صغيرة فقط من الأوكرانيين أن تنضم أوكرانيا إلي حلف الناتو قبل عام 2014– ولكن نتيجة تأسيس بوتين في منتصف العقد الماضي لنظام فاشي جعل القيام بصحوة امبراطورية واعادة تأسيس مكانة روسيا تحت الشمس جوهر استراتيجية بوتين لإضفاء الشرعية.

لذلك يري بوتين أن روسيا تخوض صراعا حضاريا مع الغرب. فمن وجهة نظره، تؤيد روسيا الحكم الشمولي، المحافظة، والحيوية الأخلاقية، بينما يمثل الغرب الديمقراطية الفوضوية، والتحررية المتفشية، والانحطاط الأخلاقي. ويمثل العدوان الروسي في أوكرانيا تحديا للهيكل الأمني لما بعد الحرب العالمية الثانية بالكامل، وكذلك تحديا لأهمية مؤسسات ذلك الهيكل، مثل الناتو، والاتحاد الأوروبي، ومنظمة الأمن والتعاون، بل وحتي الأمم المتحدة. أخيرا، يبدو أن بوتين عازم علي إضعاف الغرب اقتصاديا، لتقسيمه سياسيا، حتي تصبح روسيا القوة المهيمنة في القارة الأوروبية.

لذلك تهدد أفعال بوتين أمن، استقرار، ازدهار، وديمقراطية الغرب. فقد أصبحت فكرة الحرب في أوروبا معقولة وحقيقية، كما أن استعراض بوتين لقوته في محيط أوروبا يشير إلي احتمالية رغبته في توسيع اعتداءاته إلي ما هو أبعد من أوكرانيا. وبالإضافة إلي زعزعة الاستقرار في أوروبا، يخفض بوتين المستويات المعيشية للشعوب الأوروبية عبر إجبار الدول الأوروبية علي توجيه إنفاقها نحو الدفاع في فترة هبوط اقتصادي. وأخيرًا، بترويجه للاستبداد العدواني الخاص به واجتذابه للداعمين في أوروبا، يعيق بوتين مسيرة الديمقراطية والقيم الأوروبية.

يتضح من ذلك أن حرب بوتين ضد أوكرانيا هي بالتالي حرب ضد أوروبا. وعلي ذلك الأساس أصبحت روسيا تهديدا استراتيجيا للولايات المتحدة. والآن نتيجة لذلك، أصبح موقع أوكرانيا الجيوسياسي بين روسيا والغرب عنصرا حيويا في استراتيجية الدفاع الغربي أمام بوتين. كذلك ستمثل أوكرانيا رصيدا استراتيجيا في حالة انهيار نظام بوتين الفاسد، الرجعي، والاستبدادي. في تلك الحالة، ستؤدي أوكرانيا دور حائط الصد الغربي أمام الفوضي الروسية، وليس العدوان الروسي.

الحلفاء المسلحون

ستؤدي الأهمية الاستراتيجية الجديدة لأوكرانيا بالنسبة للغرب إلي عدة عواقب علي السياسية الغربية تجاه أوكرانيا. فتستطيع أوكرانيا أن تدافع عن الغرب ضد روسيا إن استطاعت الدفاع عن نفسها في صراعها الحالي مع روسيا، وإن توفرت لها القدرة الاقتصادية والسياسية لتكوين نظام سياسي يستطيع الدفاع عن نفسه أمام عدم الاستقرار علي المدي الطويل. أي أن أوكرانيا تحتاج إلي جيش قوي يمكنه ردع المزيد من الهجمات الروسية، كذلك تحتاج إلي اقتصاد قوي كفاية للحفاظ على ذلك الجيش. وكما قالت وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة، مادلين أولبرايت، في جلسة استماع بتاريخ 29 يناير: "يجب أن يحسن دعمنا لأوكرانيا قدراتها الأمنية وأن يدعم الإصلاحات الحكومية الطموحة، لأن أوكرانيا ستحتاج لاستعادة الأمن وإلي تطبيق تغييرات اقتصادية هائلة حتي تتجاوز الأزمة الحالية."

هناك افتراضين يدفعان لتقديم مساعدة عسكرية واقتصادية إلي أوكرانيا كجزء من استراتيجية دفاعية غربية أكبر ضد روسيا معادية. أولهما، أنه من مصلحة الغرب وأوكرانيا أن تكون روسيا قوية وصديقة، ففي تلك الحالة يمكن لروسيا أن تكون شريكا يعتمد عليه في الحفاظ علي نظام عالمي مستقر ومنضبط. وثانيهما، أن بوتين مهتم بمصالح روسيا – والتي تتمثل في الأمن، الاستقرار، الازدهار، إذا لم يكن الديمقراطية– وأنه عقلاني الاستجابة تجاه الحوافز الإيجابية والسلبية. إن كان بوتين عازما علي مواصلة تصعيده للحرب (مثلما فعل باستحواذه علي شبه جزيرة القرم)، وأن يدمر أوكرانيا، ثم يمضي إلي أوروبا مهما كان الثمن، فإن التعامل مع أوكرانيا كرصيد استراتيجي غربي لن يكون له أي تأثير علي نواياه، ولكنه سيعيق تنفيذها بشكل معقول. أما إن كان بوتين وطنيا روسيا متعقلا، فإن أوكرانيا أقوى ستقوده إلي تهدئة الصراع ومحاولة التوصل إلي حل تفاوضي للحرب، وستصب أوكرانيا قوية وصديقة في مصلحة روسيا. لا يمكننا تخمين نوايا بوتين، لكن في كلا الحالتين ستكون لقوة أوكرانيا آثار استراتيجية إيجابية.

أصبحت مهمة الولايات المتحدة والغرب واضحة. لن يضطر صناع القرار إلي "القلق" عند الحديث عن إجراءات عسكرية، تحديدا لأن الاستراتيجية التي تبرر تلك الإجراءات موجودة. روسيا قوية وتتخذ موقفا معاديا جدا من كل ما يدعمه الغرب، وتستطيع أوكرانيا القوية أن تساهم في إيقاف العدوان الروسي تجاه الغرب. ولن يكون التدخل البري الغربي في أوكرانيا أو عضوية أوكرانيا في حلف الناتو ضرورة. بل يجب أن تكون أوكرانيا قوية عسكريًا بشكل كافي كي تمنع المزيد من التوسع الروسي. وحتي يتحقق ذلك، تحتاج كييف إلي استخبارات لحظية، وسائل اتصال متقدمة، وصواريخ مضادة للدبابات. التحدي أعظم بالنسبة للغرب في الواقع هو من الناحية الاقتصادية حيث قد يتوجب تقديم مساعدات تصل إلي 50 مليار دولار بشكل حتمي، مثلما يشير المستثمر جورج سوروس.

إن أصبح بوتين متصالحا بشكل حقيقي وأنهي الحرب في الدونباس، سيركز الالتزام الغربي تجاه أوكرانيا علي المساعدة الاقتصادية فقط. وإن استمر علي نهجه الغير عقلاني في تصعيد الحرب، سيضطر الغرب إلي تعزيز موقف أوكرانيا وموقفه الدفاعي. ولكن أيا كان رد فعل بوتين، يجب علي الولايات المتحدة وأوروبا ألا تتغافلا عن حقيقة أن استراتيجيتهما تجاه أوكرانيا هي جزء من استراتيجية أكبر متعلقة بروسيا تهدف إلي أن تكون روسيا قوية وصديقة. وبالتالي ومع تسريع تقديم المساعدة إلي أوكرانيا، يجب أن يضاعف الغرب جهوده الدبلوماسية، والتي تكون في أفضل أحوالها عندما تدعم بالحوافز الاقتصادية والعسكرية.

عندما تتخلي روسيا عن عدائيتها وتصبح دولة صديقة للغرب، وهو ما قد يستغرق شهورا أو أعوام، ستتضاءل أهمية أوكرانيا الاستراتيجية وسيعتبر الغرب أوكرانيا دولة مستقرة، آمنة، موالية للغرب ومتمتعة بعلاقات عادية مع روسيا القوية والسلمية. حتى يحدث ذلك، يبقي الدفاع عن مصالح أوكرانيا الاستراتيجية – وهي الأمن، الاستقرار، الازدهار، والديمقراطية– أفضل وسيلة للدفاع عن مصالح الغرب الاستراتيجية.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب